المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد شعيب Headshot

رحلة إلى اللاجئين الروهينغانيين بالمستشفى الحكومي في كوكس بازار

تم النشر: تم التحديث:

كنا نعتقد أن ما لمسناه ورأيناه في اليوم الأول بمخيمات اللاجئين، من الويلات التي ذاقها اللاجئون الروهينغانيون، هو أسوأ مَشاهد رأيناها في المخيمات. لكن في اليوم الثاني من رحلتنا رأينا المَشاهد الأسوأ من اليوم الأول؛ عندما توجهنا إلى المستشفى الحكومي في كوكس بازار الذي يعالَج فيها اللاجئون، حيث يستضيف مَن كتبَ الله له النجاةَ من القتل، ومن ابتلاع البحر، وافتراس وحوش الغابات ودهس الأفيال، خلال رحلة الموت والهرب من ميانمار إلى بنغلاديش.

يتكون المستشفى من 5 طوابق، في كل طابق مجموعة من العنابر، بعضها مخصص لتقديم الخدمة العلاجية لصالح الفارين من جحيم البوذيين الذين تجردوا عن كل معاني الإنسانية. دخلنا أحد عنابر الروهينغا، فظهر أمامنا مدى حجم المعاناة والكارثة التى تحيط باللاجئين، ففي كل خطوة داخل العنبر حكاية مختلفة تعكس مأساة، وعلى كل سرير يرقد طفل صغير أو سيدة مسنّة أو رجل أجرى عملية، إجمالاً: "الوجع يحيط بك فى كل مكان".

بمجرد دخول المستشفى، شممنا رائحة كريهة جداً تفوق ما شممناه في مخيمات اللاجئين، وهو أمر طبيعي، وشاهدنا العشرات من اللاجئين المكتظين، ممن يفترش أغلبيتهم الأرض، فالمستشفى ذو إمكانات بسيطة جداً.

توجهنا في البداية إلى المرضى الروهينغا، حيث اقتربت من إحدى السيدات، كانت تبلغ من العمر 40 عاماً، لكن شكلها يوحي بأنها تخطت الستين، سألتها عن حالها وكيف جاءت إلى بنغلاديش، فقصت علينا قصتها، استمعنا منها إلى حكايتها، فقالت: "قريتي تم حرقها وإبادة أهلها بالكامل.. كنا نعيش في منازلنا دون إهانة، وكان زوجي يملك أكثر من 100 بقرة و100 جاموسة، وكان يطعم الناس ويساعد المحتاجين، والآن نجلس لكي ننتظر رغيف خبز من أي شخص!"، مضيفة وهي تبكي ويدها موضوعة في جبيرة: "هل يجوز لي أن أتمنى الموت؛ فأنا أشعر بمذلة كبيرة؟".

بجوارها ترقد سيدة يصل عمرها إلى 80 عاماً تقريباً، وبجانبها شاب في الثلاثينيات من عمره، والذي تحدثت إليه فقال: "سرت على قدمي 10 أيام حاملاً أمي على ظهري في سلة مثبتة على عمود من خشب الخيزران، وبجوارى زوجتي حاملة ابني؛ للهروب من الجحيم، بعد أن أبادوا القرية كلها".

بجوارهم يرقد 3 أطفال على 3 سرائر، يتشابهون في الملامح والمأساة، ويقول أحدهم: "عمرى 11 عاماً، وعندما حاولت الهرب والإمساك بيد أمي ضربني أحد الجنود على رجلي بالعصا وكسرها، فحملتني أمي وهي لا تستطيع المشي حتى وصلنا إلى هنا منذ 15 يوماً".

بطل سار على قدميه 10 أيام حاملاً أمه وسيدة! وفيل دهس عائلة آخر في أثناء الهرب!

وأضاف طفل آخر يبلغ 12 عاماً: "أوقفني الجنود ومعي مجموعة أخرى من الأطفال وسحلونا واعتدوا علينا بالضرب، حتى فقدنا الوعي، وبعد إفاقتي عرفت أن الكثير من أصدقائي ماتوا وحُرقوا، واستطعت الهرب من هناك بمساعدة رجل هرب أيضا إلى بنغلاديش، والآن أنا هنا بسبب إصابتي بكسور في القدم واليد".

انتقلنا إلى غرفة أخرى، فوجدت فيها طفلاً لفت نظري، عيناه حمراوان بشدة، فسألت عنه وعرفت أن عائلته جميعها دهسها فيل أثناء هروبهم من أراكان، ما عدا والدته التي استطاعت النجاة، وتقول عن تلك الواقعة: "في أثناء هروبنا بالغابات والجبال هاجمتنا الأفيال، فمات أحد أبنائي، وأصبت أنا بكسور خطيرة في ظهري لحماية ابني الموجود بالمستشفى هنا".

تركت تلك المأساة للانتقال إلى حالة أخرى على الأرض، وبجواره سيدة تحمل طفلاً، اقتربت منه فكشف لي عن جسده فظهر جرحه الذى يبدو بشعاً للغاية، أما قصته فيقول عنها: "أطلقوا علينا الرصاص كالمطر وأصبت في كتفي وفي رجلي".

وعندما اقترب موعدنا للخروج توجهنا إلى المسؤول عن ملف الروهينغا في المستشفى، ويدعى الدكتور شاهين عبد الرحمن، الذي بدأ حديثه عن أوضاع المرضى قائلاً: "بعد بداية الأزمة الإنسانية الأخيرة في ميانمار، جاءت مجموعة كبيرة من المصابين الروهينغا إلى المستشفى، حتى تجاوزت المسموح به، فتم التعامل مع جميع الحالات، ونقل بعضها إلى مستشفى حكومي آخر قريب من هنا".

وشدد على أن الحكومة البنغالية تسعى إلى توفير الرعاية الطبية للمصابين كافة حسب الإمكانات المتاحة، مضيفاً: "بحسب إحصائية عن عدد المرضى الذين يتلقون العلاج في المستشفى، فإن عددهم يصل إلى 400 مريض، ما بين نساء وأطفال وشباب ومسنّين، وإن كان أكثر من نصفهم -وتحديداً 250- من الأطفال".

وتابع: "إلى جانب المرضى الموجودين في المستشفى لخطورة حالاتهم، يوجد مرضى آخرون يأتون يوميا إلى هنا، ويتراوح عددهم ما بين 100 و150 تقريباً، يأخذون العلاج ويذهبون إلى ثكناتهم في المخيمات".

وأشار إلى أنه نظراً إلى زيادة الأعداد، قدم طلباً للحكومة بإنشاء "مخيم طبي"؛ لتغطية جميع احتياجات الحالات من فحوصات وأدوية، لافتاً إلى أنه لا يزال ينتظر الرد من المسؤولين؛ للبدء بإقامة هذا المخيم المجهز، وهو ما يجعل إدارة المستشفى تستقبل الإعانات والإمدادات من الجمعيات والمؤسسات الخيرية في مختلف دول العالم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.