المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبداللطيف  Headshot

لا تحولوا رابعة إلى كربلاء

تم النشر: تم التحديث:

لم أعرف كيف أبدأ موضوعي، ولم تتملكني تلك الحيرة من قبل في اختيار المقدمة وفي ترتيب أفكاري؛ نظراً لحساسية هذا الموضوع، حساسيته لا تكمن فقط في كونه يتعلق بأحداث لم تمر مرور الضيف الخفيف الذي يعبر، بل مرت مروراً قاسياً تركت جُرحاً عميقاً تجعل كل مشارك أو شاهد لتلك الأحداث غير متقبل بصورة أو بأخرى بالحديث عنها بصورة تختلف عما يفكر هو فيه.

لست بناشط سياسي ممن دعوا إلى النزول إلى رابعة، ولا بمُفت ديني أباح دماء النازلين، ولا بلاعق نافق ليلحق بطريق كطريق موسى يُنقذه من غريق يُحيط بالشرفاء المتبقين في مشهد مضاد لقصة النجاة الشهيرة التي عرفناها منذ صغرنا، بل إنني أكتب كشاب عايش تلك الأحداث، شاب لم يتخطَّ حينها العشرين عاماً، أتت تلك الأحداث مُلقية إليه مسؤولية هاب ضخامتها، حتى ولو لم تكن تلك المسؤولية إلا خيالاً ظنه هو، إلا أن تلك التجربة كان لها بالغ الأثر على حياته وأفكاره، هذا الشاب الذي رأى الحق الذي يتصوره يُهزم والباطل الذي هتفت ضده المنصات مُخبّرة أن البشريات والرؤى تبشر بسقوطه ينتصر! هذا الذي رأى فرعون ينتصر على موسى، وليس كما أخبروه أن مرسي راجع بعد العصر، ورأيت أننا لم نصل العيد فى القصر!

حين أنظر الآن إلى تلك الأحداث بعد ثلاث سنوات من حدوثها، وأتذكر أهوالها مع اقتراب ذكراها السنوية، أمتلئ بالسخط من هؤلاء الذين أعطوا أملاً كاذباً لهؤلاء المتظاهرين وهم يعلمون أنه لا نصر سيأتي ولا يحزنون! أمتلئ بالسخط والغضب حين أتذكر تصريح السيد حمزة زوبع القائل: إننا كنا نعلم أن التظاهرات لن تُسقط الانقلاب ولكنها كانت وسيلة للتفاوض مع النظام! التعامل مع المتظاهرين كأرقام كورقة لعب مع النظام هو أمر كفيل بأن نلوم على المقتول أحياناً! لا أقصد هؤلاء الأبرياء الذين لبوا نداء التظاهر رغبة منهم فى إعلاء كلمة الحق، إنما أقصد هؤلاء الذين استخفوا بدماء الآلاف، رغبة في تحقيق مكاسب سياسية لم تُحقق حتى!

أمتلئ بالسخط عندما أرى احتفالات وأغاني ورقصات تمتلئ بها إحدى قاعات إسطنبول في ذكرى المذبحة، من الذي يرقص على دماء الشهداء؟ أهذا هو التخليد المناسب لذكراهم برأيك؟

أكتب الآن مجرد خواطر متضاربة تطيح برأسي المستشيطة، سيظنني البعض مؤيداً لذاك الطرف ويظنني الآخرون مؤيداً للطرف الآخر، وسألقي الكثير من الاتهامات ولكن هذا كله لا يهمني وأظن أن انتمائي أيضاً لا يهمك، بل ما يهمنا هو أن نعيد تقييم تجاربنا ونحكم عليها وننتقدها لنرى أسباب فشلها وكيفية عدم الوقوع فى مثلها لاحقاً؛ لذا فإنني قد ألوم المقتول، أما القاتل فلا لوم عليه بل لعنات تصبها دماء غزيرة سُفكت بغير حق!

عندما طُلب مني أن أكتب عن تجربتي الشخصية لنشرها مع اقتراب ذكرى المذبحة، رفضت، أحسست أنها أمانة أكبر من أن يحملها عاتقي، سألت الله أن يسامحني على قبولي لتلك المهمة وأنا لست بكفئاً لها، ولكنني أيضاً لم أقبل أن أكتم شهادة قد أُسأل عليها لاحقاً، أعرف مقدار الهموم التي تصيب المرء حين يقرأ عن رابعة، فهي ليست مجرد مذبحة قُتل بها الآلاف من أهلنا، بل هي شريط ذكريات أفضل أحياناً أن أنساه حتى مع معرفتي أن النسيان ليس حلاً، ولكنه على كل حال أخف حالاً من تذكر صديقي عبدالرحمن ذي البسمة الهادئة الذي قُتل في توابع الأحداث، أو من ذاك الشاب الطيب الذي فقد عينه وذاكرته أثناء الفض، أو من أستاذي الذي كان له الفضل الأكبر بعد الله عز وجل في التأثير على فكري وشخصيتي وحياتي والذي هو معتقل إلى وقت كتابتي للمقال، لا أستطيع أن أخفي عليك أن هنالك بعض الدموع التي أحببت أن تشاركني كتابتي لكلماتي تلك فقد تلحظها بسهولة من ارتباك أفكاري وعدم مساعدة قلمي لي على رسم الكلمات كما تعودت من قبل!

سألني صديقي سؤالاً أخيراً، لو عاد بك الزمن مرة أخرى إلى الوراء، هل كنت ستشارك برابعة؟ يا له من سؤال صعب! لن أكون كاذباً إذا قلت أنني لا أستطيع الإجابة عليه، أشارك مع هؤلاء الذين يتعاملون معي كمجرد رقم يزيدون به سواد التظاهرات! أم لا أشارك وأترك إخواني بدون عون نفسياً على الأقل؟! لا أدري، عليّ أولاً سؤال القادة الذين رأيتهم يهتفون على المنصات، ما كان هدفكم من المشاركة والدعوة إلى المظاهرات حقاً؟ هل كما قيل لتحقيق مكاسب في تفاوضات مع العسكر؟ أم جهل سياسي وغياب تخطيط منكم؟ حقاً ما الذي كانوا يرمون إليه من الإلقاء بكل تلك الآلاف إلى التهلكة دون أي تفكير في عواقب تلك التظاهرات؟

أتمنى أن أرى تلك الأجوبة مع اقتراب الذكرى، أتمنى أن أرى هؤلاء المسؤولين يُحاسبون على دورهم في سفك كل تلك الدماء فهم في نظري مسؤولون أيضاً عنها وإن لم يكن نصيبهم كنصيب القاتل بالطبع! أتمنى ألا أرى احتفالات فخمة بفنادق إسطنبول يتم فيها الاتجار بدماء البُسطاء، أتمنى ألا أرى دموع تمساحية، أو طقوس كربلائية يؤديها بعض الخارجين إلينا في منصات الإعلام، يا من تنادون بالإسلام لم يأمركم الإسلام فقط بالبكاء على جثث الشهداء، بل أمركم بالصبر والاستعداد للقادم وعدم الاكتفاء بالنظر إلى الباب الذي أُغلق من خلفكم، بل النظر أمامكم ومحاولة الوصول إلى تلك الأبواب المفتوحة حتى وإن كانت بعيدة! وأقولها كما قلتها سابقاً واعترض علي الكثيرون، لا تحولوا رابعة لكربلاء!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.