المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد القدوسي Headshot

كتاب الثورة"2"| الإصلاح والمعارضة

تم النشر: تم التحديث:

ليست الثورة مجرد "رأي". ليست مجرد "وجهة نظر" ولا هي "موقف" يمكن اتخاذ موقف -أو مواقف- بدلاً منه، لكنها "مجازفة كبرى" أو هي "المجازفة الكبرى" التي يخوضها الثوار مدفوعين بوعي يصهرهم في جماعة، تعبر -هي- بالثورة عن غريزة "حب البقاء" في ذروتها، ويضحون -هم- حتى بأرواحهم، في سبيلها.

وعي يؤكد لهم أنه لا بديل أمامهم عن الثورة، مهما عظمت الصعوبات وتضاءلت فرص النجاح، امتلاكهم له هو دافع استمرار الثورة مهما منيت بالخيبات، وتناميه سر كونها "الحرب الوحيدة التي لا يتحقق فيها النصر إلا بعد سلسلة من الهزائم" ومع ذلك يظل مقاتلوها أوفياء لها مستمسكين بها متفاءلين وهم يخوضونها.

الثورة وعي بحتمية التغيير، ووعي بطبيعة هذا التغيير، وأنه "هدم" ثم "بناء"، وهي نقيض "الإصلاح" بمعنى ترميم أو تعديل أو تحسين الدولة القائمة بسلطاتها ومؤسساتها ونظامها القانوني، حيث يسعى الإصلاح إلى "الحفاظ" على الدولة، بينما تسعى الثورة لهدمها وإقامة دولة جديدة مكانها، ولا شك في أن الإصلاح نقيض الهدم، وغير ذلك يكون إهداراً للثورة وجهلاً بها في أصلها وفي تفاصيلها.

وفي هذا السياق، دعونا نتذكر أن "تغيير الدستور" يأتي دائماً على رأس أولويات الثورات، في قاعدة بدا أن "الربيع العربي" التزم بها أيضاً، ولا أدري كيف يتغير الدستور -ما يفترض تغيرَ كامل النظام القانوني الذي يتخذه مرجعية عليا له- ثم تبقى كل المؤسسات -التي نشأت في ظل النظام القانوني السابق- بكل قياداتها -التي أقسمت على احترام الدستور السابق- في أماكنها؟ كيف (وبدعوى الإصلاح) يُحكم مجتمع "الثورة" بالنظام نفسه الذي خرجت الثورة لإسقاطه؟

مفهوم -طبعا- أن ما جرى أشبه بعملية تجميل لأنف رجل ميت، سيظل عاجزاً عن التنفس مهما بدا في صورة أفضل، وأننا مجبرون في النهاية على دفن هذا الميت برمته، لكن لا بأس، فهذا يحدث يومياً، ألا تراهم في الغرب يجملون الموتى قبل أن يلقي أحبتهم النظرة الأخيرة عليهم، ثم ماذا؟ سيدفنونهم أو يحرقونهم حتماً! وهو نفس ما فعله الربيع العربي في مستهله، معتمداً على وعي في طور التكوين، إذ كان عليه أن يطوي صفحة "الإصلاح" بربطها بجثة النظام، تمهيداً لحرق أو دفن لم نصل إليه بعد.

فالمنهج الإصلاحي هو -في واقع الأمر- نقيض المنهج الثوري، من حيث أن الأول يسعى للإبقاء على دولة يناقضها الآخر؛ فضلاً عن أن الأولوية في الثورة للسياق، بينما الأولوية في الإصلاح للتفاصيل.

ولهذا من الطبيعي أن نجد الإصلاحيين، على اختلاف توجهاتهم، ينضمون إلى ركب "الثورة المضادة" في مرحلة ما، حتى وإن كانت الثورة قد أحرزت تقدماً. ولا يدهشنا أن نراهم، وقد انقلبوا على الثورة، يقاتلون ضدها بشراسة، ذلك أنهم يدافعون عن "طريقة عيشهم" لا عن "أكل عيشهم" فحسب! يدافعون عن دولة تعفنت وتلاشت لأنهم لا يعرفون غيرها.

وتبقى أزمة هؤلاء أنهم جزء من ماضٍ، يخلصون له، وهو يذهب بهم -في سياق الثورة المضادة- إلى مستقبل يرفض وجودهم ولا مكان لهم فيه. بينما هم أنفسهم يرفضون المضي إلى المستقبل مع ثورة لا يحملون قيمها.

وبديهي، في سياق الثورة، أن نجد قطاعات واسعة من "المعارضة" تعبر تباعاً باب "الإصلاح" منتقلة إلى جانب الثورة المضادة، ذلك أن "المعارضة جزء من النظام" كما تقول القاعدة المتداولة، ومع السعار الذي يصيب السلطة باحتدام أزمتها وتحلل النظام، فإن المعارضة إن لم تنحز للثورة تصبح جزءاً من السلطة، وبناء عليه فإن المعارضة هنا تصبح آلية من آليات الدفاع عن السلطة وجزءاً من "الثورة المضادة" لا من "الثورة".

إن هذه المعارضة التي لا ترى في الحراك الثوري أكثر من أنه حشد جماهيري، تتشابه جداً رؤيتها هذه مع رؤية السلطة، ويظل الفارق، غير الجوهري مهما كبر حجمه، هو أن السلطة تعمل منذ البداية للسيطرة على هذا الحراك، بينما المعارضة تعمل على استثماره سياسياً، ويتحول هذا التشابه إلى تماهٍ عندما يصبح العائد على المعارضة من إيقاف الحراك أكبر من عائد مشاركتها فيه، لتتطابق مصلحتها مع مصلحة السلطة، وبتطابق الغايات تتطابق الأدوات.

وفضلاً عن فارق التكوين، تتضح هنا أبرز الفروق الظاهرة بين المعارض والثوري، فالأول همه السلطة، ولو كانت سلطة الثورة المضادة، وكان موقعه منها مجرد "ديكور" لاستكمال شكلها بمقعد المعارضة، بينما الآخر يواصل مشروعه للتغيير، وصدامه مع الثورة المضادة، غير مبالٍ بوعدها ولا بوعيدها.

إن "الوعي" الذي أطلق شرارة الثورة يواصل تغذيتها في نفوس طليعة ثورية، لا تجد للتعبير عن علاقتها بالسلطة إلا وصف "ضد" أو "نقيض"، برغم اختلاف مشاربها، ويحدد منطق "التحدي والاستجابة" وجودها كمَّاً وكيفاً.

وفي الثورة المصرية، كانت طليعة الإسلاميين هي الأطول نفساً، إدراكاً لأن البديل هو "الخروج من التاريخ" ربما على نحو أسوأ مما حدث لمسلمي الأندلس، ولا يغيب عن الذهن تجارب الإبادة والاقتلاع في مختلف بقاع العالم منذ استسلام غرناطة (التي وجد مهاجروها في كثير من البقاع أنصاراً لا يجد لاجئو اليوم لهم مثيلاً). كما لا يغيب ما فعله العسكر بهم، منذ "محمد علي" من تنكيل واستبعاد، وإلصاق تهمة الإرهاب بهم، لدرجة أن العسكري الأقل شأناً "عبد الفتاح السيسي" اتهم المسلمين كلهم بأنهم يريدون قتل البشرية كلها!

ويجب -مبدئياً- تأكيد أن "طليعة الإسلاميين" لا يقصد بهم "علماء السلطان" الذين قال أحدهم لأقرانه ذات أمس قريب "دورنا هو تسييس الناس للحكام" فهز بعضهم رؤوسهم معجبين، ولا "عباد السلطان" الذين يأمرون الناس بطاعته ولو كان "نتنياهو"، ولا المؤسسة الدينية الرسمية في عمومها (مع تأكيد اختلاف أفرادها الذين تتنوع مشاربهم) ذلك أنها مجرد مؤسسة أخرى من مؤسسات الدولة، التي هي نقيض الثورة.

