المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عادل Headshot

ثلاثة وجوه للقتل والعنف

تم النشر: تم التحديث:

في فيلم (غير معقول Unthinkable ) نرى مناقشة لفكرة قديمة قدم الدهر. هناك إرهابي زرع قنبلة شديدة التفجير في مكان غير معروف، القنبلة ستنفجر بعد عدة أيام، هل من حقنا أن نعذبه في سبيل إنقاذ حياة ملايين؟ إن قبلنا بهذا فإن الفيلم يأخذنا للمرحلة التالية: الإرهابي تحمل التعذيب الجسدي و لم يعترف بمكان القنبلة، ماذا عن تهديده بقتل أهله؟

يقوم ضابط التعذيب- يلعب دوره صموئيل جاكسون- بجلب زوجة الإرهابي وطفليه أمامه ويهدده بقتلهم. الإرهابي لا يصدق التهديد فيقتل الضابط زوجته بالفعل ثم يصوب المسدس نحو أبنائه فيصرخ الإرهابي معترفاً بمكان القنبلة.

الانطباع العام الذي خرجت به من الفيلم هو أن الموضوع مقبول، صعب لكنه ضروري، هناك بريئة ماتت لكن في المقابل تم إنقاذ مئات الأبرياء، وهي نفس الفكرة التي ظهرت في أحد خطابات السيسي وفي خطاب لمرسي من قبله، فكرة أنه لا بأس بأن يعاني البعض في سبيل حياة أفضل للأغلبية.

نفس الفكرة قدمها سام هاريس، المفكر الأمريكي الذي يدير مؤسسة فكرية تسمي (مشروع الفكر Project Reason ) في أحد كتبه لكن بشكل تنظيري.

المشكلة في أسلوب التفكير هذا أنه يختصر الإنسان لشيء، يمكن مقارنته وحسابه حساباً عددياً، و بحسبة بسيطة تصير معاناة شخص أفضل من معاناة شخصين، ومعاناة شخصين أفضل من معاناة أربعة وهكذا. أسلوب تفكير كهذا يتعامى عن الإنسان ككيان سامٍ، كروح مقدسة، كقيمة عليا مطلقة، و ينظر له على أنه مجرد آلة بيولوجية أو مجرد شيء.

سلافوي جيجك، المفكر الماركسي الشهير لاحظ ملاحظة ذكية هي أن الكتاب الذي روج فيه هاريس لهذه الأفكار اسمه (نهاية الإيمان The end of faith). جيجك شخصياً ملحد، بالتالي هو لم ينتقد أن هاريس يعني بعنوان كتابه نهاية الإيمان بالله، بل هو كتاب يتكلم عن نهاية الإيمان بكل القيم العليا مجتمعة، أياً كانت.

هنا نتذكر الروايات المتكررة من الكثير ممن نالهم التعذيب في السجون المصرية عن أن معذبيهم كانوا يستهزئون بالدين و بالله، وهي الروايات التي لا أحتاج أستاذاً في الفلسفة والتحليل النفسي مثل جيجك ليدلل على أنها منطقية ومقبولة عقلاً.

ربما لو كان جيجك يعرف الآية الكريمة "من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون" لتكلم عنها في هذا السياق.

في الإسلام الإنسان قيمة مطلقة لا تقبل المقارنة. كل من درس الرياضيات يعرف أن المالانهاية، القيمة العددية المطلقة، لا يمثل معها الضرب والقسمة فارقاً ولا يمكن مقارنتها بمضاعفاتها، بمعنى أنه لا يمكنك أن تقول أن مالانهاية واحدة أقل من عشرين مالانهاية، هذا خطأ رياضي فاحش. مالانهاية واحدة تساوي مليون مالانهاية.

