المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالسلام السنوسي Headshot

الحمار الذي تطوَّر فصار بغلاً!

تم النشر: تم التحديث:

ينشط الكثيرون في بدايات الأعوام الجديدة في وضع أهداف وخطط لتنمية وتطوير حياتهم، وهذا شيء محمود لا شك في ذلك، إلا أنَّ البعض وهو يسعى لتطوير ذاته يسلك مسلك الحمار الذي رغب في التطوّر ليصير بغلاً!

الحمار الذي عانى من واقع أنّه يقوم بأشق الأعمال بأقل أجر، ومع ذلك لا يسلم من سخرية الناس، قرر أن يتطوَّر ويتغيَّر ولا يستسلم لواقعه، ولأنّه حمار - حفظكم الله - قرر أن يتطوّر ليصبح أكثر قوة لا أكثر ذكاء، قرر أن يكتسب المزيد من الصفات الموجودة لديه بالفعل، لا أن ينمّي صفات جديدة أو أن يكتسب مهارات مختلفة.

ولأنَّ الحمار كائن دؤوب لا يكلّ ولا يملّ من العمل، نجح في تنفيذ هدفه، وأصبح بغلاً أكبر حجماً من الحمار، وأكثر قوة، وأكثر سرعة.
فماذا كانت النتيجة؟ للأسف، لم تفلح خطة التغيير التي وضعها الحمار لنفسه في تخفيف مشقة العمل، بل على العكس اُختير ليقوم بمهامٍ أكثر صعوبة وأشدّ قسوة بنفس المقابل تقريباً.

وما زاد الطين بِلّة أنّ المواصفات الجديدة التي اكتسبها "الحمار" في عملية التطوير لفتت إليه أنظار فئات أخرى من أصحاب الأعمال، كالجيوش مثلاً التي استحدثت وحدة سمَّتها "وحدة البغال" تحمل فيها البغال الآلات العسكرية والمؤن الثقيلة في المناطق الوعرة، وفي المرتفعات الشاهقة دون مقابل بدعوى الخدمة الوطنية!

ليس هذا فحسب، فالحمار الذي صار بغلاً لم يتخلّص من سخرية الناس، وأصبح لقبه الجديد "البغل"، صيغة سباب أسوأ من "حمار"، ثم كانت الطامّة الكبرى أن الحمار بعد أن تطوّر وصار بغلاً فقد قدرته الفطرية على الإنجاب فصار عقيماً.

قد يسخر بعض منكم في داخله الآن من هذا الحمار الأحمق، لكنّ الواقع يخبرنا أن هناك مؤسسات عالمية وشركات تجارية، بل حضارات وشعوب سلكت ذات المسلك الذي سلكه الحمار.

قبل عام 2007 م كانت شركة نوكيا تهيمن على سوق الهواتف في العالم، وتقدم لعملائها كل فترة منتجات متطوّرة من حيث البنية والشكل والتصميم، وبينما نجحت "نوكيا" في تطوير هواتف متينة الصنع لم يلتفت مديروها إلى أن مسار التطور الحقيقي يقتضي ابتكار برمجيات وتطبيقات تمنح المستخدمين أبعاداً أخرى للهواتف الذكية، ومن ثمَّ ظهرت هواتف "أندرويد" و"أيفون" التي مثلت الترقية المطلوبة، والحلقة المفقودة ما بين "الرغبة" في التطوير و"ما يجب" أن يكون عليه.

إذا كنت لا تزال تسخر من "الحمار" ومن "نوكيا" فاحذر؛ لأننا جميعاً قد نقع في هذا المزلق، سواء كنّا أفراداً أو كيانات أو أصحاب مشاريع صغيرة.
فالطالب الذي يخطط لزيادة ساعات الاستذكار اليومية بدلاً من أن يفكر في تعلم "مهارات الاستذكار الفعال" يرتكب ذات الخطأ الذي وقع فيه الحمار.
وصاحب المشروع التجاري الذي يهدف إلى افتتاح أفرع جديدة لمشروعه تكلفه المزيد من الأموال وجهد الإدارة والمتابعة قبل أن يفكر في إضافة أقسام وبضائع جديدة لمتجره تجذب شريحة أكبر من العملاء مثله مثل شركة نوكيا.

والوالدان اللذان يُقصران تربية أطفالهم على الدراسة العلمية البحتة دون أن يسمحا لهم بتنمية مواهبهم واكتشاف شغفهم يقعان في نفس الخطأ.
والكيانات السياسية والشعوب والدول التي تراهن على بقاء تأثيرها في العالم على معايير قديمة عفا عليها الزمن مثل الإرث التاريخيّ، والقوّة العددية، والحضارة الموغلة في القدم، دون أن تفكر في امتلاك وسائل القوة الحديثة، سينتهي مصيرها يوماً إمّا إلى مصير الحمار الذي تطوّر فصار بغلاً، أو إلى المتاحف وصالات العرض مثل هواتف "نوكيا".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.