المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عفان  Headshot

السياسة منطقة مدنية .. ممنوع اقتراب العسكريين

تم النشر: تم التحديث:

* "الحرب شأنٌ أكثر خطورة من أن تُترك للعسكريين" .. والحكم كذلك - من باب أولى -

* مقولة "مصر عايزة راجل عسكري" هي امتداد لموروث الثقافة القرون-وسطوية التي تدعم حكم "طبقة المحاربين"، والخبرة الإسلامية التاريخية التي شهدت هيمنة السلاطين على الخلفاء، ثم هيمنة المماليك على السلاطين، وانتهاء بثقافة الحرافيش والفتوات.

* الجمهوريات تُدار بالفضائل المدنية (سيادة القانون، إعلاء المواطنة ، احترام التنوع ، الحوار ، الحل السلمي للنزاعات، التسامح)، وهي لا تعرف "الفضائل" العسكرية (الطاعة، الانضباط، التراتبية الصارمة، الثقة والولاء للقيادة)، ولا الأعراف العسكرية (نفّذ ثم ناقش، الحسنة تخص والسيئة تعم)، ومن ثم فإن مصطلح "الجمهوريات العسكرية" يحمل تناقضا داخليا جوهريا.

* "قلت لكم كثيراً
إن كان لابد من هذه الذرية اللعينة
فليسكنوا الخنادقَ الحصينة
(متخذين من مخافر الحدود.. دوُرا)
لو دخل الواحدُ منهم هذه المدينة:
يدخلها.. حسيرا
يلقى سلاحه.. على أبوابها الأمينة
لأنه.. لا يستقيم مَرَحُ الطفل..
وحكمة الأب الرزينة..
مع المُسَدسّ المدلّى من حزام الخصر..
في السوق..
وفى مجالس الشورى"

أمل دنقل

* نشأت الجمهوريات العسكرية بالمنطقة العربية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي نتيجة لأزمة الدولة العربية الحديثة، ففي ظل عدم قدرة الاجتماع السياسي العربي في تلك الآونة على استيعاب نزاعات الهوية الدينية والطائفية والعرقية والقبلية ودمجها في هوية وطنية واحدة، وفي ظل فشله كذلك في التعبير عن المصالح الطبقية والجماعية لمختلف مكونات المجتمع وتنظيمها في مؤسسات مدنية ومن ثم التأسيس لنظام ديمقراطي مستقر، جاء العسكريون بوعد الاستقرار السياسي، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والاستقلال الوطني، لكننا بعد أكثر من نصف قرن من هذا التاريخ رأينا ما آلت إليه وعودهم تلك.

* أزمة العسكريين أنهم لا يحترمون السياسة وما تعبر عنه من اختلاف في الأفكار والانحيازات، وفي المصالح كذلك، (لذا فلا عجب أن يدعو قائد الانقلاب في مصر الأحزاب السياسية إلى خوض الانتخابات بقائمة موحدة!!)، فهم يرون أن شؤون الحكم يجب أن تصادر من المجال السياسي إلى المجال الإداري ذي الانضباط العسكري (الاتحاد، والنظام، والعمل!!)، كما أنهم لا يحترمون الديمقراطية، ولا يثقون فيما قد تسفر عنه من نتائج، ويفضلون بدلا منها الحكم الأوليجاركي (القلّة) التكنوقراطي، وإن تبنوا خطابا شعبويا، فهم يخاطبون الجماهير (ويدللونها) كرعية من القصّر يقومون على شأنها ومصالحها، وليسوا كمواطنين لهم حق المشاركة السياسية والمحاسبة، وتكتسب هذه الرؤية مصداقية حين تعجز النخب السياسية في بلد ما أن تدير خلافاتها بشكل مدني، وحين تؤدي الانقسامات والاستقطابات إلى إصابة المجال السياسي بالشلل، وحين تصبح الديمقراطية مرتبطة في ذهن المجتمع بغياب الفاعلية وعدم الاستقرار، حينها يصبح ووثوب العسكريين على السلطة مسألة وقت.

* في ظل نظام حكمٍ لا يعترف بالاختلاف والتنوع، وتُهمّش (أو حتى تجرّم وتخوّن) فيه المعارضة السياسية، وتتركز عملية صنع القرار السياسي به في يد قلة، فإن المجال السياسي يركد ويأسن، ويغزوه الفساد من الداخل، وهو ما نلاحظه في الجمهوريات العسكرية عادة من نمو مجموعات طفيلية وشبكات الفساد المنظم (كثيرٌ من أفرادها عسكريون سابقون وأقرباؤهم) على هوامش السلطة، ومن المثير للتعجب أن أفلاطون قد أشار إلى هذه الظاهرة في نظريته حول أنماط النظم السياسية، فقد رأى أن حكم الطبقة المحاربة الذي تسوده قيم القوة والبحث عن المجد والفتوحات العسكرية، حين يفقد روحه تلك لاحقا، يتحول إلى حكم طبقة جشعة معنية بتراكم الثروة، وتميّز طبقيا بين الأغنياء والفقراء، وهو ما يستتبعه لاحقا تمرد عوام الناس والسقوط في فوضى الدهماء (وهو ما نرى ملامحه الآن منذ اندلاع الثورات العربية).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع