المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد الصنهاوي Headshot

وجاءت كل نفس معها "صاعق وشهيد"

تم النشر: تم التحديث:

- ثورة.. وانقلاب.. وغربتان، لا يبدو في الأفق فكاك من الغربة الأحدث منهما، وشطر عمر ولَّى، عندما أنظر بعدها لعلاقتي بالزمن وحسابات الربح والخسارة في تجاربه أجدني لم أبرح كثيراً نمط ذلك الطفل الذي كنته، يظل واحداً من عناصر تعاملي مع الزمن والتجربة هو "إحصاء ما تبقى".. من طفل ذي خمس سنوات يحصي ما تبقى من ساعات يوم الإجازة الأسبوعي قبل عودته لأسبوع الدراسة أو الكُتَّاب، إلى طالب يصرف جزءاً من وقت استذكاره في حساب عدد الصفحات المتبقية، وحساب ما تستغرقه كل صفحة للاستذكار، إلى رجل يحسب الآن ما تبقى لديه بعد تجربة الانقلاب من أيام ومن ناس .. ومن إيمان.

الآن بعد كل هذا الجهد والعنت أحسب أنه لم يبق لي إلا شيء واحد يعدل كل أرباحي وخسائري، وسأحرص جاهداً على الاحتفاظ به!

********

بلسان أعجمي يجاهد لتخليص حروف العربية من اشتباكها في حلقه، يقرأ التركي إمام مسجد المنطقة التي أسكن بها "وجاءت كل نفسٍ معها صاعق وشهيد".. بحرف متردد بين الهمزة المحققة والعين، بل هي أقرب لتحقيق العين، قراءة قد تصدم أذن عربي اللسان مثلي، لكن خلفها قصة ما تبقى لدى الأتراك من أطلال سلطان كان الإسلام والعربية من عناوينه الكبرى.. يطرب شيخي لقراءة الأتراك بكل أخطائها حتى لكأني به يطرب لأخطائهم لذاتها - وهو معلم القرآن المتقن- ويعقب دوماً بجملته الاعتذارية المحملة بالعاطفة تجاه الأتراك "دول أعاجم يا عم محمد.. كتر خيرهم والله علي قلبي زي العسل".

بعد تجربة قاسية وممتدة بعمر الجمهورية التركية، كانت السياسة والاجتماع والدين ميادين فسيحة شهدتها.. وكانت دبابات الجنرالات رعاة دائمين لها حتى عهد ليس ببعيد حاولت الدبابات بعثه في 15 يوليو/تموز من العام الماضي.. اجتهد الكثيرون من الأتراك أن يكون الله من سيتبقى معهم في النهاية، صفقة لم تكن سهلة، ودفع الكثيرون ثمنها، ربما لو كنت عجوزاً تركياً لخضت ودونت تجربة ذاتية عن الله الذي اجتهدت لاستبقاء صحبته باذلاً في ذلك صعوبة نطق الحرف العربي حيناً، أو حتى باذلاً الحياة ذاتها لحبل المشنقة في حين آخر.

*******

47 شهراً تقريباً انقضت منذ فضّ اعتصام رابعة في 14 أغسطس/آب 2013.. هذا الحدث الذي لا أملك فكاكاً منه ومن كونه نقطة تأريخ فاصلة في عمر من عاصره وعايش أحداثه.

تلته مذابح وأيام مقتلة ودم، في مصر والشام وغيرهما، كانت تجارب من شهدها مختلفة، ومشاعرهم متباينة، ونصيبهم من الجراحات غير متساوٍ، لكن كان العجز واحداً من المشتركات العظمى بين كل من عاصر هذه الأحداث، وما زال يعاصرها أو ينتظر فصولها القادمة.. العجز عن استنقاذ نفسه من القتل، أو الاعتقال، أو التعذيب، أو العجز عن حماية أهله من رصاصة أو برميل متفجر، والعجز عن إنفاذ ثأر أو رد حزن عن قلوب الأمهات والأطفال والزوجات.

عجز إن كان يرمي النساء بالحزن القاتل، فإنه يقصف الرجال بالقهر المستعاذ منه، قهر متجدد يومي يحرص عليه عدو لا يرقب في مؤمن إلًّا ولا ذمة، ولا ينسي ثأره مع من حاولوا استنقاذ رقاب العباد من بطشه فقرر -إذ دارت له الدائرة- أن يقطع أوردتهم بكل ما أوتي من ظُفر، وأن يفقدهم إيمانهم بالثورة بكل ما أوتي من كُفر.

