المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبد الغفار Headshot

فن كسر المجاديف

تم النشر: تم التحديث:

عزيزي القارئ، القليل من التخيل هو المطلوب منك في هذا المقال، ربما تريد أن تغرق في تفاصيل ستصنعها بنفسك أو أن تمر مرورًا سريعًا على الخطوط الرئيسية لتفهم الفكرة المراد إيصالها فقط، هذا يرجع إليك، المهم هو أن تتخيل كل قصة كأنها تحولت فعلًا لعمل سينمائي، فماذا سيكون رد فعلك أولًا ورد فعل الجمهور عليها ثانيًا؟

تخيل لو أن منتجًا سينمائيًا في دولة عربية ما قرر إنتاج فيلمًا ضخمًا تدور قصته حول شرطي -من دولته- يخدم في قرية متاخمة لحدود معروف عنها تكرار عمليات التهريب عبرها، وقرر هذا الشرطي بمساعدة زملائه إيقاف تلك العمليات رغم ضعف إمكانياتهم مقارنة بإمكانيات المهربين.

إلا أنهم استطاعوا في النهاية التغلب على هؤلاء المهربين رغم محاولات شرائهم بالمال، ويكون مشهد النهاية أن يقف الشرطي رافضًا تلك الرشوة قائلًا "أمن وطني أغلى من كنوز العالم"، تخيل ماذا سيكون رد فعلك بعد مشاهدة هذا الفيلم؟

لو كان من الصعب عليك تخيل المثال السابق، فدعنا نتخيل موضوعًا آخر، لو كان هناك منتج سينمائي في دولة عربية ما قرر إنتاج فيلمًا ضخمًا تدور قصته حول عميل استخباراتي ماهر، يستخدم أجهزة تكنولوجية ربما لن تسمع عنها سوى في أفلامه، لديه قدرة على هزيمة أي عميل استخباراتي آخر مهما كانت دولته أو قدرته أو تدريبه، ليثبت أمرًا واحدًا في النهاية أن مخابرات دولته لا تهزم، تخيل ماذا سيكون رد فعلك بعد مشاهدة هذا الفيلم؟

لنتخيل معًا أن منتجًا سينمائيًا في دولة عربية ما قرر إنتاج فيلم ضخم عن بطل عربي لديه قدرات خاصة، يستخدمها كشرطي للعالم، يمنع وقوع انفجار في الشرق ليطير بسرعة كبيرة إلى الغرب لينقذ طفلًا من الغرق، ويقضي عمره محافظًا على السلام بين الشرق والغرب، ماذا سيكون رد فعلك عند عرض الفيلم؟

ولنتمادى في خيالنا، ونتخيل نفس المنتج السينمائي وقد قرر إنتاج فيلمًا ضخمًا عن القوات المسلحة لدولة عربية ما، وقد صورهم الفيلم وهم يتواجدون في دول أخرى بدافع الحفاظ على السلام والأمن، وكل أملهم أن يعيش العالم في أمان وسلام بفضل تضحياتهم..

وفي أثناء الفيلم تحدث مشكلة داخلية بين أهل الدولة التي يخدم فيها هؤلاء الجنود ومجموعة من المخربين، فيقرر أفراد فرقة ما من فرق هذا الجيش، أن يخاطروا بحياتهم من أجل إنقاذ مجموعة من المدنيين المسالمين بدافع إنساني رغم قدرتهم على الخروج بسلام، ويستطيعون في نهاية الفيلم أن ينقذوا هؤلاء المدنيين ويستطيعون القضاء على كل هؤلاء المخربين، تخيل في نهاية مشاهدتك لهذا العمل ماذا سيكون رد فعلك عليه؟

الآن انتهى وقت الخيال فشكرًا على مجهوداتكم، وربما يجب هنا أن أشير إلى أن أي تشابه بين كل القصص التي ذكرتها في الأعلى وبين أي فيلم قد شاهدته من قبل على قناة "MBC 2"، هو تشابه مقصود ومتعمد تمامًا، بل إن أي عملية تخيُّل تقوم خلالها بتحويل أي فيلم أجنبي إلى فيلم عربي هى محاولة مرغوبة ومطلوبة، المهم أن تقارن بين رد فعلك في الحالتين.