بالمثل لا يمكنك أن تقول إن ظلم نفس واحدة مقبول لكي تعيش ألف نفس، النفس الواحدة قيمة معنوية مطلقة لا تقبل المقارنة مع مضاعفاتها ولا يمثل الضرب ولا القسمة فارقاً بالنسبة لها. التفكير في النفس على أنها جماد يمكن مقارنته بمضاعفاته أشبه بمنحدر جبلي، إن وضعت قدمك على أوله فإنك ستنزلق بسرعة حتى الهاوية، و الأمر هنا لن يتوقف على مظالم قتل وتعذيب بل إن إلغاء قدسية النفس البشرية وقيمتها المطلقة يسمح بقبول الكثير من الأشياء الإباحية والاستهلاكية التي تتعامل مع الإنسان و كأنه سلعة. فكرة أن النفس البشرية قيمة مطلقة تضفي الضوابط على كثير من الأفكار، مثل وضعها للكثير من الضوابط على الديمقراطية فلا تجعل فوز الأغلبية مبرراً لظلم الأقلية أو التغاضي عن حقوقهم أو حتى إلغاء تعبيرهم عن أنفسهم وتواجدهم في المجتمع. الفكرة عميقة و تأثيراتها لا تعد، لكن لا يوجد مجال هنا لمناقشة كل تبعات هذه الفكرة بالتفصيل.

بالتالي أنت لا تقبل بالتعذيب والقتل إلا لو لم تكن تقدس النفس البشرية ولا تقدس الكثير من المعاني والقيم، أو لو لم تكن تنظر للآخرين على أنهم بشر من الأصل، مثلما فعل الخميني الذي تكلم في حوار مع إحدى الصحف الأجنبية بفخر عن أن الثورة الإيرانية هي أكثر الثورات إنسانية في التاريخ، الثورة التي لم تقتل إنساناً واحداً. هنا سأله الصحفي مستغرباً عن أعداد القتلى الذين تم إعدامهم بشكل علني أمام الإعلام فرد الخميني قائلاً إن هؤلاء ليسوا بشراً بل مجرد كلاب مجرمين!

من المثير للتأمل أن أكثر المتحمسين للتعذيب و القتل في العالم معترفون تماماً بأن تجربة التعذيب والقتل لا تمر عليك و تتركك إنساناً سوياً، لابد أن تأتي بالكثير من الدمار النفسي والأذى.

هناك خطبة شديدة الشهرة ألقاها هملر قائد قوات العاصفة النازية (SS)عام 1943 على قواته في مدينة بوزن البولندية المحتلة وقتها، تكلم فيها عن أشياء كثيرة، لكنَّ هناك جزءاً هو ما يهمنا هنا.

عندما جاء الكلام عن إبادة اليهود تكلم هملر عنها على أنها العبء الذي يتكلم عنه الجميع لكن لا أحد يقوم به. الكل يتكلم عن إبادة اليهود لكنه يقول لك (كل اليهود خنازير لكن جاري يهودي طيب، يهودي من الدرجة الأولى). قاله هملر: "أنا هنا سأتكلم بصراحة: كلكم يعرف معنى أن يرى مئات وآلاف الجثث متراكمة بجوار بعضها ثم يكون عليك بعدها أن تكون مهذباً خلوقاً عندما تتعامل مع زملائك وأهلك. هذا هو ما يجعلنا صلبين، هذه صفحة مجيدة من التاريخ لم تكتب ولن تكتب".

بعكس الصورة الشائعة عن النازيين، التي تصورهم وحوشاً نهمين شرسين لا يطرف لهم جفن، فإن معظمهم لا يقبل المجازر، حتى إن تكلم عن إبادة اليهود قبل الأكل وبعده فهو لا يتحمل أن يراها أو يشارك فيها، لهذا لن يستطيع ضباط وجنود قوات العاصفة أن يتكلموا صراحة عن قتل النساء والأطفال، ولهذا تظل هذه صفحة غير مكتوبة في التاريخ. لا أحد باستثناء الرعاع من البشر يستطيع أن يتكلم بالتفصيل صراحة عن الإبادة الجماعية، لن تجد قيادات دولة أو شخصيات يعتد بها تتكلم عن الأمر بشكل واضح و صريح باستثناء القادة الإسرائيليين الذين كتبوا المذكرات عن الفظائع التي ارتكبوها، فيما عدا ذلك حتى النازيون يعرفون العبء النفسي والأخلاقي لشيء كهذا.

المريع في الأمر أن هذا العبء النفسي والأخلاقي أصبح هو التضحية الوطنية التي يعقبها رجال هملر بعد التضحية بحياتهم من أجل الوطن، هذه هي الدرجة التالية من التضحية في سبيل القومية: أن تكسر قيمك الأخلاقية والإنسانية وتظل بعدها إنساناً في التعامل مع زملائك وأهلك !

