المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عفان  Headshot

النموذج الديمقراطي التحديثي للدولة الإسلامية 5 - 8

تم النشر: تم التحديث:

النموذج التقليدي السلطوي للدولة الإسلامية ينطلق من قاعدة مسؤولية الدولة أو السلطة السياسية عن إقامة الدين وتطبيق الشريعة، وتمثل إقامة الشرع في نصب الإمام أو رأس الدولة الإسلامية، كما رأينا في النظرية الوهابية للدولة الإسلامية، أو في غيرها من النظريات السلطوية الإسلامية الأخرى، مثل حزب التحرير الإسلامي.

في المقابل، نرى نموذجاً إسلامياً آخر، أكثر تحديثية، بمعنى تبنيه لفكرة المؤسسات السياسية التي تلائم طبيعة المجتمعات الحديثة ونمط السلطة بها، وأكثر ديمقراطية، بمعنى انطلاقه من قاعدة مسؤولية الأمة عن إقامة الدين، وتفسير وتطبيق الشريعة.

ويمكن تلمّس هذا المنحى التحديثي الديمقراطي في كتابات الإمام حسن البنا، والذي نص في رسائله على أنه من دعائم الحكم الإسلامي مسؤولية الحاكم، وحق الأمة في مراقبته أدق مراقبة، وأن على الحاكم أن يشاورها، وأن يحترم إرادتها، بالإضافة إلى موقفه الإيجابي من النظام النيابي، الذي رآه آلية مناسبة لتطبيق مبدأ الشورى الإسلامي، وذلك بالرغم من موقفه السلبي من الحزبية.

لكن هذا المنحى يشهد تطوراً ونضوجاً عند بعض العلماء والمفكرين الذين خلفوا البنا في مدرسة الإخوان المسلمين، مثل الشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ راشد الغنوشي. وهؤلاء قد حملوا حملة شرسة على المدرسة السلطوية التقليدية للدولة الإسلامية.

فالغنوشي على سبيل المثال يقول: "يشعر المرء بنوع من القرف من استمرار هذا العفن قائماً في تراثنا الديني، وفكرنا السياسي، إذ يضع يده مباشرة على هذه الألغام التي قوّضت حضارة الإسلام، وأسلمتنا إلى الانحطاط"، في إشارة إلى الأفكار التي تنصّ على أن "المسلمين أجمعوا على صحة الاستخلاف أو التوريث أو الإمام الوصي"، وأن الشورى للاستئناس، "وبحسب فهمه السقيم معلمة وليست ملزمة"، أو أن رئيس الدولة في النظام الإسلامي هو الدولة، كما في مشروع الدستور الإسلامي الذي وضعه الشيخ تقي الدين النبهاني، مؤسس حزب التحرير.

وتتمثل الأسس العامة للنظرية الديمقراطية للدولة الإسلامية في ثلاثة مبادئ:

أولاً: أن الأمة هي مصدر السلطات والتشريع، وهي المنوط بها تطبيق الشريعة

فأصحاب هذه المدرسة لا يقرون بنمط التغلب أو الإكراه في المشروعية السياسية، ويتمسكون بأن الصيغة الوحيدة المعتبرة شرعا هي الصيغة التعاقدية، فالحاكم وكيل عن الأمة، وأن سلطة الحاكم مستمدة من الأمة، وأن العلاقة بين الحاكم والأمة قائمة على التعاقد "يلتزم الحاكم بإنفاذ الشرع والنصح للأمة ومشاورتها، وتلتزم له، إن هو وفى بذلك، السمع والطاعة"، وأنه من حق الأصيل أن يحاسب الوكيل أو يسحب الوكالة منه إذا أخل بشروطها.

أما بخصوص التشريع، فتختلف أيضاً هذه المدرسة عن المدرسة السلطوية، في اعتبارها أن الأمة هي صاحبة السلطة الاجتهادية في التشريع، لأنه في اجتهاد "الأمة المهتدية بهدي الله، تقتبس من نوره .. عصمة من الضلال الجماعي"، وأن صيغة الحكم الإسلامي هي "الله-الأمة-الحاكم" وليست "الله-الحاكم-الأمة".

ثانياً: أن الشورى ملزمة، وليست معلمة

فهذه المدرسة ترى "أن أول ما أصاب الأمة الإسلامية في تاريخها هو التفريط في قاعدة الشورى، وتحول الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض سماه بعض الصحابة كسروية أو قيصرية، أي أن عدوى الاستبداد الإمبراطوري انتقلت إلى المسلمين من الممالك التي أورثهم الله إياها"، وكما أشار الشيخ القرضاوي "أن الشورى لا معنى لها إذا كان الحاكم يستشير ثم يفعل ما يحلو له، وما تزينه له بطانته، ضارباً برأي أهل الشورى عرض الحائط، وكيف يسمى هؤلاء أهل الحل والعقد كما عرفوا في تراثنا، وهم في الواقع لا يحلون ولا يعقدون؟!".

