المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبد الله السيد Headshot

"الكوليرا" شرعية الموت التي اجتاحت يَمَناً كان سعيداً

تم النشر: تم التحديث:

تتابع خديجة (50 عاماً) بحزن عميق وترقب حذر، من وراء زجاج النافذة، اثنين من أطفالها وهما يلفظان أنفاسهما الأخيرة، داخل مركز علاج الإسهال في مستشفى السبعين بصنعاء، جراء إصابتهما بالكوليرا، بينما يقوم زوجها بتجهيز إجراءات استخراج جثة طفله أحمد من المستشفى بعد أن فارق الحياة، جراء التأخر في نقله للعلاج.

مشاهد مروعة لأطفال بسن الزهور، يعيشون الرمق الأخير بصمت، في مكان يتربص الموت بالجميع.

في اليمن، حيث ينتشر أمراء الحرب (شمالاً وجنوباً)، تكاد تكون الكوليرا هي المنتصر الوحيد، سلاح فتاك، يجتاح مناطق نفوذ (سلطة الأمر الواقع بصنعاء)، ويغزو مناطق حكومة الشرعية المقيمة بالرياض، دون الحاجة إلى تصريح عبور، حاصداً أرواح المئات من اليمنيين الأبرياء بلا هوادة، معلناً سيطرته على جميع محافظات البلاد البالغة 22 محافظة، تتنازع الشرعية والانقلابيون النفوذ عليها، إنها شرعية الكوليرا التي اجتاحت اليمن الذي كان يوماً ما سعيداً.

ففي أحدث تقرير لها، قالت منظمة الصحة العالمية، بأن عدد الإصابات بالكوليرا تجاوزت 419 ألف حالة في اليمن، فيما قارب عدد الوفيات الـ2000 حالة، منذ بدء تفشي الوباء في شهر أبريل/نيسان.

وأوضحت، المنظمة في تقرير لها على موقعها بشبكة التواصل الاجتماعي، أن أمانة صنعاء والحديدة وحجة وعمران من أكثر المحافظات إصابة بالمرض.
بينما، أشار تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، إلى أن نصف المصابين بالكوليرا في اليمن هم من الأطفال، فيما وصلت نسبة الأطفال بين الوفيات إلى الربع.

الكارثة الوبائية لا تهدد حياة الأطفال فقط، بل إنها تُهدد حياة 1.1 مليون من النساء الحوامل المصابات بسوء التغذية واللاتي يحتجن إلى رعاية فورية وخدمات الصحة الإنجابية، وفقاً لبيان صندوق الأمم المتحدة للسكان في المنطقة العربية، الذي أشار إلى أن النساء الحوامل والمرضعات اللواتي يعانين من سوء التغذية هن أكثر عرضة للإصابة بالكوليرا ولخطر النزيف والتعرض للمضاعفات والموت أثناء الولادة.

منذ أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، شهد اليمن قاتلاً جديداً، يدخل أرض المعركة اليمنية، ازداد شراسة في أبريل/نيسان من العام الجاري، منتشراً في عشر محافظات، ومع نهاية يونيو/حزيران، هاجم بشراسة، مسقطاً 20 محافظة؛ لتكتمل سيطرته على جميع البلاد في يوليو/تموز الماضي.

سلطة الأمر الواقع بصنعاء (الحوثيون - صالح)، كانت السباقة في إعلان حالة الطوارئ، والاعتراف باجتياح الكوليرا لمناطق نفوذها.

ففي منتصف مايو/أيار الماضي، أعلنت وزارة الصحة التابعة لحكومة (الحوثي - صالح)، صنعاء مدينة "منكوبة" صحياً وبيئياً بعد تفشي وباء الكوليرا، موضحة أن أعداد الإصابات تتجاوز المعدلات الطبيعية وتفوق قدرة النظام الصحي فيها، الذي أصبح عاجزاً عن احتواء هذه الكارثة الصحية غير المسبوقة.

بعدها في نصف شهر فقط (يونيو)، أعلن رئيس الحكومة الشرعية أحمد عبيد بن دغر، حالة الطوارئ في القطاع الصحي بالمحافظات الجنوبية (أبين وعدن ولحج والضالع وشبوة)، بعد اكتشاف اجتياح الكوليرا لهذه المحافظات.

وضعٌ دفع المتحدث الرسمي لليونيسيف باليمن محمد الأسعدي إلى التحذير من التفشي المتسارع للوباء، معرباً عن مخاوفه من أن يخرج الوضع عن السيطرة، في ظل تدهور المنظومة الصحية في البلاد ومنظومتي شبكات المياه والصرف الصحي، واستمرار الحرب.

وزارة الصحة التابعة لحكومة صنعاء خصصت عشرة مراكز صحية بالعاصمة لاستقبال الحالات المصابة، نجدها عاجزة عن استقبال عشرات الحالات الوافدة إليها من مختلف مناطق صنعاء وبعض المحافظات الأخرى.

حالة من الرعب والخوف امتدت حتى للعاملين الصحيين الذين يعتبرون الجنود المجهولين في هذه المعركة غير المتكافئة، فهناك 30 ألف عامل بالقطاع الصحي لم يتسلموا رواتبهم منذ نحو عشرة أشهر.

قمنا بزيارة للفريق الطبي بمركز علاج الإسهال بمستشفى السبعين بصنعاء، الذي تصل فترة أوقات عمله لنحو 20 ساعة في اليوم، حيث كانت حالة الإجهاد بادية على وجوههم.

أما المرضى، فقد فاض بهم القسم، ليفترشوا الأرض في الممرات وأحواش المستشفى، وهي حالة لا تختلف كثيراً عن المستشفيات الأخرى.

ففي مستشفى يتبع القطاع الخاص وسط صنعاء، أكد لنا أمين النجار وهو أحد العاملين بقسم التمريض، أن معظم الحالات التي وصلت لم تغادر المستشفى إلا "جثثاً هامدة"، نتيجة وصولها في مراحل حرجة ومتأخرة، مشيراً إلى أن كثرة الوفيات داخل المستشفى دفعت المدير العام لعمل كاميرات مراقبة خارج المبنى، خوفاً من قيام ذوي المرضى بمداهمة المكان والاعتداء على العاملين، كما جرت العادة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.