عموماً هذه هي الخطوة التالية في منحدر التعصب الوطني و اعتبار الإنسان الآخر مجرد رقم: أنت على استعداد أن تضحي بحياتك من أجل الوطن ثم في المرحلة التالية أنت على استعداد أن تضحي بأخلاقك من أجل الوطن. ضع هذه الصورة في ذهنك وفكر في صلاح نصر وأفلامه الجنسية ولن تجد صعوبة في ربط هذا بالوطنية المتعصبة التي سادت الفترة الناصرية. لقد كان صلاح نصر ورجاله هم من تنازلوا وقبلوا على أنفسهم التضحية بالمبادئ في سبيل الوطن، وهم الذين قبلوا ما يرفض غيرهم أن يفعله، سواء كان هذا مبرراً صادقاً كما كان هملر يؤمن أم أن هذه هي الحيلة الدفاعية التي يكذبون بها على أنفسهم.

سام هاريس نفسه في كتابه (نهاية الإيمان) الذي حاول فيه تبرير التعذيب قال إن التعذيب مقبول عقلياً، الناس فقط يرفضونه لأن له وقعاً نفسياً عنيفاً. تخيل أن العلماء اخترعوا قرصاً يأخذه الأسير، يجلس هادئاً بدون صراخ أو معاناة ظاهرة بينما هو يمر بأسوأ الآلام والمشاعر. بعد أن ينتهي مفعول القرص سيعترف بما نريد أن نعرف منه دون أن يمثل هذا معاناة لنا. بالتالي التعذيب ليس مرفوضاً عقلاً هو فقط صعب نفسياً لأننا نشعر بتواصل مع الأسير وهو نوع من الضعف علينا أن نتجاوزه.

ربما لا يعرف هاريس أن القرص التخيلي الذي يتكلم عنه اخترعه معهد سيربسكي، الذراع البحثية للكي جي بي في مجال الطب النفسي، حيث اخترعوا عقاراً يحقن في منطقة القلب يخفض من نبض الأسير ويجعله هادئاً مستكيناً لكنه يثير فيه أعنف مشاعر القلق والرعب، بدون آلام جسدية. من يرى المشهد من الخارج سيرى شخصاً يجلس هادئاً مرتخياً لكنه يمر بأسوأ المشاعر البشرية، بدون أي نوع من أنواع العنف.

بالتالي السوفييت أيضاً يعرفون العبء النفسي للتعذيب والقتل وحاولوا بالفعل تجاوز هذا العبء النفسي. الكل يعرف أن القتل و التعذيب تجربة لا تمر منها وتبقى إنساناً سوياً.

لكن ماذا عن المجتمع، الوجه الثاني لفكرة القتل والتعذيب، كيف يتعامل مع الفكرة؟ كيف يتقبل القتلة والسفاحين ليصيروا أعضاء طبيعيين فيه: آباء وإخوة وأصدقاء؟

إحدى الشخصيات الرئيسية في رواية الشيء لستيفن كينج طفلة في الحادية عشرة من العمر تقريباً، والدها مختل يؤمن أن من واجبه أن يؤدب نساءه (زوجته وابنته). بالتالي عند أقل خطأ أو نسيان، بداع و بدون داع، فإنه يضرب طفلته بعنف، لكمات في الوجه والجسد الصغيرين بحيث تصير الكدمات في وجهها وجسدها من ثوابت الحياة، ويكون عليها مواجهة الآلام الجسدية و الآلام النفسية حين يسألها زملاؤها في المدرسة عن سبب تورم عينها.

المشكلة الأعمق أن أباها كان مختلاً حقيقياً فكان يمزج هذا بالكثير من الحب. هناك ساعات كاملة يقضونها يلعبون سوياً، يحكي لها الحكايات ويتكلمان و يمارسان كل الأنشطة اللطيفة التي يقوم بها أي أب حنون مع ابنته. بالتالي التفسير الوحيد الذي استطاعت أن تخرج به هذه الفتاة من الموقف هو أنها فعلاً فتاة سيئة تستحق العقاب. ما دام أبوها يحنو عليها أحياناً فلابد أن تفسير عقوباته العنيفة هو أنها طفلة سيئة تستحق العقاب فعلاً.

