المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد أحمد بارحمة Headshot

استوديو الأيام الشاتية

تم النشر: تم التحديث:

كلما هبّت نسائم "الشتاء" تحاتّت أغصان الذكريات، ومهما ارتدينا من أثقال لمواجهته، فإننا نبقى عراة.

أشعر في هذا الفصل بما لا أشعر به في سواه، المواقف لها (طنين) في الذاكرة.. لوحات فنية تحضر بدقة عالية من استوديو الأيام الشاتية: صوت المسبحة.. طعم القهوة.. درجة حرارة المسجد الدافئة.. طلاب المدارس بثياب الشتاء (الملونة).. أربع كفوف تمتد للمدفأة.. ومشهد أخيك المسجّى بالبطانية.. طفل يرسم فوق ضباب الزجاج (أحبك).. أسمار الليل.. (سعال) المصلين القادم من طرف الصف.. زكام الأنوف وحروفها المدغمة.. يداك وهما (ترتعشان) في جيب المعطف.. صوت الريح وهي تعانق الشجر وتصيح كأمٍ ثكلى.. وتفاصيل أخرى لا يسعها النص.

يحمل هذا الفصل دون كل الفصول قدرة فائقة على (طباعة) المواقف في الذاكرة، بنكهتها، وألوانها، وأبعادها المختلفة
وبأعجوبة: "التفاصيل الصغيرة تغدو جميلة في الشتاء" نواف القديمي.

عند فرز الألبومات العتيقة، تتجلى (مواعيد كبرى) حضرت شتاء، يأتي مشهد فخم لنبي الله موسى حين ذهب يتلمس الدفء شتاء فنوديَ "بورك من في النار"، وكان اللقاء الأول مع (الله).
ووعكت أم المؤمنين عائشة لثقل وقيعة الإفك وقلص دمعها، فنزلت براءة السماء في ليلة شاتية حضرت معها العافية، عشر آيات تتلى على مر الزمان.

(المدينة النبوية) كانت على موعد فرائحي يوم الخندق، رغم كثافة "الجوع والبرد والأحزاب" خبت الوجع وجاءت البشرى في الشتاء: "اليوم نغزوهم ولا يغزوننا".

مشهد شتوي فاخر لا يمكن نسيانه حدث قبل سنين، حين أكرمني الله وأنهيت "حفظ القرآن الكريم" في الحرم المكي أمام ميزاب الكعبة، لا يمكن أن أنسى (برودة) بلاط المطاف و(دفْء) سجود الشكر.

الشتاء (رئة كبرى) يتنفس منها الصالحون والشعراء والتجار والقراء والعشاق!
ثمة علاقة متينة بين الشتاء والحنين.. تتحفز في عشاءاته الخجولة خلايا الحب ويزداد خفقان الذكريات، وينبت للروح ألف جناح، فتحلق في البعيد البعيد، وتتداعى شخوص من نحب وتتلاقى الأرواح فتتعانق، في الشتاء تُرفع الكلفة بين المتحابين ويحلو الهمس وتذاع الأسرار، ولسان الحال ما حكاه شاعر سوريا عمر أبو ريشة مع الشتاء:
(كم زارني وكشفت عن صدري له).
الشتاء (نبي صغير) يلهمك بلياليه الطويلة، كل روتينك اليومي يتم قبل رنين المنبه!
كتبك المكدسة التي في قائمة الانتظار تختفي في مساءته، ولا عجب فمن الشتاء خرج مصطلح (أدب المدفأة) ويطلق على الروايات الطويلة التي تقرأ في الشتاء.

يقول الناقد العراقي عبد الستار البيضاني: "يمنَح الشتاءُ القراءةَ وقتاً أكثر.. كنا نؤجل قراءة الروايات الضخمة إلى الشتاء، فلَيلُ الشتاء كان يعني في الغالب بطانية صوفية ورواية روسية".

وتبقى "الكتب" واحدة من متع الشتاء الخالدة!
الشتاء (نبي صغير) حين يخلق فيك الرحمة كما خلقها في ابن عبدوس، جافاه النوم في ليلة شاتية فجمع غلّة عام وتصدق بها، وقال: ما نمت الليلة غمّاً لفقراء أمة محمد!
كم من أشجار (عارية) يقرضها سياط الريح تنتظر مثل ابن عبدوس؟!
وتردد: "بيتنا كان عراء.. والشبابيك هواء قارس..والسقف ماء" لأحمد مطر.

تواجه معركتين إن سلمت الرصاص لم يخطئها البرد..
الرحمة يا ابن الشتاء هي أن لا تبيت إلا وقد رميت بحطبة في (تنّور) الاستدفاء.

"ومن لم يؤدِّ دوراً إنسانياً.. فهو كالحطب المبلول في ليلة شاتية" عبده خال.

الشتاء يا صاح "شيخ" وقور حين تصغي للياليه المتأنية ومواعيده الكبرى، وشاب "نزغ" حين تَمور في جوفك الأشواق، وبين هذا وذاك، نحن من غمام الشتاء العذب نستحم.

مع أطيب الأماني بشتاء يرد (شوارد) الروح، وللذين يتقلبون في العراء شتاء (سلام) لا يقطع أنياط الجلود.