المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عفان  Headshot

إشكالية الحكم الإسلامي والدولة الحديثة 1-8

تم النشر: تم التحديث:

ارتبط ميلاد الدولة الحديثة في العالم الإسلامي بظاهرة جديدة نوعاً ما في الخبرة الإسلامية، هذه الظاهرة هي تعدد - بل وأحيانا تضاد - النظريات والأيديولوجيات التي تؤسس للحكم الإسلامي في ظل هذا التنظيم السياسي الحديث، وهي الإشكالية التي لم تكن مثارة على هذا النطاق الواسع والمربك في التنظيمات السياسية التي سبقتها في تاريخنا الإسلامي (الدولة الإمبراطورية - السلطنات والممالك -الدول/المدن- أو حتى التنظيمات الأولية كالقبيلة).

وهذه الإشكالية المتمثلة في عدم وضوح أو عدم الاتفاق بين المسلمين -بل وبين الإسلاميين- على الشكل المؤسساتي والوظائف الأساسية والخصائص المحددة لمفهوم الدولة الإسلامية أو الحكم الإسلامي في ظل الدولة الحديثة ألقت بظلالها على الصراع الإسلامي-العلماني الذي ضرب مجتمعاتنا منذ أكثر من قرن من الزمان، وما زال يتجدد من آن لآخر كلما وجدت أمتنا نفسها في منعطف تاريخي فاصل (مثل: إبان تأسيس الدول العربية الحديثة في عشرينات القرن الماضي، أو في أعقاب الاستقلال في خمسينياته وستينياته، أو عقب الربيع العربي في مفتتح العقد الثاني من القرن الحادي وعشرين).

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد الصراع ليندلع بين مختلف الحركات والأحزاب الإسلامية، والتي تنازعت حول أصالة وصواب النموذج الذي تدافع عنه في مقابل انحراف وخطأ النماذج الأخرى، وتنوعت مظاهر هذا الصراع وتباينت شدته بين التراشق بالأفكار، إلى التكفير والتقاتل، وما النزاع بين النظام السعودي، وجماعة الإخوان المسلمين، وتقديم الأول للدعم المادي السخي، والدعم الدبلوماسي الدؤوب للانقلاب العسكري الذي أطاح بالإخوان المسلمين في مصر ثم إعلانه إياها جماعة إرهابية، إلا دليل على حدة وشراسة الصراع بين النماذج المتنافسة للدولة الإسلامية المعاصرة.

وتكمن المفارقة في هذه الإشكالية في أنه على الرغم من أن هناك توافقاً عاماً بين الحركات الإسلامية حول تعريف الدولة الإسلامية، وهي أنها الدولة التي تقوم على تطبيق الشريعة الإسلامية، إلا أن النماذج التي تطرحها هذه الحركات للحكم الإسلامي في إطار الدولة الحديثة جد مختلفة، ويمكن بالرجوع إلى بعض المصادر أن نذكر منها إجمالاً النماذج الآتية:

  • نموذج الرابطة الأممية لـ د.عبدالرزاق السنهوري
  • النموذج السلطوي التقليدي للحركة الوهابية
  • النموذج التحديثي الديمقراطي الذي تتبناه الأحزاب الإسلامية الديمقراطية
  • النموذج الشبه ثيوقراطي في نظرية ولاية الفقيه الشيعية، ونظيره السني - حكم العلماء - مثل نظام طالبان بأفغانستان، والمحاكم الشرعية بالصومال.
  • النموذج المثالي الراديكالي والذي يتبدى في مفهوم الحاكمية عند أبو الأعلى المودودي وسيد قطب.

ويزداد الأمر تعقيداً عندما نرى البعض يذهب، في ظل هذا التباين والتعارض، إلى الحديث عن عدم ملاءمة متأصلة بين إطار الدولة الحديثة وفلسفة الحكم الإسلامي، فإذا كانت الدولة الحديثة هي منتج البراديم العقلاني الوضعي rational positivist لفلسفة التنوير الأوروبي، فإن الحكم الإسلامي هو نتاج براديم ميتافيزيقي معياري metaphysical normative، وإذا كانت السيادة Sovereignty في الدولة الحديثة -وهي إحدى صفاتها الأصيلة المميزة كما سنرى لاحقا- تكمن في الدولة ذاتها، فإن مفهوم السيادة في الحكم الإسلامي يرتبط بذات متجاوزة -وهو الله سبحانه وتعالى- وإذا كانت تقنيات بناء الإنسان Subject Production في الدولة الحديثة تهدف إلى خلق مواطن فاعل ومنتج، فإن نظيرها في الحكم الإسلامي هو البناء الأخلاقي للإنسان.