مشكلة هذه الفتاة كانت في حب أبيها لها. لو كان أبوها يعاملها بسوء على طول الخط فربما كان سهلاً عليها أن تصنفه على أنه معتوه لكن لحظات الحب والود التي صاحبت العنف جعلت الأمر صعباً. صحيح أنها عندما كبرت تركت البيت وهربت لكن ظل دائماً في وجدانها نفس الشعور الطفولي، شعور أنها تستحق العقاب بشكل دائم بل وربما استمتعت أحياناً بهذا العقاب، و هو الشعور الذي استغله صديقها فيما بعد فصار يمارس معها نفس السلوكيات العنيفة دون أن تبدي هي اعتراضاً بسبب ما ورثته من طفولتها.

نحن عاجزون عن انتقاد من يسيئون لنا إن مزجوا إساءتهم بإحسان، فكيف لو كانت إساءتهم موجهة للآخرين؟

سفيتلانا ستالين، ابنة ستالين التي هربت لأمريكا وأخذت الجنسية الأمريكية، كتبت مذكراتها التي قدمت فيها ستالين كأب حنون، ومعظم المجازر التي تمت في عهده سببها رجاله من أمثال بيريا. ربما كان ستالين بالفعل أباً حنوناً، هناك صور له و هو يحمل سفيتلانا وهي مراهقة ويداعبها، لكن هذا الحنان كان سبباً في تعاميها عن أنه رجل ديكتاتور قتل الملايين. الطريف في الأمر أن سيرجو بيريا، ابن بيريا، وزير ستالين السفاح الذي نسبت له سفيتلانا المجازر التي تمت في عهد أبيها، كتب أن أباه كان ينفذ أوامر ستالين لا أكثر بل إنه سراً كان يحاول أن يتجاوز عن بعض أوامره لتقليل ضررها. أندري ابن جورجي مالينكوف، الرجل الثاني في الحزب الشيوعي الروسي في عهد ستالين والذي خلف ستالين في رئاسة الحزب بعد موته، قدم أباه على أنه رجل مخلص مجتهد دائم الخوف على حياته.
المثال الأكثر فجاجة هو مثال جودرون هملر، ابنة هملر شخصياً.

هملر السفاح، قائد قوات العاصفة المسئولة عن الكثير من الفظائع النازية والمسئولة عن إدارة معسكرات الإبادة، كان رجل أسرة، يحب أبناءه، يقضي معهم وقتاً في رحلات الصيد، يحنو على ابنته، إلخ. من ضمن ما تحكيه أن كل عام، في رأس السنة يصحبها أبوها لتقدم هدية لهتلر ويكون هتلر قد أعد لها هدية بالمقابل يعطيها لها. الوجه الأسري الجميل للنازية.

جودرون التي كانت في الرابعة عشرة عندما مات أبوها ما زالت حية حتى اليوم، عجوز في الخامسة والثمانين تؤمن أن أباها لم يكن سفاحاً، تؤمن بأنه لم ينتحر ببلع قرص سيانيد عندما قبض عليه الإنجليز، بل هم الذين قتلوه، والأهم أنها لا ترى في النازية والنازيين سوءاً!

نموذج جودرون نموذج فج لأن هملر كان يصحب ابنته معه في رحلاته الدموية، بيتهم كان على بعد 15 ميلاً من معتقل داخاو الرهيب و لها صور مع أبيها في أحد هذه المعتقلات تم التقاطها والمعتقلون على بعد أمتار يموتون بمختلف الوسائل. بالتالي منذ طفولتها فهذه الفتاة رأت النازية الخام، التي لم تحاول أن تجمل نفسها. بالطبع الأدلة على كون هملر سفاحاً لا تعد ولا تحصي، خطب صوتية، صور، رسائل، إلخ. لا يمكن القول أن هذه الفتاة لم تكن تعرف ما يدور في الكواليس، وحتى إن لم تكن تعرف فالأدلة أكبر من أن يمكن إنكارها كلها.

اليوم تدير جودرون منظمة للعناية بالنازيين القدماء، تقدم لهم الدعم القانوني عند القبض عليهم، وتساعد من يخرج منهم من السجن على استئناف حياته. الأهم أنها تحتفل سنوياً بذكرى وفاة أبيها السفاح! السلطات الألمانية تضعها تحت المراقبة لكن أحداً لم يقبض عليها لأنها لم تخالف القانون- لو كانت هذه في بلادنا لكانت جثة أو مختفية في معتقل منذ عشرات السنين لأن رجال الأمن عندنا لا يحبون (وجع الدماغ) ويفضلون أن يظلموا بريئاً عن أن يتركوا مصدراً للصداع كهذا.

