المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عفان  Headshot

حركة التاريخ في الخيال الإصلاحي للإسلاميين

تم النشر: تم التحديث:

قد يبدو طرح مسألة بهذا المعنى من الترف الفكري الذي لا يملكه الإسلاميون في مثل هذه الأوقات الضاغطة العصيبة، لكنه - من وجهة نظري - مسألة حيوية تؤثر على استراتيجيات الحركة لدى الإسلاميين في تعاطيهم مع الشأن السياسي العام، بل وأحياناً في تكتيكاتهم وسلوكهم الفردي في قضايا جزئية وتفصيلية.

أي حركة إصلاحية تتبنى رؤية مكونة من ثلاثة عناصر: الواقع وما أوجه الخلل به، والمستقبل والصورة المثلى التي تسعى لها الحركة، واستراتيجيات وآليات الانتقال من هذا الواقع المختل إلى هذا المستقبل الأفضل.

وهنا تكمن أهمية هذا الموضوع، ففي الخيال الإصلاحي للإسلاميين تتصارع عدة تصورات - بشكل واع أو غير واع - بشأن حركة التاريخ، وإلى ما ستصير الأوضاع في المستقبل نتيجة قراءة جزئية أو حرفية لبعض النصوص الدينية وبعض الإشارات والدلالات الكامنة بها، وهذا الصراع يخلق تشوشاً ما في استراتيجياتها وخياراتها بين ثوري ومحافظ، أو انعزالي يبغى الخلاص الفردي، وواثق منفتح يبغي الفردوس الأرضي للجميع.

حدثنا سفيان عن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج فقال: اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم رواه البخاري، وفي هذا الحديث تبدو حركة التاريخ خطية متداعية، من سيئ إلى أسوأ، ومن ثم قد يلقي هذا الحديث بظلال محافظة على الخيال الإصلاحي للإسلاميين، فلنستمتع بالواقع لأن القادم أسوأ، ولا نتعسف التغيير ولا نتعمد دفع عجلته للأمام لأن العواقب ستكون وخيمة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بدأ الإسلام غريباً، وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء رواه مسلم، وفي هذا الحديث أيضاً معنى قريب من المعنى الأول، تبدو فيه حركة التاريخ دائرية، تبدأ من فترة ضعف للإسلام، ثم من بعض ضعف قوة، ثم من بعد قوة ضعف وغربة أخرى، ومن ثم قد يلقى هذا الحديث على خيال الإسلاميين نزعة سلفية محافظة أيضاً، فالخير قد مضى، ونحن الآن في طور الغربة الثانية (كما أشار إلى ذلك بعض الإصلاحيين مثل الشيخ محمد بن عبدالوهاب).

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت. رواه أحمد.

وفي هذا الحديث تبدو حركة التاريخ دائرية أيضاً، لكنها تدور في الاتجاه المعاكس، فأمر الدولة الإسلامية سيبدأ بخلافة عدل ورحمة، ثم تتقلب بين أشكال أخرى شائهة من الحكم المستبد لتعود مرة أخرى إلى خلافة راشدة، وهو ما يتفق مع روايات أخرى تدور حول ظهور المهدي وعودة المسيح عيسى (عليه السلام).

وهذا النص يعطي دلالتان: أحدهما إيجابية دافعة للإسلاميين، أن اعملوا فالمستقبل لكم، وكل ما تلقونه الآن من استبداد وجور سينتهي لا محالة، لكن - من جانب آخر - هناك تشويش على الخيال الإصلاحي للإسلاميين يحمله هذا النص في رأيي، وهو ارتباط نجاح عملية الإصلاح التي يتبنونها بأحداث ملحمية مرتبطة بنهاية التاريخ، وهو ما يجعل استراتيجيتهم أحياناً جامدة "شمشونية" وليست نسبية مرنة كما تتطلبه عادة الأوضاع السياسية.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها. رواه أبو داود، وفي هذا النص دلالات أخرى أراها أكثر إيجابية للخيال الإصلاحي للإسلاميين، فحركة التاريخ ليست خطية بل صعود وهبوط، وكذلك ليست دائرية حتمية، إلى الخير الذي لا شر فيه أو إلى الشر الذي لا خير معه، وهي تقدمية وليست محافظة أو سلفية، فالمستقبل يصنعه مجددون، وهم يحملون الخير للدين كما حمله من سلف.

والخلاصة من هذا الاستعراض الأولي والسريع ليس ترجيح أحد النصوص على الأخرى، وليس الدعوة إلى محاولة التوفيق بين التعارض بينها، بل ببساطة الدعوة إلى حمل هذه النصوص التي تشير إلى دلالات مستقبلية على محمل التسليم دون أن تصبح حاكمة أو محورية في استراتيجية الإصلاح، فالمقصود بهذه البشارات أو الإنذارات معانٍ غير يقينية، وهي قد تشير إلى أحداث قد مرت بالفعل، وقد تشير إلى أحداث ستحدث في المستقبل السحيق، بل يجب على الإسلاميين بدلاً من ذلك أن يولوا الأهمية لفهم واقعهم كما هو، وأن يصوغوا استراتيجياتهم للحركة وفقاً لهذه القراءة بطريقة نسبية واقعية هادئة ليس إلا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.