المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد الصنهاوي Headshot

تحيا جمهورية الخليل كوميدي العربية المتحدة

تم النشر: تم التحديث:

بابتسامة واثقة، وطاقة ثقة بالنفس غير محدودة، وإيمان حقيقي بجودة وأهمية ما يقدمه ربما لا يخلو من مشاعر رسالية وقيمية، يلقي "الخليل كوميدي" نكتته -أو ما يحاول أن يكون نكتة- ثم يختمها بالجملة الشهيرة "تن ترارارن تن تن" التي كانت لازمة موسيقية تُعزف خلف الأب الروحي للمنكتين المصريين؛ المونولوجست الثمانيناتي الشهير "حمادة سلطان"، وصارت لازمة جديدة منطوقة لا معزوفة وربما أوسع انتشاراً من الأصلية بقوة آلة السوشيال ميديا.

لم أكن لأصدق أنني سأرتبط، بأي شكل، بـ"الخليل كوميدي"؛ إذ يطل علينا بين الحين والآخر في فيديو رديء الجودة، ليلقي نكتة سخيفة أو مونولوجاً بالغ السوء، أو أداءات جسدية وصوتية لا يمكن توصيفها.

في البداية، استهجنه الكثيرون وما زالوا، لكن حتى هذه اللحظة صار "الخليل كوميدي" واقعاً لا يمكن إنكار أن الكثيرين ينتظرون جديده ليسخروا منه، أو أنهم اعتادوا وجود هذا الشكل من العروض في حياتهم الافتراضية اليومية دون أن يشعروا، وربما كنتُ منهم.

لا أذكر متى بدأ أحمد حسن خليل، المشتهر باسم "الخليل كوميدي"، تحديداً في تقديم عروضه، لكنه في فترة ما بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011 كجزء من حالة تفجر السوشيال ميديا المصرية بمنتجات الفيديو التي كانت بديلاً ضرورياً لجيل كامل احتكرته شاشة التلفزيون دون أفكاره وأصواته، قبل أن تتحول هذه الحالة من إنتاج الفيديو الجماهيري إلى التلفزيون مرة أخرى في نهايات 2013 وما بعدها، أو يتجه الكثير منها إلى الفيديو الكوميدي والاجتماعي لبناء شهرة تفتح باب عروض تلفزيونية أو سينمائية، أو تدر أرباحاً عبر يوتيوب وغيره.

كانت هذه المنتجات والأفكار تتراوح بطبيعة الحال بين الجيد والرديء، وكانت السجالات حول قبولها -وما تزال- تحكمها قاعدة "لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع" التي تتمتع بقدر كبير من الصحة، إلا أن تجارب محددة أخذت هذه القاعدة إلى شكلها الأسوأ من تقبّل بعض الأذواق منتجات بادية السوء والسخف، لكن انتشارها ظل متشبثاً -ولو بخيط رفيع- بأهداب تلك القاعدة الصحيحة الحزينة "لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع"، حتى أتى "الخليل كوميدي" يقود تياراً غير منظم يشاركه فيه آخرون لينسف هذه القاعدة نسفاً فيذرها قاعاً صفصفاً!

كانت منتجات "الخليل كوميدي" وما تزال -وستظل على الأغلب- بادية السوء، ظاهرة السخف، ثقيلة الظل؛ بل عصية على التوصيف والتصنيف، أزعم أنه لن يمكنك إيجاد اثنين عاقلين يختلفان حول هذا، فهي قد أفلتت بجدارة من فخ اختلاف الأذواق الذي يقي كل سلعة من البوار، ويوفر لكل "فولة" كيالَها، لكن على المقابل لا يمكن أن تنكر أن الكثيرين أصبحوا ينتظرون ما يقدمه لأي سبب منطقي أو غير منطقي، أمين أم مخادع، لكنهم يثيبونه الانتظار وهذا هو المطلوب. تحت ضغط التكرار والإصرار، يمر هذا المنتج وسيمر، كما تمر كل فكرة أخرى تحت ضغط التكرار الذي ربما لا تختلف محصلته النهائية سواء نُفذ التكرار بحرفة، أو نُفذ في شكله الأولي الخشن خالياً من أي محسنات.

أعترف بأنني أنتظر جديد "الخليل كوميدي" لمشاركته؛ رغبة في التعبير عن واقع بائس لجيل مسّه الحلم مرة ومسَّ هو الحلم حتى انفلت من بين أصابعه؛ أو رغبة في التعبير عن أجواء تجربة شخصية أو جماعية وزّعَت خائضيها بين السجون والمنافي ومقاهي الانتظار، أو حتى رغبة في التعبير عن عدم الرغبة! وضعٌ عام فيه من السخافة قسط غير بسيط، يليق بـ"الخليل كوميدي" ويليق به "الخليل كوميدي".

المهم أن قوة تكرار هذا "الخليل كوميدي" أوقعتني في فخاخ التعلق به بشكل من الأشكال، وإن كنت أحاول فلسفة هذا على أنه ليس تعلق اقتناع أو ترحيب، فهو تعلق بالنهاية صنعته قوة التكرار، وما لا يستساغ اليوم قد يستساغ غداً. قوة تكرار صنعت نظرية مؤثرة في انتشار الأفكار والمنتجات يمكن تسميتها بنظرية الـ"تن ترارارن.. تن تن"، وتنص على: "إذا أضفت التكرار الصبور إلى أي منتج مهما بلغ سوؤه، فإن قوة الـ(تن ترارارن تن تن) ستعمل على تمرير المنتَج -الفكرة- الشخص واعتياده ليصبح له جمهور ومريدون".