وعلى الأصل، نشأ "حكم العسكر" في مصر والمنطقة كلها ليكون بديل "دولة الإسلام" على نحو لم يكتف فيه "الجنرال" بمواجهة "السلطان/الخليفة" فحسب، بل كان أيضاً عوناً له لقمع أي حراك شعبي ما دام إسلامياً (كما فعل محمد علي في الدرعية)، وعوناً للمستعمر الغربي كلما تعلق الأمر باحتلال بقعة إسلامية (مساعدة محمد علي للفرنسيين على احتلال الجزائر) في مشهد يبدو مضطرباً تماماً، يظهر فيه الجنرال ضد السلطان ومعه، وضد المستعمر (الذي واجهه في نافارون) ومعه، وهو اضطراب لا يحل تشابك خيوطه إلا إدراك عداوة الجنرال للإسلام.

وإدراك أن تأسيس "محمد علي" في العام 1821م لما سمي بالجيش المصري (مع أنه لم يكن به مصريون تقريباً، وحين اضطر محمد علي للاستعانة بهم لم يسمح لهم بالترقي إلى رتب الضباط) لم يكن لحماية الشعب، بل لحماية الجنرال من الشعب الذي خدعه حتى أجلسه على أريكة الحكم ثم راح ينكل بقياداته ويواصل استعباده. ولم يكن لحماية الدولة بل للحماية من الدولة، فمصر لم تكن دولة بل كانت ولاية، أي جزءاً من دولة هي الدولة العثمانية، وكان الجيش أداة الجنرال لحماية نفسه من سلطان هذه الدولة، وهو أيضاً خليفة المسلمين.

وقد ظلت معطيات النشأة تهيمن على عقيدة الجيش، وهي "حماية الجنرال" الذي هو قلب السلطة وقطبها الأوحد أولاً وأخيراً. ولحماية الجنرال من الشعب أصبح الجيش قوة قمع ترى الوطن في مرآة السلطة التي تحرص على أن تظل في يدها. أما حمايته من الخليفة فجعلته يميل -بنيوياً- إلى التحالف مع القوى الدولية التي تعادي الخليفة، ودولته، ودينها.

هكذا، فإن الوعي لدى الإسلاميين تكون معظمه في مرآة الآخر، الذي لم يقصّر في مطاردتهم، ليدركوا ألا موطئ قدم لهم في المستقبل القريب جداً (ولا نتحدث هنا عن جيل الأبناء ولا الأحفاد) إن سارت الأمور على هذه الوتيرة.

كما أدت الثورة إلى بدء فرز كان يصعب جداً أن يبدأ لولاها، يلقي في معسكر الثورة المضادة بعلماء السلطان وعباده، وبالمؤسسة الدينية الرسمية، كما يلقي بغلاة التكفيريين من ناحية، وأقطاب التصوف من ناحية أخرى، لنكتشف أنهما -في خدمة السلطة- فريق واحد، فالتكفيريون ينتقلون من النقيض إلى النقيض، ويستعيرون حجج المتصوفة إقراراً بحق السلطة في مخالفة الآيات المحكمات، بينما يبلغون أقصى درجات التشدد في تكفير الأفراد لمجرد مخالفة فتوى فقيه. والمتصوفة يتحولون إلى تكفيريين لدرجة إباحة القتل لمن يخالف السلطة التي يرفعون ممثليها إلى مراتب الأنبياء، ويعدونهم في الحد الأدنى من أولياء الله الصالحين.

ولا شك في أن الإسلاميين يستفيدون كثيراً من "تطهير صفوفهم" وبيان انتماء هؤلاء للطغمة الحاكمة أولاً وأخيراً، وبالقدر نفسه فإن الطغمة الحاكمة تخشى اكتمال عملية الفرز هذه، لأنها باكتمالها تفقد أهم أدوات سيطرتها على الجماهير، وتجد "حرامها البين" وحيداً في مواجهة "الحلال البين".