ولو حاولنا أن نقيس الاختلاف بين ردود الأفعال تجاه النسختين العربية والأجنبية، لوجدنا أن أغلب -إن لم يكن كل المشاهدين- أكثر تقبلًا للفكرة الأجنبية عن الفكرة العربية، وربما راودتهم العديد من الأفكار عن النسخ العربية بصورة لم تتواجد مع النسخ الأجنبية منها.

فمثلًا نحن نشعر بالانبهار تجاه الجندي أو البطل الأجنبي الخارق للعادة ولكننا في نفس الوقت قد نعتبر نفس الفيلم محاولة "تطبيل" من المنتج لجهاز بعينه، وهذا التباين في المشاعر نجده يتكرر في الأفلام التي ذكرتها في الأعلى أو التي ستقوم بتخيلها منفردًا.

إلا أن هذا التباين لا يتوقف عند حدود السينما -وإن عمدت إلى أن أبدأ بها المقال لأن اختلافاتنا المُرَّة لم تصل إليها بعد- فمواقفنا تتباين بناء على الموقع الجغرافي للحدث، فالحدث داخل حدود عالمنا العربي يتطلب تعاملًا يختلف عن الحدث هناك في دول العالم المتقدم، فنحن نبارك هناك ما لا نباركه هنا، ونتقبل من هناك ما لا يمكن تقبله من هنا، ونصنع هناك المجاديف ليخرجوا إلى النور بينما نكسر مجاديفنا لنظل في الظلام.

فلو تناولنا الأعمال الإرهابية التي تضرب العالم الآن، فسنجد أن كأس الإرهاب الذي شربت منه باريس كان لا يزال طعمه المر في حلق بيروت، كما أن كل تلك الأعمال تتم نتيجة وجود قصور أمني ومخابراتي بصورة أو بأخرى، إلا أننا نوافق على الإجراءات الاستثنائية في دول بعينها ونرفضها في دولنا، وكأننا نصنع مجاديف سفينة الأمان لهم ليعيشوا في أمن وسلام، ونكسر مجاديف أمننا وسلامتنا لنغرق في بحر من الخوف والرعب.

لو تناولنا كذلك المواقف السياسية والاقتصادية للدول، ستجد أن خطط السياسيين في الشرق على مدار التاريخ تؤثر على الغرب والعكس صحيح، كما أن الأزمة الاقتصادية حين ضربت العالم لم تفرق بين شرق وغرب، فكما ضربت الأزمة "وول ستريت" في أمريكا، ضربت أيضًا "بورصة دبي" في الإمارات.

إلا أن ردود أفعالنا تجاه تلك الأحداث وغيرها تكرر نفس الخطأ، وكأن عقدة الخواجة التي لازمتنا لأجيال وأجيال ما زالت تعيش معنا ونعيش فيها، فنرى دائمًا الخواجة على حق، ونحن على باطل، على الرغم من أن الخواجة قد يكون على حق ونحن أيضًا على حق، ما المانع؟

وهنا لابد أن أشير إلى نقطة مهمة، وهي أن هذا المقال لا يهدف إلى أن نكسر مجاديفهم ونصنع لسفننا مجاديفَ تصل بنا إلى بر الأمان، أو أن نرفض محاولة دول بعينها تأمين مواطنيها بكل الطرق المتاحة ونبيح ذلك لأنفسنا، ولا حتى أن ندخل في نقاش بلا فائدة كالذي اجتاح صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي عقب أحداث باريس.

فليس المطلوب أن ننتقل من النقيض إلى النقيض، ولكن المطلوب هو أن ندرك أننا جميعًا في مركب واحدة، وإن اختلفت أدوار تواجدنا فيها، فوجود مجاديف في جزء من السفينة وغيابه عن جزء آخر لا يعني بالضرورة أن جزء من السفينة سينجو ويغرق الباقي، الكل سيغرق.

كما أن إتقاننا لفن كسر المجاديف في كل مظاهر حياتنا العامة والشخصية، لن يؤثر إلا علينا بالدرجة الأولى، فلم يتعلم أحد المشي بصورة طبيعية في يومه الأول، وجلد الذات له حدود، نحن قد تخطيناها بمراحل ومراحل حتى وصلنا إلى مرحلة قتل الذات، سواء كان ذلك بدافع فرط الحب أو بدوافع أخرى خبيثه كانت أو طيبة، إلا أن ذلك خطأ لا بد من التخلص منه عاجلًا وليس آجلًا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.