المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عفان  Headshot

إشكالية الحكم الإسلامي والدولة الحديثة 2-8

تم النشر: تم التحديث:

ميلاد الدولة الحديثة في العالم الإسلامي

بعد أن تناولنا في المقال السابق تعريفا مبسطا للدولة الحديثة، وقدمنا لإشكالية مفهوم الحكم الإسلامي في ظل هذا التنظيم السياسي الجديد، نستعرض في هذا المقال كيف ولدت الدولة الحديثة في التجربة الإسلامية، وكيف كانت الدعوة إلى إنشاء الرابطة الأممية -أول محاولة اجتهادية لإقامة حكما إسلاميا في هذا الإطار-. حقيقة لا يمكن أن نجيب بشيء من الدقة على سؤال متى ولدت الدولة الحديثة في العالم الإسلامي، لكن يمكن القول إجمالا إنها عملية ممتدة، بدأت منذ عهد الإصلاحات في الدولة العثمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقد عرفت هذه الإصلاحات بالتنظيمات، والتي بدأت فيها الدولة العثمانية تطور من تنظيمها الإداري والقانوني على النسق الغربي كردة فعل لسلسلة من الهزائم العسكرية وتردي الأوضاع داخل الأقاليم التابعة لها.

وربما يرجع البعض بداية نشأة الدولة الحديثة إلى ما قبل ذلك، إلى أوائل القرن التاسع عشر، عهد الحملة الفرنسية ودولة محمد علي، لكن بالتأكيد كان انهيار الدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ثم إلغاء الخلافة عام 1924م، ثم الهيمنة الاستعمارية شبه التامة على العالم الإسلامي هي العامل الأهم في تطور الدولة الحديثة في المنطقة العربية والإسلامية، وتكتمل مرحلة التحول هذه في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وظهور دول الاستقلال في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

ومن قراءة العوامل التي ارتبطت بظهور الدولة الحديثة في العالم العربي والإسلامي يمكن الخروج بملاحظة أساسية، وهي أن ميلاد الدولة الحديثة في منطقتنا كان متعسفا قسريا، وأنه لم ينتج عن تطور اجتماعي وسياسي طبيعي، فالدول الاستعمارية، مدفوعة بعوامل أيديولوجية ومادية، اتبعت سياسات تستهدف إضعاف وتوهين البنى الاجتماعية والسياسية في المستعمرات (مثل المؤسسات التعليمية، والقضائية، والسياسية)، وإحلالها ببنى ومؤسسات جديدة تتواكب مع تنظيمها السياسي الحديث، وهي السياسات التي أدت إلى هذا التشوه الحادث في مجتمعاتنا -ربما حتى الآن- حيث توجد مؤسسات وأبنية اجتماعية وسياسية لا تدعمها قيم وثقافة راسخة في المجتمع، مما حولها في النهاية إلى كيانات غير فاعلة بالشكل المطلوب، بل وأحيانا شكلية وصورية.

هذا المعنى هو ما أشار إليه برهان غليون في "نقد السياسة"، حيث قال: "لقد دخلت الدولة الحديثة في الحياة السياسية العربية كثمرة جاهزة، مقطوعة عن الخبرة التاريخية الطويلة التي أنشأتها، وفاقدة لنظم القيم والفكرية والأخلاقية التي تعطي للمجتمع القدرة على التعامل الصحيح معها.. وهذا هو الذي يفسر لماذا تحولت الدولة الحديثة في الواقع العربي إلى فكرة هشة الجذور والمرتكزات، وقليلة العمق في الشعور أو في الضمير الفردي والجمعي، مفتقرة في ذاتها إلى الروح المحركة، وفاقدة للغايات الحافزة، وعاجزة عن الإنجاز".