وقبل التناول التفصيلي لكافة هذه النماذج في المقالات القادمة أرى أنه من الملائم أن نلقي الضوء أولا على ماهية الدولة الحديثة، وما هي الخصائص المميزة لها عما سبقها من الدول والتنظيمات السياسية. ويستوجب الحديث عن نشأة الدولة الحديثة الإشارة إلى أمرين: أولا أنها تعتبر بنت التجربة الأوروبية بامتياز، أي أنها نشأت نتيجة التطورات السياسية والاجتماعية التي مرت بها أوروبا منذ القرن السادس عشر، ثانيا: أنه لا يوجد قاعدة عامة أو نمط محدد لنشأتها من التنظيمات السياسية التي سبقتها، فهي قد نشأت أحيانا كنتيجة تحور في التنظيمات السياسية القائمة (عادة الممالك) واكتساب بعض الخصائص الجديدة، وأحيانا نتيجة تشظي تنظيمات سياسية أكبر (عادة الدولة الإمبراطورية) على خلفية هزيمة عسكرية أو صراع داخلي، وأحيانا نتيجة اندماج تنظيمات سياسية أصغر (عادة قبائل أو دول/مدن City-State) نتيجة توافقات على مصالح أو تسويات سياسية وعسكرية).
وبالرغم من التشابه بين الدولة الحديثة وما سبقها من أشكال المجتمعات السياسية في بعض الجوانب إلا أن هذه الدولة لها عدة خصائص مميزة، أهمها:
احتكارها لاستخدام القهر/العنف الشرعي داخل حدودها، فسيطرة الدولة الحديثة كما يذكر ماكس فيبر على أدوات العنف إحدى الصفات المحددة للدولة الحديثة.

الحدود، فالدولة الحديثة صارت تعرف بأنها وحدات جيوبوليتيكية تشغل حدودا ثابتة ومحددة بدقة، وهو ما لم يكن موجودا في الأنماط السابقة لها من الدول مثل الإمبراطوريات.

السيادة، بمعنى أن الدولة الحديثة تمثل السلطة الأعلى والنهائية في الإقليم الذي تحكمه.

الدستورية وحكم القانون، فالدولة الحديثة تمتاز بوجود قوانين منظمة لـ«قواعد اللعبة» أولنظام الحكم وصياغة القوانين داخل نطاقها الجغرفي، بعكس نمط حكم الأشخاص Rule of men الذي كان سائدا في الأنماط السابقة من المجتمعات السياسية.

المشروعية، وتعني أنه في الظروف العادية تتمتع قرارات وقوانين الدولة بقبول شعبي، يعتمد على مشروعية قانونية، وهذا بعكس أنماط المشروعية الأخرى التي تحدث عنها ماكس فيبر مثل الشرعية التقليدية، أو الكاريزمية التي كانت سائدة في الأنماط السابقة.

المواطنة، فبالرغم من أن هذا المفهوم قديم يعود إلى الدول-المدن الإغريقية، إلا أنه تراجع في ظل المجتمعات السياسية التي تلتها، ليعود مرة أخرى مع الثورة الفرنسية ليكتسب معنىً جديداً يرتبط بالحق في المشاركة العامة، والحقوق والواجبات المتساوية، وانتقال تمثل السيادة في الملك إلى تمثلها في المواطنين.

الجهاز البيروقراطي المتطور، فالبرغم من وجود الهيكل الإداري في مختلف التنظيمات السياسية السابقة للدولة الحديثة، إلا أن فيبر أشار إلى تطور البيروقراطية في الدولة الحديثة ووضع لها سمات مثالية تتضمن: أن لها تنظيما هرميا، أنها تسير وفق خطوط عامة رسمتها السلطة، التخصص.. بمعنى أن كل فرع منها يلتزم منطقة محددة من النشاط، أن الإجراءات المتخذة تكون على أساس قواعد مكتوبة، وأن القواعد يتم تنفيذها من قبل المسؤولين بشكل محايدة، وأن التقدم الوظيفي يعتمد على المؤهلات الفنية.

وبمجموعة الخصائص هذه امتازت الدولة الحديثة عن غيرها من التنظيمات السياسية التي سبقتها، أما كيف ومتى ولدت الدولة الحديثة في عالمنا الإسلامي، وكيف كانت الجامعة الأممية أول النماذج التي حاولت أن تتعامل مع هذا المتغير السياسي الجديد، فهو ما سنتعرض له بإذن الله في المقال القادم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.