وعلى أية حال فإن الفرز، الذي يشمل مختلف الفصائل، يرتبط وثيقاً ببنية دولة العسكر "جنرال في القلب وأقليات مساندة من حوله مع استبعاد الأغلبية" وهي البنية التي نتناولها تفصيلاً في الفصل التالي، والمؤسف أن الفرز عموماً يستهلك وقتاً ثميناً وجهداً كبيراً، لقطع روابط الأمس الزائفة، من مصالح ومشاعر، والتي تظل آثارها باقية مدة حتى بعد التمايز، على قاعدة "لم أغسل دمي من خبز أعدائي"*.

وإذا كانت الكنائس الرسمية، شأنها شأن سائر مؤسسات السلطة الدينية، وباعتبارها جزءاً آخر من الدولة التي تستهدفها الثورة، انحازت -بوضوح- للثورة المضادة، من أول بابا الفاتيكان، الذي أرسل برقية تأييد لبشار الأسد في سياق مجزرة حلب، إلى بطريرك الإسكندرية صاحب نداء "نَعَم تجلب النِّعَم"، فإن طليعة من المسيحيين أدركت أن المستعمر (الظهير الدولي للثورة المضادة) لا يرى فيهم إلا مجرد شرقيين آخرين، شأنهم شأن المسلمين، كما أن العسكر عاملهم طوال الوقت باعتبارهم "ورقة لعب" لا يتردد في "حرقها" إذا كان هذا يكفل له الربح.

والأسوأ أن تورط المؤسسات الكنسية الرسمية مع العسكر في قمع الثورة، انعكس سلباً على صلاتهم ببقية مواطنيهم، وجعل ورقة "الطائفية" التي رفعها العسكر تحت مسمى "حماية الأقليات" تصبح في الواقع ورقة المخاطرة بهم، نتيجة الاعتماد على الطائفية مرتكزاً أساسياً من مرتكزات الثورة المضادة.

حتى ليبيا التي لا يوجد بها تقريباً إلا المسلمون، جُلِبَ إليها الصراع الطائفي جلباً، واصطنع اصطناعاً. وإجمالاً فإن المؤسسات الرسمية التي تتغذى على الطائفية، تقع في قلب النواة الصلبة للثورة المضادة، فبمثل هذه الصراعات العنيفة والبعيدة عن استهداف السلطة يقود الطغاة الشعوب.

ويقدم درس "الحرب الأهلية" التي استثمره العسكر في سوريا وفي اليمن ورقة الطائفية لإشعالها، تحذيراً واضحاً وبليغاً، وهي حرب أبت أن تشب إلا وقد كشفت التحيزات الحقيقية لمؤسسات اتضح أنها، ومنذ نشأتها، كانت مجرد معسكرات طائفية لا أكثر.

أما اليسار، فلم يكن معظمه في طليعة صفوف الثورة، كما توقعه أصحاب الرؤى النظرية، فإذا بها -عملياً- تخلو -بالغياب أو بالتراجع- من فصائله الدوغماتية المعتمدة على اجترار تجارب بعض القادة، لدرجة أنها لا تجد لنفسها مسمى إلا بالانتساب إليهم؛ لأنها -وبغض النظر عن قدر هؤلاء القادة وقيمة تجاربهم- ليس القائم منها في ميزان (الحرية مقابل القمع) أكثر من كيانات تعتاش على الهتاف للزعيم، وليست في تجريدها أكثر من رؤية "ماضوية" تسعى إلى رابط الراهن بشرعية لحظة سابقة، ولهذا رأينا الحال ينتهي بمعظم منتسبيها وهم يقفون -بوضوح- في معسكر الثورة المضادة.

كما كان من الطبيعي أن يحضر "الاشتراكيون الثوريون" في طليعة المشهد الثوري بفضل رؤيتهم للثورة الدائمة المتجددة، التي لخصها "ليون تروتسكي" في ورقته التي كتبها في إسطنبول، 30 من نوفمبر/تشرين الثاني 1929، مشيراً إلى "نظرية الثورة الدائمة بالنسبة للبلدان ذات التطور البرجوازي المتأخر، وخاصة البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة" وهو وصف ينطبق تماماً على دول الربيع العربي.

ويقول عن الصدام الحتمي مع "الثورة المضادة"، إن "القوة القائدة للثورة الديمقراطية سوف تجابه حتماً وسريعاً مهام ترغمها على القيام بخروقات عميقة لقانون الملكية البرجوازي". كما يوضح أن ساحة الثورة تمتد لتشمل المحيط الإقليمي ثم العالمي، على نحو يفسر العدوانية التي ووجهت بها الثورة دولياً، مقاومة لمدها، حيث يقول: "تبدأ الثورة ضمن الإطار القومي وتتطور على الصعيد الدولي ثم تستكمل على الصعيد العالمي".

وكان الفرز -المفيد جداً- الذي أحدثته الثورة هو إعادة "القوميين" الذين كانوا يحسبون على اليسار إلى موقعهم الطبيعي في أقصى اليمين، كعنصريين أولاً وأخيراً، والمذهل أنهم بدَوا في النهاية سلطويين فقط، لا يهمهم حتى العرق الذي يزايدون به عنصرياً، حتى العروبة نفسها لا يبالون بها كثيراً، حيث تجاوزوا -من دون أدنى تريث- تحالف الثورة المضادة مع الكيان الصهيوني، ولم يكلفوا خاطرهم تجشم اعتذار ولا تصنع غضب، كانوا يهتفون ضد نظام "كامب ديفد"، لكنهم أصبحوا أعواناً وخدماً لنظام "ديفد" نفسه، لنتأكد من أن هؤلاء الذين دفعتهم "الثورة العربية 1916" إلى صدارة المشهد العربي كانوا مجرد "حصان طراودة" تسلَّل المستعمر من خلاله، ومهَّد به الطريق لإقامة الكيان الصهيوني، وأنه لا فرق بين 2 من يونيو/حزيران 1916 (يوم أعلنت طلقة الشريف حسين بدء التمرد المسلح الموجه والمدعوم غربياً -المسمى بالثورة العربية- على الدولة العثمانية) وبين 30 من يونيو/حزيران 2013 (يوم اندلعت التظاهرات وأعمال الشغب المدارة من الاستخبارات المصرية غطاء لانقلاب 3 من يوليو/تموز الذي عَمَّدَ الثورة المضادة وكسر المد الثوري في مصر وسوريا وليبيا واليمن).

عاد القوميون -إذاً- إلى مكانهم الطبيعي، يمينيين تماماً، وهذا مكسب مهم لليسار، وللمنطق أيضاً.

ويبقى الليبراليون الذين وقف كثير من المحسوبين عليهم مع الثورة المضادة، وهي مسألة مردها عدم انضباط المصطلح "ليبرالي"، الذي يدرج تحته أخلاط من المحافظين. فما زال حزب "الوفد"، المحافظ على أحسن الظن، يصنف ضمن الليبراليين، ولا تَسَل كيف يجتمع النقيضان، أليس هناك من يصنِّف القوميين ضمن اليسار؟ ويدرج تحته أيضاً يساريين وإسلاميين سابقين، مع أنهم لم يفعلوا أكثر من إعلان "الانشقاق" على تيارهم أو قيادتهم السابقة، من دون إبداء أسباب، ولا التصريح بأفكار، لدرجة أن كلاً منهم لا يجد لنفسه تعريفاً إلا "كذا" سابق، كأنه انتقل من انتمائه السابق هذا إلى "الفراغ المطلق"! أو كأن الليبرالية هي "الوحدة فاي" التي تتسع لكل أصحاب الهويات السابقة شريطة ألا يحملوا هويات لاحقة!

