المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عفان  Headshot

إشكالية الحكم الإسلامي والدولة الحديثة 3-8

تم النشر: تم التحديث:


رابطة الشعوب الشرقية

كانت الدعوة إلى إنشاء رابطة للشعوب الإسلامية هي أحد الاستجابات الأولى لانهيار دولة الخلافة - كما ذكرنا آنفا -، وتعتبر هذه الدعوة امتدادا لدعوة الجامعة الإسلامية التي تبناها عددا من مصلحي النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وعلى رأسهم جمال الدين الأفغاني. بيد أن الدكتور عبد الرزاق السنهوري طرح رؤيته لرابطة الشعوب الشرقية كبديل عصري ومؤقت لدولة الخلافة، حتى يتم تلافي واستدرك أوجه الخلل والقصور في دولة الخلافة الناقصة التي انهارت، والمتمثلة في: هيمنة الوظيفة السياسية على الدينية، وجمود الفقه عن مجاراة التطورات السياسية والاجتماعية، والفشل في الحفاظ على وحدة الأمة بالرغم من المركزية الشديدة.


ووفقا للدكتور السنهوري، فإن دولة الخلافة لكي تكون "كاملة" يجب أن تتسم بصفات ثلاث:

"أولها: أن هذا النظام مبني على أساس تعاقدي، فالخليفة الصحيح تكون ولايته بناء على عقد صحيح (وهو البيعة الحرة) ..... أما القوة أو العنف فمستبعدان تماما من نظام الخلافة الصحيحة.

ثانيهما: أن من يرشح نفسه للحكم (الخلافة) يجب أن يتوافر فيه شروط الأهلية التي تضمن حسن سير الحكومة.

ثالثهما: فيما يخص عمل نظام الخلافة الصحيحة وسيرها فإنه يشمل ثلاثة عناصر أساسية، هي:

أ. يشمل عمل حكومة الخليفة اختصاصات سياسية واختصاصات دينية.
ب. في ممارسة هذه الاختصاصات تلتزم حكومة الخليفة بأحكام الشريعة الإسلامية.
جـ. ولاية الخلافة عامة على دار الإسلام لتضمن وحدة العالم الإسلامي.

وبالتالي اعتبر السنهوري أن أي إخلال بشرط من الشروط السابقة، مثل غياب شرط البيعة الحرة، أو تعدد الخلافات بما لا يحقق وحدة الأمة، إنما هو من قبيل الخلافة الناقصة، والتي دعت إليها الضرورة بسبب عدم قدرة المسلمين على إقامة خلافة كاملة. وانطلاقا من هذه الضرورة، كانت دعوة السنهوري لإقامة خلافة ناقصة - تختص بالشؤون الدينية فقط - على أن تكون خلافة مؤقتة، حتى تتهيأ الظروف المواتية للخلافة الكاملة.
وقد حاول السنهوري في رابطته الأممية التغلب على المشكلات الثلاثة التي رآها في نموذج الخلافة الناقصة، وفق مبدأ التمييز بين التنظيم الديني والسياسي للخلافة:

فأولا: للتغلب على مشكلة هيمنة الوظيفة السياسية على الدينية في دولة الخلافة، اقترح إقامة تنظيم ديني على شكل هيئة متمايزة مستقلة، وهو التنظيم الذي لم تعرفه الخبرة الإسلامية سابقا، وتتكون هيئة الشؤون الدينية هذه من:

  • جمعية عامة، تتشكل من مندوبين من الدول الإسلامية،
  • ومجلسا أعلى، يضم لجانا خمسة مختصة بالتنظيم الداخلي و شؤون العبادات، والشؤون المالية، والحج، والتعليم والدعوة، والعلاقات الخارجية،
  • والخليفة، وهو الذي يُنتخب من الجمعية العامة، بناء على ترشيح المجلس الأعلى، ويعتبر ممثلا للعالم الإسلامي، ويتولى مسؤولية إدارة هذه الهيئة بما يحقق التعاون بين الشعوب المسلمة، لتباشر الأمة نشاطها كجماعة واحدة.

ثانيا: بخصوص جمود الفقه الإسلامي عن مجاراة التطورات السياسية والاجتماعية، فقد دعا السنهوري - كمرحلة أولى أسماها المرحلة العلمية - إلى القيام بحركة بحثية، فردية ثم جماعية، لتطوير الشريعة الإسلامية، على أساس الفصل بين الشق الديني والمدني أو الدنيوي من جهة، والتمييز بين ما هو قواعد ثابتة، وما هو أحكام متغيرة من جهة أخرى، بحيث تستعيد الشريعة حيويتها ومرونتها بعد فترة الجمود التي مرت بها، ثم السير بعد ذلك نحو المرحلة الثانية - وهي مرحلة التشريع - بطريقة حذرة وتدريجية، لتلافي إشكاليات مثل موقف غير المسلمين، أو وجود تشريعات وقضاء أجنبي أقحم على الأعراف القانونية في هذه البلاد.