هنا نأتي للوجه الثالث للموضوع، الرجل الذي يرى القتل والتعذيب من حوله فيقبل ولا ينكر، بدون أن يتأثر بصورة ذهنية عن أب أو أخ أو صديق، الرجل الذي يرى التعذيب والقتل الجماعي في المجتمع كمشاهد فيؤيد ويقبل ويصفق مطالباً بالمزيد.

كان أدولف إيخمان ضابطاً في قوات العاصفة، مسئولاً أساسياً عن ترحيل المعتقلين لمعسكرات الإبادة النازية. بعد الحرب هرب من ألمانيا واختفى. سيمون ويزنثال، الصحفي الذي تخصص في مطاردة النازيين الهاربين توصل إلى أن إيخمان موجود في الأرجنتين وسرب هذه المعلومة للإسرائيليين، وفي عام 1960 تم اختطاف إيخمان من الأرجنتين وتهريبه وهو مخدر لإسرائيل لتتم محاكمته محاكمة علنية ثم إعدامه.

هانا أردنت، عالمة السياسة، كانت وقتها مراسلة لصحيفة النيويوركر وشهدت المحاكمات كلها ثم كتبت كتابها ساحق الشهرة (إيخمان في القدس- تقرير عن تفاهة الشر). فيما بعد صار مصطلح (تفاهة الشر Banality of evil ) أحد المصطلحات الأساسية في علم النفس / الاجتماع.

لو كان علي أن أختار نظرية واحدة لتحليل المشهد السياسي في مصر فبالتأكيد ستكون تفاهة الشر.

فكرة أردنت أن إيخمان لم يكن شريراً من الذين نراهم في الأفلام من المتعطشين للدماء الراغبين في الدمار، هو مجرد شخص تافه، والمشكلة أن الشخص التافه في المكان والتوقيت الخطأ يمكن بسهولة أن يصير سفاحاً. هذه كانت الملاحظات التي بنت عليها أردنت نظريتها:

إيخمان قال إنه بنى سلوكه على نظرية كانط، الفيلسوف الألماني، عن طاعة القانون العام والالتزام بروح القانون. لكن كانط كان يرى أن المرء نفسه يضع لنفسه القوانين الأخلاقية بناء على وعيه وضميره بينما إيخمان فهم الموضوع على أن مصدر القوانين و القواعد هو الحاكم، بالتالي هو هتلر في هذا الموقف! عموماً دفاع إيخمان عن نفسه كان مليئاً بالعبارات الكليشيهية المحفوظة التي لم يكن يفهمها جيداً، هو لم يكن يستطيع أن يعبر عن نفسه أو يبرر سلوكياته إلا بهذه العبارات، و بفهم سطحي يجعلها في النهاية تؤدي إلى أهمية طاعة هتلر. هو عاجز عن أن يفكر بنفسه وينتقد الأفكار والأطروحات المختلفة وعاجز عن التعبير والتواصل مع الناس بشكل جيد.

إيخمان عاش طوال عمره يبحث عن الانتماء لكيان ما يعرف من خلاله نفسه. بدأ بمنظمة الشباب المسيحي ثم منظمة الشباب الألماني ثم منظمة المحاربين الشبان، حاول الالتحاق بإحدى المنظمات التي تشبه الماسونية وفشل ثم استطاع أحد أقاربه (الذي حوكم فيما بعد كمجرم حرب) أن يلحقه بقوات العاصفة. بعد الحرب أصابه الاكتئاب لأنه لم يعد ينتمي لأي تنظيم!

إيخمان لم يكن شخصاً ذكياً: عجز أن يكمل دراسته الثانوية، عجز عن أن يكمل تعليمه المهني، الوظيفة الوحيدة التي استطاع الحصول عليها هو مندوب مبيعات لإحدى الشركات، والتي حصل عليها بواسطة. عموماً أثناء عمله كضابط وحتى أثناء المحاكمات، كلما أثيرت نقطة التعليم والمهارات كان وجهه يتورد خجلاً. كان إيخمان مدركاً لحقيقة وضعه وكان يحاول إخفاء هذه الحقيقة بكل وسيلة ممكنة.