وبينما "العنكبوت فوق أعناق الرجال تنسج الردى"، فإن مواجهتهم اليومية المكرورة مع سؤال "كيف تنظر في عيني امرأة أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟ كيف تصبح فارسها في الغرام؟" أورثت الكثيرين منا العجز عن الإجابة، فقرروا أن يغادروا الاختبار كله إلى مساحة السخط البالغ تجاه الإله الذي وعدهم نصراً لم يشهدوه، وحدثهم عن قدرة وانتقام لم يروا آثارهما العاجلة حين انتظروها لترد عنهم الرصاص أو تستر عورات بناتهم حين تعرت في المعتقلات، ولم تستجب دعاءهم المضطر حين صرخوا بهلاك قاتلهم وذهاب ملكه، ومجيء الحق وزهوق الباطل، وهو الذي أخبرهم -أو قيل لهم إنه أخبر- أنه يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.

بعد ما مضى من فصول هذه التجربة أنظر لكل ما فقدته وما تركته خلفي من العمر والناس والأحلام والأوطان وساكنيها أحياء وأمواتاً، وإذ أجد جرابي خاوياً من الكثير، وألمح ما تساقط مني من كل غالٍ فقدته، فإني أوقن بربحي الأعظم الذي يمنحني القدرة على مواصلة الحياة حتى الآن، وهو أنني ما زلت أؤمن بالله وقدرته وقهره فوق عباده، وما زلت أوقن بيوم آخر يتجلى الله فيه بالعدل ليشفي صدورنا، وينتصر لكل مظلوم من ظالمه، بعد كل ما اقترفته من جبن لا أجد شجاعتي في التمرد على الله ومحاكمته إلى مأساتي الخاصة، بل أجد الشجاعة التي هي في حقيقتها نعمة الله التي لم أكتسبها إلا بفضله المطلق أني ما زلت أحتفظ بالله في قلبي، وإن جاورته لذة عابرة بمعصيته، فإن رجائي أنه لا يغلب كفة الله أحد ولا يجور عليه جائر.

******

كلما طالعت أو سمعت عن فتنة أحدهم تضاءلت عندي فتنتي الشخصية، وسألت الله بقلبي -وإن كسل لساني- ألا يدخلني تجربة أخرج منها منفرداً قد أسلمني الله إلى غيره.
عندما أشاهد صور شباب نضرين اعتقلوهم فساموهم الخسف والعذاب البدني والنفسي وهددوهم باغتصابهم أو انتهاك أعراض نسائهم حتى يقهروهم لتسجيل فيديو تجيء فيه كل نفس منهم معها "صاعق وشهيد"؛ لتشهد بجريمة ملفقة تقودهم إلى المشنقة، فيستنقذون أعراض أهليهم برقابهم.. ربما فقدوا الكثير من مقومات حياتهم المادية، من الأمن، والراحة والبيت والأهل وحب الوطن، فقدوا حياتهم كاملة في تجليها المعنوي، وربما فقدوا حياتهم في تجليها المادي عما قريب.. لكنهم إن استبقوا الله في نهاية المطاف فذلك والله هو الفوز العظيم.

وهو الذي أتمنى أن يستبقيه مسلمٌ إيغوري تركستاني هبط مصر يحسب أن له فيها ما سأله من الأمن والفرار بدينه، طالباً العلم والملجأ في بلد الأزهر، فإذا بها تسلمه للفتنة في الدين والنفس بعد أن روعته وروعت أهله اقتحاماً واعتقالاً، فأثابته كفله بالقسط كما تمنح أهلها القهر والخوف.. هذا الذي لا يعلم مصيره إلا الله إن رُدَّ إلى الأرض التي هرب منها طلباً للأمن، ولا يعلم إلا الله أي فتنة سيصلاها وأي صبر سيرزقه ليحتمل، وأي غالٍ سيفقده ليستنقذ ما بقي في رصيده من الغالين.. أتمنى أن يجد الله عنده بعد حساب ما مضى وما بقي إن كانت ستتاح له الفرصة للإحصاء والعد!

******

أعلم أن العمر إن امتد بي فإن فيه من التجارب ما سيخفض ويرفع، وينسيني بعضها بعضاً، ويمنحني ويسلب مني، وسأغير أفكاراً ومواقف كما يتغير وجهي بالشيب والتغضن، وسأستبدل أماكن وبشراً يضيقون بي أو أضيق بهم كما أستبدل مقاسات ملابسي، لكن كل ما أرجوه بعد سنوات من الربح والخسارة أني إذا أقبلت على الله في الموعد الذي قدره، أنظر إلى رصيدي فأجد الله فيه لم أتخلّ عنه سخطاً ولم يتخلّ عني خذلاناً!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.