أما المشكلة الثالثة، والمتمثلة في الوحدة السياسية للأمة، تبنى السنهوري نفس الرؤية التدرجية الحذرة، نظرا لتنامي النزعة القومية والوطنية داخليا من جهة، والتوجس الخارجي من أن تكون هذه الرابطة موجهة بالأساس ضد الغرب المسيحي من جهة أخرى، لذا فقد نادى السنهوري بأن تسبق الوحدة القومية للشعوب الشرقية نشأة هذه الرابطة، بحيث تصبح الوحدات القومية الوحدات الأساسية لهذه الرابطة، وكذلك ألا تكون الرابطة الشرقية بديلا عن الرابطة الأممية - عصبة الأمم آنذاك -، بل يجب أن تنضم كافة الدول الإسلامية المستقلة لهذا التنظيم الدولي، بحيث تصير العصبة الشرقية إطارا إقليميا يوفر المزيد من التعاون لتحقيق الاستقرار الداخلي والأمن الخارجي.

وأخيرا، لم يقف السنهوري عند حدود هذا الشكل من الخلافة الناقصة الإضطرارية، بل أوضح أنه متى نجحنا في تحقيق هذه الخطوات الثلاث: إقامة الهيئة الدينية، تجديد الفقه الإسلامي وتطوير الشريعة، إقامة الرابطة السياسية الأممية، فقد بقيت لإقامة الخلافة الكاملة خطوة واحدة، وهو أن تتفق الأمم الشرقية على أن ينصَّب الخليفة (رئيس الهيئة الدينية) رئيسا لمنظمة الأمم الشرقية، وبذلك يجمع السلطة السياسية والدينية معا، ولكن هاتان السلطتان ستؤديان هذه المرة بشكل مؤسسي عن طريق تنظيمين مستقلين، وبمرونة بعيدة عن الحكم المركزي، بأن تعطى كل بلد نوعا من الحكم الذاتي.

وبتقييم هذا الطرح للدكتور عبدالرزاق السنهوري، نجد أن هناك إشكالية حقيقية كانت سببا أساسيا - ربما - في عدم تفعيله، بالرغم من تدرجيتها ومعقوليتها، وهي أنها مبادرة نظرية لم تأخذ في حسبانها عنصر القوة، التي قد تكون داعما أو مانعا أمام الأفكار والرؤى لتتجسد على أرض الواقع. فلا الاستعمار الأوروبي ولا الحكام المستبدون في ذلك الوقت (الهاشميون في العراق والأردن، والسعوديون في الحجاز، والأسرة العلوية في مصر والسودان، والشاه في إيران) كانوا ليسمحوا ببروز هذا التنظيم الأممي، أو نصب خليفة يشاركهم سلطانهم - ولو في الشؤون الدينية فقط - داخل أقطارهم. إن أحد مبادئ الأساسية للدولة الحديثة هي إخضاع الديني للسياسي، وهو ما تبنته الدولة الحديثة في عالمنا الإسلامي، والتي لم تكن لتسمح بتكرار إشكالية العلاقة بين الملوك والبابا في أوروبا.

وهذا ينقلنا إلى الإشكالية الثانية، وهي الهيئة الدينية الأممية التي دعا إليها الدكتور السنهوري، على غير مثال سبق في التجربة الإسلامية، وهي الهيئة التي كانت ستحول الإسلام بدرجة أو بأخرى إلى ديانة مؤسسية، بحيث يصير منصب الخليفة له قدسية ما، والفتاوى التي تصدر من مؤسسته لها إلزامية دينية ما، هذا بالرغم من التفات السنهوري لهذه الإشكالية، وتأكيده على أن مؤسسته تلك لن تكون كنيسة كاثوليكية، حيث البابا له عصمة، وهو واسطة بين الإنسان وربه، ومن حقه طرد المخالفين من الملة، ونحو ذلك.

لقد كانت الدعوة إلى الجامعة الإسلامية محاولة سريعة لتدارك أزمة سقوط الخلافة، ومحاولة الحفاظ على وحدة الأمة بعد غياب الإطار الجامع لها، لكنها حقيقة لم تطرح رؤى سياسية أكثر عمقا حول شكل الحكم الإسلامي في ظل التنظيم السياسي للدولة الحديثة، ما هو شكل السلطة السياسية، وكيف تكتسب مشروعيتها، وما هي وظائفها المدنية والدينية، وهي الأسئلة التي سنحاول أن ندرس إجابتها وغيرها في النظريات المعاصرة الأخرى للدولة الإسلامية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.