وبالرغم من إقراره بوجود خلاف فقهي حول إلزامية الشورى، فإنه يرى "أن ما أصاب أمتنا -ولا يزال يصيبها إلى اليوم - من جراء الاستبداد، يؤيد الرأي القائل بإلزامية الشورى".

ثالثاً: الاعتقاد بأن آليات الديمقراطية ملائمة لتطبيق قيم ومبادئ الحكم الإسلامي

فهذه المدرسة تميز بين الديمقراطية كآلية والديمقراطية كفلسفة، وتحاول أن تخلِّق نظاماً جديداً، يتألف من قيم النظام الإسلامي وميثاقه الأخلاقي من جهة، والآليات الديمقراطية الغربية من جهة أخرى، إيماناً بأن الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطية، بل يشاركها بعض الخصائص، بما يتيح تبادل التعايش المشترك وتبادل المزايا بينهما.

فحكم الشعب ليس مضاداً لحكم الله، بل لحكم الفرد، وكلاهما يشترك في أن الناس من حقهم اختيار من يحكمهم، وألا يفرض عليهم حاكماً أو نظاماً يكرهونه، وأن يكون لهم حق محاسبة الحاكم إذا أخطأ، وعزله إذا انحرف، وألا يساق الناس رغم أنوفهم إلى اتجاهات ومناهج سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وإذا عارضوها تم التنكيل بهم.

أما الديمقراطية كفلسفة، فإن الإسلاميين الديمقراطيين يرونها منحرفة وقاصرة، إذ إنها بدون ضبط الشريعة يمكن أن تحلّ حراماً او تحل حلالاً، أو تسقط الفرائض، ويرى الغنوشي أن أزمة الديقراطية الغربية في نزعتها المادية وغياب المُناخ الأخلاقي، والتي بسبب دور المال والإعلام، حولتها من حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب، إلى حكم الشعب بواسطة الأثرياء وذوي السلطة لصالح الأثرياء وذوي السلطة.

وبالتالي فإن هذا التخليق بين المنظومة القيمية الإسلامية والآليات الديمقراطية الغربية لا يعد حلاً لأزمة الاستبداد في العالم الإسلامي فحسب، بل للأزمة الأخلاقية للديمقراطية الليبرالية في الغرب كذلك.

وهذه المدرسة بالرغم من أنها استطاعت أن تقدم اجتهاداً عصرياً يزاوج بين الفكر السياسي المعاصر والمرجعية الإسلامية، وحاولت أن تتغلب على الطرح التقليدي السلطوي للدولة الإسلامية، إلا أنها وقعت في عدة إشكاليات، أهمها، كيف ننظم دور الأمة في تعريف وتطبيق الشريعة؟! وما آلية ذلك؟! وكيف نضمن فهمها الصحيح لها، وعدم انحرافها عنها؟! وإذا كانت إجابة الإسلاميين الديمقراطيين بأن البرلمان هو من يمثل رأي الأمة، وأن وجود هيئة من كبار علماء الشريعة والقانون "مهمتها الرقابة على مجلس الشورى ضماناً لعدم خروج المجلس على المشروعية العليا للدولة فيما يصدر عنه من القوانين والسياسات".

فإن هذه الإجابة تثير سلسلة أخرى من الإشكاليات، مثل: هل يمكن حقاً اختزال رأي الأمة في رأي المجلس النيابي؟! وهل من الديمقراطية أن يكون للجنة غير منتخبة حق "الفيتو" على قرارات البرلمان المنتخب؟! وكيف نرسِّم الحدود بين الهيئتين بحيث لا تتجاوز أحدهما حدودها إزاء الأخرى؟! وكيف نضمن عدم تسييس لجنة العلماء المعينة هذه، بحيث يتم إقصاء تيار فقهي أو مدرسة فكرية من التمثيل في هذه اللجنة لصالح السلطة السياسية؟!

وختاماً، إذا حدث خلاف بين الهيئتين، لمن ستكون الكلمة النهائية؟! هل للبرلمان ولو كان قراره هذا مخالفاً للشرع - وهو ما قد يعد إعلاء لحكم الشعب على حكم الله وعلمانية يرفضها الإسلاميون - أم لهيئة العلماء والفقهاء هذه - وهو ما قد يعد ثيوقراطية، وإجباراً للشعب على قوانين وسياسات لا يقبلها وهو ما يرفضه الديمقراطيون؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.