المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عفان  Headshot

الحداثة وعلمنة التدين

تم النشر: تم التحديث:

في التدوينة السابقة تم تعريف العلمانية بأنها إعادة إنتاج الدين وفق شروط الحداثة، وبالتالي فهي ليست بالضرورة غير دينية أو مناهضة للدين، بل في أحيان كثيرة تمثل مجرد نمط مختلف من التدين، ورأينا كيف أن الحداثة "تدينت" فصارت معتقداً عند البعض، وأصبحت ليست مجرد تغيرات اجتماعية ومعرفية، تحمل بعض الأوجه الإيجابية وبعض الأوجه السلبية، بل رؤية كونية ومشروعاً متكاملاً يهدف إلى إعطاء الأولوية لهذا العالم محل العالم الآخر، وإحلال مركزية الإنسان محل مركزية الإله، واعتماد العقلانية والعلم التجريبي مصدراً معرفياً محل المصادر المتوارثة دينية كانت أو غير دينية، وهذا النمط ارتبط بالإلحاد وأنتج علمانية متطرفة مناهضة للدين، وتسعى لإنهاء وجود الظاهرة الدينية بشكل منهجي صارم.

لكن لم يكن هذا هو النمط الوحيد الذي جسد أثر الحداثة على الدين، بل كان هناك نمطان آخران، حاولا أن يزاوجا بين الحداثة والدين، وألا يجعلا التناقض بينهما تناقضاً مطلقاً، بحيث ينفي وجود أحدهما الآخر، بل بحثا في إمكانية التعايش بينهما؛ أولهما هو ما يمكن أن نسميه بخصخصة الدين، وهو الذي يعني باختصار علمنة المجال العام، وحصر الدين في المجال الخاص، وذلك عن طريق "تحرير" مختلف المجالات الاجتماعية: السياسية والاقتصادية والقانونية والتعليمية والأدبية وخلافه من هيمنة المؤسسات الدينية - ومن المرجعية القيمية الدينية بدرجة أو بأخرى - بحيث يصبح الدين شأناً خاصاً يتمثل في الضمير الفردي، وفي الممارسات الشعائرية.


هذا النمط يختلف عن سابقه في كونه أكثر تسامحاً مع وجود الدين ووظائفه الاجتماعية، وأن موقفه من الدين ليس نابعاً من العداء، بل - كما عبر بعض الأكاديميين - أن تحجيم دور الدين في المجال العام هو ثمن لازم لكي يستطيع الدين الاستمرار والتعايش في عصر الحداثة.

النمط الثاني من علمنة التدين، وهو ربما الأكثر صعوبة في الإدراك، يتضمن إعادة إنتاج دين معلمن، لكن هذه المرة على يد المتدينين الذين يؤمنون بمحورية الدين في الحياة الاجتماعية ويدافعون عنه ضد النمطين السابقين من العلمانية، ولكنهم - في سبيل ذلك - أدخلوا تعديلات واعية أو غير واعية على نسخة التدين التي يتبنونها.

وفي هذا السياق طبعاً لا تعني العلمانية رفض المرجعية الدينية أو اللادينية، بل تعني تديناً مختلفاً، فالعلمانية هنا مشتقة من العلم ومن العالم، وهذا التدين المتعلمن يعني أنه أكثر اتساقاً مع العلم وأكثر اهتماماً بإشكاليات هذا العالم، وبالتالي فهو يستبطن داخله شيئاً من قيم الحداثة، وبالتالي فهو يتسم بصفتين أساسيتين:


أولاً: القبول بانسحاب الدين من بعض المجالات التقنية التي كان يشغلها في التدين الشعبي التقليدي ليحل محله العلم التجريبي، مثل علاج الأمراض أو فهم حركة الأفلاك أو تفسير الظواهر الطبيعية، وبالتالي أصبح يقوم بتفسير النصوص الدينية التي تتعلق بهذه المجالات تفسيراً مجازياً، أو تقييدها بسياقها التاريخي، كما قام بترشيد وعقلنة خطابه، فأصبح يزاوج بين النصوص الدينية وبين النظريات العلمية والأطروحات الفلسفية؛ لنجد ظواهر مثل الإعجاز العلمي في القرآن، أو نظريات إسلامية سياسية تزاوج بين النصوص الدينية وأطروحات الليبراليين في الدفاع عن الديمقراطية أو الماركسيين في الدفاع عن العدالة الاجتماعية.

ثانياً: إعطاء أولوية لقضايا هذا العالم، وتنظيم الشؤون المجتمعية السياسية والاقتصادية ونحوها، على القضايا الدينية الثيولوجية البحتة، فلم يعد المتدينون المعاصرون يتجادلون حول حكم مرتكب الكبيرة والإيمان بالأسماء والصفات ونحوها من القضايا التي قسمت الأمة قديماً إلى فرق ومذاهب متنازعة، ولم يعودوا ينتجون مذاهب فقهية أو مدارس كلامية أو تنظيمات صوفية جديدة، بل أصبحوا يؤسسون أحزاباً وحركات اجتماعية لا يتعلق إسهامها الفكري بأصول الفقه أو علم الكلام، بل يكاد ينحصر في شكل أيديولوجيات سياسية، تتعلق بالنظام السياسي في الإسلام، والنظام الاقتصادي في الإسلام، والعلاقات الدولية في الإسلام، وهكذا.


وكما ذكرنا في التدوينة السابقة، فإن هذا النمط الأخير من علمنة التدين كانت نتائجه إيجابية؛ إذ استعاد الدين جاذبيته لطبقة العصريين الحداثيين بعد أن كان يتراجع حتى كاد ينحصر في الفئات الشعبية وغير الحضرية، وشهدت الحركات الاجتماعية الدينية نمواً ملحوظاً في أوقات عديدة، وتزايد تأثيرها في الحياة الاجتماعية، وهي ظاهرة ليست خاصة فقط بالبيئات الإسلامية، بل هي ملحوظة أيضا حتى في السياقات المسيحية الكاثوليكية والبروتستانتية، واليهودية الصهيونية، وغيرهما.

وبدلاً من اندثار الظاهرة الدينية كما توقع عدد من رواد التنوير العلمانيين بحلول القرن العشرين، أثبت الدين حيويته وفاعليته وقدرته على البقاء في ظل الحداثة، حتى وإن اضطر إلى أن يخضع بشكل أو بآخر لشروطها ومنطقها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.