"- انت شيطان!
- الناس همَا اللي مغفلين وفي شهوتهم غرقانين".

إذا أسعفتك ذاكرتك السينمائية فستتذكر الجملة التي شكلت جزءاً من واحد من أكثر سيناريوهات الأفلام المصرية متعة ونجاحاً ومقدرة على تفكيك الظواهر الاجتماعية وتقديمها في ثوب فني مميز; فيلم "الكيف" للراحل محمود عبد العزيز مع يحيى الفخراني وجميل راتب.

قدم محمود أبو زيد واحداً من أفضل سيناريوهات السينما المصرية وأكثرها رشاقة وعمقاً، في خلطة من الكوميديا والفلسفة والمقدرة البسيطة على التفسير، كان محمود أبو زيد في هذا المشهد يتحدث على لسان طرفي المشهد عن قوة التكرار وقدرته على توريث الاعتياد وترويض الجماهير-الزبائن لتقبّل أسوأ المنتجات وأكثرها رداءة وامتهاناً لإنسانيتهم؛ بل وتجاوز عتبة اعتيادها إلى حبها، ثم إلى الدفاع عنها في النهاية إذا قرر أحدٌ أن يحرمهم منها ويمنحهم المنتج -الفكرة- الحياة الأكثر جودة واحتراماً!

الحوار بين "البهظ - جميل راتب" تاجر المخدرات "السيكوباتي" و"يحيى الفخراني - الدكتور صلاح" الكيميائي الذي يراوده البهظ ليعرف سر خلطة التركيبة الشبيهة بمخدر الحشيش التي صنعها صلاح، ومحاولة البهظ الدؤوبة لتفكيك اعتراضات صلاح الأخلاقية ومحاولة فلسفة الشر والضرر، أو تقديم السيئ من المنتجات-الأفكار ونقل الكرة إلى ملعب الجماهير-الزبائن الذين يقتاتون على الاعتياد الذي يُحدثه التكرار حتى إنهم يرفضون بأيديهم الجيد من المنتجات ويحاربونه ويطالبون بعودة السيئ الذي اعتادوه وألفوه.

كان البهظ يخلط الشاي بنشارة الخشب ليضاعف ربحه، وكان الناس "هما اللي مغفلين ولا انت والغشاشين اللي زيك اللي فسدتوا ذوقهم؟!.. عوّدتوهم على الوحش لغاية ما نسيوا طعم الحلو".

هل انتشار الأفكار - المنتجات الرديئة مسؤولية صانعيها أم مسؤولية مستقبليها؟ أم مسؤوليتهما المشتركة؟ سؤال ستختلف الإجابات المتعلقة به، لكن قوة الـ"تن ترارارن.. تن تن" ستكون حاضرة في كل الإجابات.

نظرية الـ"تن تراران تن تن" ليست نظرية جديدة على العالم، وعلى الوطن العربي بشكل خاص، من السياسة إلى الاجتماع والاقتصاد والعسكرية، وما يحيط بهم ويضمهم من الإعلام والتربية، ولم ينجُ منها اتجاه فكري أو سياسي، أو طبقة اجتماعية، ويبدو أنها ظاهرة جماهيرية لازمة، فحيثما وُجدت الجماهير مهما كانت درجة ثقافتها أو تعليمها أو مستواها الاقتصادي، فثَمّ "تن ترارارن تن تن" تتجلى، وإن اختلفت تجلياتها من "تن ترارارن تن تن" في صورة قناة ملاحية تتكلف ملايين الجنيهات دون ربح حقيقي إلا الديون، أو جهاز يعالج فيروسات سي والإيدز فيحولها إلى أصابع من الكفتة، أو وعود أن تصير بلدٌ ما "قد الدنيا" وهي تقترض بالليل ما تنفقه على ميزانية المؤسسات الأمنية بالنهار، إلى "تن ترارارن تن تن" في هيئة أنظمة تبشر بجنان الديمقراطية والحريات وهي تصبِح شعوبها بالبراميل المتفجرة، وتمسِيهم بحروب مجانية لقتال من كانت تدعمهم بالأمس ليتوسعوا حتى خرجوا عن الطوق.

من "تن ترارارن تن تن" قنوات أنظمة تقنعك بأن كل شعوب ودول الكون حتى الأجنّة في بطون أمهاتها والحيتان في البحر تتآمر حسداً وضغينةً ضد دولة تقبع في أعلى معدلات الفقر وأدنى معدلات التعليم، إلى "تن ترارارن تن تن" على شكل شاشات تيارات معارضة تدبّج مقدمات نارية لا مقطوعة ولا ممنوعة وهي لم تقوَ يوماً على دفع النار عن صدور من تدفعهم إلى كل مقتلة مجانية أو لا تصل أثمانها إلى آلاف الدولارات التي تستهلكها المقدمات النارية-التاريخية.

ومن "تن ترارارن تن تن" فن الغثاء الدولتيين في "تسلم الأيادي" و"احنا شعب وانتو شعب"، إلى "تن ترارارن تن تن" زَبَد فن الإسلاميين في أغنيات وأناشيد وبرامج كوميدية فيها من الأيديولوجيا والدوغما أضعاف ما فيها من عناصر الصنعة الفنية.

فلكل فريق من أطراف معادلة واقعنا العربي - الإسلامي البائس "تن ترارارن تن تنُ"ـه الخاص به، وما "تن ترارارن تن تنُ" هؤلاء من "تن ترارارن تن تنِ" أولئك بأمثل!

***********
تن ترارارن تن تن!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.