في أكثر من مرة ادعى إيخمان قيامه ببعض الفظائع رغم أنه لم يكن يمتلك المهارة أو السلطة العسكرية للقيام بها! كان هذا يؤذي دفاعه وكان المحققون، أولئك الذين يرغبون في إعدامه يعرفون أنه لم يفعل الكثير من الأشياء التي يدعي أنه قام بها، إلا أنه كان يحاول أن يثبت أنه كان مهماً وذا حيثية حتى لو تسبب هذا في إعدامه، يفضل أن يتم إعدامه كمجرم حرب على أن يظهر أمام الناس على أنه نكرة!

اللحظة التي ارتاح فيها ضمير إيخمان للمشاركة في إبادة اليهود كانت عندما شهد أن صفوة المجتمع الألماني تمتدح الفكرة، مجرد مدح الصفوة لهذه الفكرة كان كافياً لإزالة أي مسئولية أخلاقية يشعر بها تجاه الموضوع.

قبل المحاكمات أرسل الإسرائيليون ستة أطباء نفسيين لفحص إيخمان. الملحوظة المثيرة للانتباه أنهم أجمعوا على أنه طبيعي أكثر من اللازم. كل شخص لابد أن يكون متميزاً في شيء ما، مهارة أو أسلوب كلام أو فكر أو أي شيء، إلا أن إيخمان كان نمطياً في كل شيء وأي شيء، كان طبيعياً لدرجة أنه صار غير طبيعي لو كان هذا التعبير ممكناً.

من هنا يمكننا أن نتفهم نظرية تفاهة الشر، الشخص التافه في الوقت والمكان غير المناسبين يمكن بسهولة أن يصير سفاحاً.
نظرية تفاهة الشر، بكل أبعاد تعريف التفاهة التي تقدمها، تلقي بالكثير من الضوء على قبول الجماهير و العامة للقتل و التعذيب. هذه النظرية تساعد على أن نفهم لماذا قبل الأستاذ محمد، الرجل الطيب الذي يحافظ على الصلوات ويصوم يومي الاثنين والخميس، أحداثَ الاتحادية و لم ير مشكلة في العنف الذي مارسه الإخوان (أو لم ير أن هناك عنفاً من الأصل) و دعا الرئيس لأن (يغضب)، ولماذا تؤيد مدام عفاف موظفة الشهر العقاري السيسي والإبادة الجماعية التي يقوم بها تجاه كل من يخالفه، وتؤيد إبادة أهل سيناء كلهم أو ترحيلهم لأنهم يأوون الإرهابيين في رأيها.
عرضنا هنا ثلاثة وجوه للتعذيب والقتل: القاتلَ نفسه، أهلَه الأقربين و المجتمع ككل. ربما كان السؤال المنطقي هو أليس العنف ضرورياً أحياناً؟ أليس من الضروري معاقبة المخطئ؟ أليست الحدود الإسلامية نوعاً من العنف؟ ما الضابط الذي نعرف به القتل الضروري من القتل الخاطئ؟
في حديثه عن هذه النقطة يعرف سلافوي جيجك العنف المريض المدمر على أنه العنف الذي لا يعرف حدوداً يتوقف عندها. مشكلة العنف عموماً أنه حين لا يأتي بنتيجة فإن التفسير الأولي هو أننا لم نستخدم القدر الكافي من العنف، لهذا فلابد من زيادة الجرعة، وهكذا كمدمن المخدرات الذي يزيد جرعة المخدر يوماً بعد يوم لأنه لم يعد يشعر باستمتاع حتى يقتله المخدر يوماً ما.

بالتالي العنف المحدد تجاه شخص بعينه، بضوابط معينة هو العنف المقبول، كل ما سوى هذا هو عنف مريض غير سوي. بالتأكيد المشهد المصري الآن هو النوع الثاني.

لا يفوتنا هنا أن نذكر أن الله سبحانه وتعالي حين تكلم عن عقاب القاتل بقوله تعالى "ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا" أتبعها مباشرة بقوله "فلا يسرف في القتل". لاحظ التعبير القرآني الذي يتكلم عن القتل مثل إنفاق الأموال بغير حساب يمنة و يسرة، إلا أنه هنا إنفاق للأرواح وليس للأموال، و كأن الله سبحانه وتعالى يعلم أن هذا من الأمور المحببة للبشر.

و في النهاية لا يفوتنا حين نتكلم عن المجتمع وتهليله للقتل والتعذيب، حين نتكلم عن تفاهة الشر، أن نذكر مقولة علي بن أبي طالب العبقرية الجامعة: "الناس ثلاثة: فعالم رباني ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم و لم يلجأوا إلى ركن وثيق".