المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عفان  Headshot

النموذج السلطوي التقليدي للدولة الإسلامية 4 - 8

تم النشر: تم التحديث:

عند الحديث عن النموذج الوهابي كأحد نماذج الحكم الإسلامي في إطار الدولة الحديثة، فإنه يجدر الإشارة إلى ملحوظة أوليَّة هامة، وهي أن هذا النموذج لا يحمل تجديدا أو اجتهادا معاصرا لهذه الإشكالية، بل يُعد مجرد إحياء للنموذج التقليدي للتراث الفقهي السياسي - الحنبلي على الأخص -، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب (1703 - 1792 م)، ركز دعوته الإصلاحية على التوحيد وتصحيح العقيدة، وإنكار البدع والشركيات التي سادت في مجتمعه، لكنه لم يعن كثيرا بمسألة الإمامة، وكانت آراؤه فيها تتفق مع آراء علماء السنة بشكل عام، ومستقاة من فقه الإمام ابن تيمية بشكل خاص. فوجود الإمام هو أمر ضروري لتوحيد الأمة وإقامة الشرع، والإمام يمكن أن يتم تعيينه باتفاق أهل الحل والعقد، أو من قِبل الإمام السابق له، وقد يأتي إلى الحكم عن طريق القوة، وفي جميع الحالات يجب على رعاياه أن يطيعوه، فطاعة الحاكم واجبة، وإن كان جائرا أو فاسقا ما لم يأمر بمعصية، وأن الوظيفة الأساسية للحاكم هي إصلاح العقيدة، بما لها من أولوية في الإسلام، وحمل الناس على آداء الفرائض من صلاة وزكاة وحج، وأن يمنع حدوث الجرائم ضد دين الله والرعية، وأن يحمي المسلمين، ويعمل على نشر الإسلام.

ومن هنا ندرك أن ما عده الدكتور عبدالرزاق السنهوري شكلا ناقصا من الخلافة، أو ما عده الدكتور حاكم المطيري خطابا سياسيا شرعيا مؤولا منحرفا، لم يثر اهتمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكان يُنتظر من أي مصلح، يهدف إلى تجديد الدين، أن يحل هذه المشكلة المزمنة، وأن يعيد الأمور إلى طبيعتها، ويقيم نظاما إسلاميا يقوم على الشورى والاختيار، والتبادل السلمي للسلطة، لكن الشيخ رحمه الله لم يلتفت إلى مشكلة النظام الإسلامي، بل وأقر ما كان سائدا، وأعطاه الشرعية الدينية عمليا، وهو ما يتبدى في لحظة ميلاد الدولة السعودية من خلال العقد الذي تم بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والأمير محمد بن سعود عام 1744 م، والذي تعهد بموجبه الأمير بدعم وحماية الشيخ، والعمل على نشر دعوته، في مقابل تقديم الشيخ دعمه للسلطة السياسية للأمير، وقد أشار البعض إلى أن هذا العقد قد حدد بشكل كبير طبيعة الدولة السعودية منذ لحظة ميلادها الأول وحتى اللحظة الراهنة، حيث ظلت سلالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (آل شيخ) والعلماء الوهابيون يقدمون الشرعية الدينية اللازمة للنظام السياسي السعودي، فيما يضمن النظام السياسي للعلماء وضعا مميزا كسلطة موازية في المجال الديني.

ولم يؤد الجمود الذي يقدمه النموذج الوهابي للحكم الإسلامي إلى فوات فرصة التجديد الديني، وتلافي أوجه الخلل التي يراها البعض في التراث السياسي الإسلامي فقط، بل أدى أيضا إلى عدة تشوهات في نمط التنظيم السياسي وفق معايير الدولة الحديثة التي أشرنا إليها سابقا، بما يجعل الدولة السعودية حالة استثنائية في احتفاظها بعدة خصائص من ممالك ما قبل الدولة الحديثة، فمثلا يعتمد النظام السعودي على نمط من المشروعية التقليدية ( الحكم الوراثي والبيعة)، مع غياب المشروعية القانونية بشكلها الانتخابي الحديث، إذ ينص النظام الأساسي للحكم في مادتيه الخامسة والسادسة على أن الحكم في أبناء الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود وأبناء الأبناء، وأن على المواطنين أن يبايعوا الأصلح منهم للحكم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره. كما أن النظام السعودي لا يعرف الدستورية والسلطة التشريعية بشكلها المعاصر "الدستور المقر شعبيا، والبرلمان الذي يصدر القوانين والتشريعات بما له من شرعية انتخابية"، بل ولم يكن هناك دستور للمملكة حتى عام 1412 هـ. وفي المقابل تُمارس سلطة إصدار القوانين من قبل السلطة التنفيذية التي يرأسها الملك في شكل تنظيمات، ولا يقيدها فقط سوى مدى تحقيقها للمصلحة أو رفعها للمفسدة وفقا لقواعد الشريعة الإسلامية، وهو القيد الذي يراقب التقيد به العلماء، كما كان الأمر في الدولة الإسلامية التقليدية.

إن النموذج الوهابي للحكم الإسلامي حاول أن يحتفظ بالمعادلة البسيطة والأدوات والآليات التراثية والتي كانت ملائمة للمجتمعات التقليدية والمتمثلة في: سلطة مطلقة شديدة المركزية، يتمتع الملك على رأسها بصلاحيات تنفيذية وتشريعية واسعة، يوازيها - او من المفترض ذلك - سلطة رقابية يمارسها العلماء، في الحفاظ على مرجعية الشريعة الإسلامية، وتطبيق قواعدها وأحكامها في المجتمع. ومشكلة هذا النموذج مزدوجة، فمن جهة، أهمل هذا النموذج التطورات التي طرأت على المجتمعات المعاصرة، من حيث تعقد أبنيتها الإجتماعية والسياسية، وتغير نمط السلطة بها، وطبيعة الوظائف التي تؤديها، ويمكن القول أنه لولا تضافر عدة عوامل مكنت هذا النموذج من التعايش مع هذه المتغيرات، لما استطاع أن يقاوم التغيير طوال هذه المدة، هذه العوامل تتمثل في: الطبيعة القبلية للمجتمع والتي ألفت هذا النمط من السلطة الأبوية التقليدية، الطبيعة الريعية للاقتصاد والتي مكنت الدولة من الاستقلال عن المجتمع -أو الاستغناء عنه - والتحكم به بشكل غير مسبوق، وطبيعة نشأة الدولة وارتباطها بالدعوة الوهابية والتي تبنت الخطاب السياسي الشرعي التراثي.

وهذا ينقلنا إلى المشكلة الثانية في هذا النموذج، إذ أن النزعة السلفية الأصولية للحركة الوهابية جعلتها ترث إشكاليات النظام الإسلامي التقليدي، ولا تلتفت إلى أوجه الإنحراف فيه، وحاجاته إلى الاجتهاد والتجديد، ومن أوجه الانحراف هذه: شرعنة بعض الممارسات الإضطرارية في التاريخ الإسلامي كالحكم الوراثي، وإمارة المتغلب، أو مثل التقصير في إيجاد آليات ومؤسسات تحول بعض القيم والمبادئ الإسلامية السياسية إلى واقع وتحافظ عليها، مثل الشورى وحق الأمة في اختيار من يحكمها، أو مراقبة المال العام، أو حق الأمة في المعارضة السياسية للحكام، أو حتى عزلهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.