فإذا ما تركنا هؤلاء المدرجين خطأ بسبب التسمية الفضفاضة، إلى الليبراليين بحق، فإننا سنجد جماهير قليلة وقيادات مؤثرة، كما سنجد أيضاً قيادات تدخر نفسها لمائدة التفاوض، اعتماداً على رصيدها لدى الغرب، الذي تبنى الحسابات على أساس أنه من سيقود التفاوض في نهاية المطاف.

***

ويبقى في هذا الرصد الموجز ثلاث إشارات مهمة:

الأولى: أننى لست مع تصنيف الثوري إلا كثوري، وأعتقد أن هذا ما سيؤول إليه الأمر عندما تتبلور "شرعية الثورة" مُزيحة أية شرعيات أخرى من خارج اللحظة. لكنني أردت عرض الخريطة كما تتبدى.

الثانية: أن هناك تصنيفاً آخر على أساس الموقع الاجتماعي، والانتماء الطبقي، وهو تصنيف أقل وضوحاً وتأثيراً، نظراً لتدخل العسكر، طوال قرنين من الزمان، الذي أصاب قوى الإنتاج بتشوهات أدت إلى انحراف تحيزاتها، فحسب تقرير نشرته صحيفة ذا واشنطن بوست في مارس/آذار 2014، يتحكم العسكر في 60% من اقتصاد مصر، بينما كتبت مجلة سليت الأميركية في ديسمبر/كانون الأول 2010 "يقدر جوشوا ستاكر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية كينت، والذي يدرس الجيش المصري،

أن الجيش يتحكم في 33 في المئة إلى 45 في المئة من الاقتصاد المصري"، ما يعني أن العمال في هذا القطاع الواسع تحكمهم "السخرة"، التي كنا نظن أنها تنتهي عند حدود معسكرات العمل الإجباري، فإذا بها تحكم منظومة العمل في نصف كتلة الاقتصاد المصري تقريباً! كما أن الزيادات الكبيرة والمتتالية في أجور وظائف السلطة غير المنتجة (القضاء - الشرطة - الجيش) مقابل الانتقاص من مزايا العاملين المنتجين، فضلاً عن الزيادة الجنونية في التضخم، والانخفاض السريع في سعر صرف العملة، عوامل تركت السوق مرتبكة تماماً، على نحو تبدو فيه "الأجور" و"الأرباح" محض "عطايا" و"منح" يقدمها العسكر وفق شروطهم المخيفة.

الإشارة الأخيرة: أدى تشوّه قوى الإنتاج وانحراف تحيزاتها إلى أن "الأحزاب السياسية" التي يسمونها "الشرعية" أي التي يسمح العسكر بوجودها، أصبحت مجرد مسوخ فارغة المحتوى، أحزاب "كارتونية" كما يقال نسبة إلى أفلام "الكارتون- الرسوم المتحركة" أو هي مجال آخر للسخرة، تكدح فيه مجموعة من "عمال السياسة" لصالح العسكر، لقاء لقيمات وفتات، شأنهم شأن نظرائهم من العمال الذين يكدحون في مزارع العسكر ومصانعهم، أو حتى يخدمونهم في بيوتهم ومكاتبهم. لهذا انحازت هذه الأحزاب -تلقائياً- إلى جانب الثورة المضادة، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ منها. بل إنه حتى الأحزاب التي كانت "محجوبة عن الشرعية" انحاز منها إلى الثورة المضادة هؤلاء المرتبطون بشبكة مصالح العسكر. وبشكل عام فإن معظم الأحزاب العربية ليست أكثر من لافتات وموظفين يؤدون في حدود النص المُجاز رقابياً.

-----------------------------------

* سطر للشاعر "محمود درويش" من قصيدته "أحمد الزعتر".