عملية الميلاد القسري هذه التي انتجت هذا الكيان المشوه تتجلى أيضا في ظاهرتين: المدى الزمني المحدود لتطور الدولة الحديثة في الخبرة العربية الإسلامية، والعملية الاستعمارية المشوّهة لترسيم الحدود. فمقارنة بالخبرة الغربية والتي امتدت فيها عملية تشكل الدولة الحديثة منذ منتصف القرن السابع عشر (إذ تعتبر اتفاقية وستيفاليا 1648م نقطة الميلاد الأولى للدولة الحديثة في أوروبا)، وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى 1918م، لم يتح للمجتمعات العربية والإسلامية هذا المدى الزمني الممتد - نحو ثلاثة قرون- لتطوير وتحديث أبنيتها السياسية والاجتماعية بشكل طبيعي. وأيضا، بخلاف الخبرة الغربية والتي تمت فيها عملية ترسيم الحدود عبر مفاوضات واتفاقيات بين الدول المعنية، ومُثِّل فيها مختلف العرقيات والمجتمعات أصحاب الشأن، ليعبروا عن مصالحهم ويسعوا لتحقيقها بقدر ما تتيحه موازين القوى، فإن عملية ترسيم الحدود في خبرتنا العربية الإسلامية تمت بشكل أساسي بالتفاوض بين القوى الاستعمارية، ووفق موازين قوى ومصالح متعلقة بها هي بالأساس، وليس وفق مصالح شعوب هذه البلاد أو إرادتها الحرة، وهو الأمر الذي أدى إلى مشكلات ديموغرافية وسياسية لم تحل حتى الآن.

لقد ولدت الدولة الحديثة قسرا في تجربتنا العربية الإسلامية، ونتج عنها - كما ذكرنا - إشكالية معضلة في الفكر الإسلامي، وهو كيف يمكننا أن نقيم حكما إسلاميا يتلاءم مع هذا التنظيم السياسي الجديد، وكانت أولى الأطروحات التي تصدت لهذه الإشكالية، هي فكرة الجامعة الإسلامية أو جامعة الشعوب الشرقية التي دعا إليها الدكتور عبد الرزاق السنهوري في رسالته للدكتوراة عام 1926، والتي قال في افتتاحيتها: "للمرة الثانية في تاريخ الإسلام وجد العالم الإسلامي نفسه دون خليفة، لأن الجمهورية التركية عقب انتصارها على اليونان أعلنت أنها عاجزة عن أن تتحمل المسؤولية التي كانت تقع على عاتق الإمبراطورية العثمانية منذ قرون، وبذلك أصبح موضوع الخلافة مشكلة عصرية حادة".

حقيقة لم تكن فكرة الجامعة الإسلامية في هذه الآونة فكرة جديدة، بل لقد سبق إليها عدد من دعاة الإصلاح في العالم الإسلامي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، على رأسهم جمال الدين الأفغاني، فقد دعا إلى إيقاظ الشرق ونهضته، على أساس وحدة العقيدة، والوحدة الوطنية التي تجمع أبناء الأديان الشرقية الثلاثة، وعلى أساس الالتفاف حول الخلافة العثمانية، لدعمها وتجديد قوتها، وعلى أساس من تجديد الفكر الديني وتطويره، بل ولقد تعددت التوجهات داخل هذا التيار الداعي للجامعة الإسلامية، مثل التوجه العروبي المناهض للعثمانيين الذي تبناه عبد الرحمن الكواكبي، والذي دعا إلى تدعيم الوحدة داخل العالم الإسلامي، ولكن تحت قيادة العنصر العربي، الذي رآه الأقدر على أداء هذه المهمة، وفي المقابل كان السلطان عبد الحميد الثاني يتبنى نفس المشروع ولكن في الاتجاه المعاكس، اتجاه تقوية المركزية داخل دولة الخلافة، وإضعاف الحركات القومية المناهضة، ومنها القومية العربية.

لكن الجديد في طرح الدكتور السنهوري أنه قدم الجامعة الإسلامية -أو جامعة الشعوب الشرقية كما أسماها- كبديل عن دولة الخلافة، وليس كآلية لإصلاحها وتقويتها كما حاول أسلافه، كما أنه حاول أن يقدم من خلالها رؤية عملية ومتدرجة لحل المشكلات التي رآها في دولة الخلافة "الناقصة" التي انهارت، والتي تتمثل في: هيمنة الوظيفة السياسية على الدينية، وجمود الفقه عن مجاراة التطورات السياسية والاجتماعية، والفشل في الحفاظ على وحدة الأمة بالرغم من المركزية الشديدة. وسيكون موضوع عصبة الأمم الشرقية كما أصل له د.عبدالرازق السنهوري هو موضوع مقالنا القادم بإذن الله تعالى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.