المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عفان  Headshot

بين تديين الحداثة وتحديث التدين

تم النشر: تم التحديث:

مما سبق في التدوينات الثلاث الماضية، فإن العلمانية ليست ببساطة ظاهرة اجتماعية سياسية مرتبطة بالتاريخ الأوروبي، أو الديانة المسيحية فقط، وهي كذلك ليست ببساطة فصل الدين عن الدولة؛ لأن ذلك -كما رأينا- تبسيط مخلّ للظاهرة من جهة، ومسألة يتعذر تطبيقها بشكل مثالي من جهة أخرى.

فما هي العلمانية إذًا؟

العلمانية -كما سأوضح بشكل تفصيلي لاحقاً- هي باختصار عملية إعادة إنتاج الدين وفق شروط الحداثة، وهي ليست بالضرورة لا دينية أو ضد الدين، بل أحياناً هي مجرد نمط مختلف -أو غير نمطي- من التدين، وهذا يتطلب التمييز بين أمرين: بين العلمانية كإحدى سمات الحداثة وبين العلمانية (أو العلمانوية) كأيديولوجيا سياسية، وكذلك بين الدين كمعتقد ونصوص مرجعية، وبين التدين كظاهرة اجتماعية وسلوك بشري ينتج عن تفاعل الدين مع سياقات ثقافية واجتماعية معينة.

الحداثة نتجت عن عدة متغيرات علمية وتقنية أدت إلى إنتاج نظم سياسية واجتماعية وأنماط إنتاج اقتصادية جديدة، وهو ما ارتبط بثقافة جديدة ونمط معرفي (ابستمولوجيا) مختلف، هذا النمط الجديد له عدة سمات، أبرزها مركزية هذا العالم الدنيوي إزاء مركزية العالم الآخر، ومركزية الإنسان أمام مركزية الإله في الوعي والحضارة البشرية، واعتماد العلم التجريبي كمصدر للمعرفة، ورفض أي مصادر غيبية (أو خرافية) أخرى، أو بمعنى آخر أصبح الإنسان والطبيعة الموضوع الأساسي للاستكشاف وليس القضايا الأخروية والعقائدية المرتبطة بالإله وبالعالم الآخر،

وأصبحت منهجية الاستكشاف والبحث مبنية على العلم التجريبي وحقائقه وعلى التفكير العقلاني، وليس على ما توارثته الأجيال من مرويات أو أساطير حتى ولو كان بعضها ذا مرجعية دينية، وبالتالي أصل الخلق وبداية الكون وظهور الإنسان لم تعد قضايا دينية تؤخذ كمسلّمات من المصادر الدينية، أو القصص الأسطوري المتوارث بشأنها، وقِس على ذلك ما دونها من الظواهر الطبيعية مثل الزلازل أو الخسوف أو المرض أو الموت، وما شابه.

بهذا المعنى فإن العلمانية تطور أو تغير تاريخي اجتماعي بدأ في السياق الأوروبي، ثم انتقل (طوعاً أو كرهاً) إلى غيره من السياقات، وهي تطورات إيجابية في أوجه؛ إذ أفادت المعارف الإنسانية وخلّصتها من العديد من الخرافات والأفكار المغلوطة، كما أن لها أوجهاً سلبية، أهمها "المأزق الأخلاقي" الناتج عن غياب أو تراجع المرجعيات القيمية ونسبيتها، فلا المؤسسات الدينية ولا التقاليد الموروثة ولا المنظومات الفلسفية المعيارية أصبحت معتبرة في عالم الحداثة.

هذا المعنى للعلمانية Secularity يختلف عن العلمانية (أو العلمانوية) كمعتقد أو أيديولوجيا سياسية Secularism والتي رأت هذه التغيرات الاجتماعية والمعرفية خيراً كلها، وحوَّلتها إلى برنامج سياسي يستغل الدولة وسلطاتها في "التبشير" بالحداثة، وفرض نموذجها، وإلى معتقد أشبه بالمعتقد الديني، فأصبحت الحداثة ديناً واجب الاعتناق، وحتمية تاريخية، يطارد ويحارب الكفار بها والخارجون عليها باعتبارهم ظلاميين.

وبالتالي كان موقف العلمانية -كمعتقد وكأيديولوجيا- من الدين موقفاً سلبياً في مجمله، فهي إما أهملته ونزعت عنه الاعتراف أو حتى طاردته وسعت لإقصائه من المجال العام بل وحتى المجال الخاص، كما في بعض النظم العلمانية المتطرفة كالشيوعية.

لكن المفارقة العجيبة أن العلمانية كمتغير اجتماعي ومعرفي لم يكن تأثيرها سلبياً على الدين بالضرورة، ولم تؤدّ إلى اختفائه كما كان يتوهم، بل الذي تراجع ربما هو نمط التدين التقليدي الشعبي الذي يمتاز بعدة خصائص منها: التفكير الخرافي، والإيمان بالأساطير، والتعلق والتبرك بالمجسمات والوسطاء، كالأولياء والقديسين ونحو ذلك.

لكن العلمانية بنشرها نمطاً معرفياً جديداً يعتمد على التفكير العقلاني والعلم التجريبي، ويعطي أولوية لهذا العالم وللإنسان في مقابل العالم الآخر والإله أنتجت تديناً آخر حداثياً، أكثر قدرة على التكيف والاستمرار في أزمنة الحداثة، بل وأعادت الحيوية له لتنتشر ظاهرة الصحوة الدينية في سياقات متعددة، وهو ما جعل البعض يذهب إلى الزعم بأن العلمانية هي أحد الأطوار الصحية في دورة حياة الأديان، كما سنوضح في التدوينة القادمة إن شاء الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.