المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد الصنهاوي Headshot

صديقي الذي قطعوا لسانه فردّه الله إليه

تم النشر: تم التحديث:

لا أزعم أني قد نجحت في فهم نفسي إلى الآن وأنا على أعتاب الثانية والثلاثين - وإن كنت لم أتصور يوماً أن يقترن اسمي بهذا الرقم، لكني أعرف على الأقل أن للحكاية والأسطورة جزءاً كبيراً من تكوين تلك النفس عبر هذه السنوات، منذ أن كانت أمي تغريني بالنوم على وقع أقدام "أمنا الغولة" وحكاياتها المختلفة، والعنزات الثلاث وسيناريو تحايل الذئب عليهن ثم تحايلهن عليه، وحكايات وأساطير أخرى ملأت فضاء طفولتي وشكلت لبنات معاني الخير والشر ودراما صراعهما الأزلي الأبدي.

كانت أمي تحرص دائماً على النهايات الكلاسيكية التي ينتصر فيها الخير، ربما كما علمتها أمها، وتركت للحياة مهمة إخباري بالحقيقة الصلبة لاحقاً، حتى حكايات وأساطير الدولة المصرية التي نشأت وتربيت فيها؛ بدءاً من حضارة الـ7 آلاف سنة، وليس انتهاءً بانتصار الجنيه على الدولار في معركة السوشيال ميديا المصرية مساء الأربعاء الماضي.

بعض هذه الأساطير اكتشفتُ حقيقتها، لكني لم أشعر تجاهها بالعداوة الناجمة عن ذكريات الحماقة، وضيق العقل الذي انطلت عليه هذه الخدع الساذجة، واحتفظت بذكراها الطيبة وفاءً لأيامٍ تلقيتها فيها، أو أشخاص تلقيتها منهم، وبعضها اكتشفت حقيقته فأصبحت لا أحمل له إلا عاطفة الضحك كلما مر بذاكرتي، وبعضها ما زلت أنتظر اكتشاف حقيقته بعد أساطير كثيرة هدمتْها لنا حوادث السنين الخمس الأخيرة.

في طفولتي أثناء المرحلة الابتدائية، تعرفت على الإخوان المسلمين بمصر، في عام 1995 أو ما حولها، وإن كنت لم أنتظم في الحركة إلا بعد سنوات في المرحلة الثانوية، وكنت قد رُزقت صوتاً حسناً أستخدمه في قراءة القرآن كما تقتضي ظروف طفل قروي أزهري، وفي الغناء حيناً كما تقضي ظروف طفل عاصر أوج تألق تترات المسلسلات المصرية في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، وعاصر انتشار الكاسيت الأوسع قبل انحساره لاحقاً، وبالجملة كما تقضي طباع أب يحب الشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ عبد الباسط عبد الصمد، كما يحب أم كلثوم وسيد مكاوي.

كان هذا الصوت الحسن واحداً من مداخل توثيق علاقتي مع الإخوان المسلمين؛ إذ القاعدة تقول: "أظهر الاهتمام للشخص بما يحبه ليرتبط بك وبالدعوة"، كما تنص كتب الدعوة الفردية عند الإخوان، وكما اعتاد الإسلاميون عموماً التأصيل له من القرآن والسنة في هذا الأمر وفي أمور أخرى. ومن هنا بدأت، قصتي مع صديقي العزيز الذي قطعوا لسانه ثم رده الله إليه بمعجزة هزتني!

كان الإخوان حريصين على تغذيتي برصيد من الأناشيد الإسلامية، ما بين التراثي منها والجديد الذي كان يصدر في تلك الفترة من التسعينات وبدايات الألفية الجديدة، وكان للمنشدين والفرق الشامية نصيب الأسد في هذا المضمار، فهم الأكثر صنعة والأوفر إنتاجاً والأقدم خبرة ورصيداً، ومن بينهم تعرفت على صديقي الذي قطعوا لسانه: "أبو مازن".

"أبو مازن" منشد سوري، اسمه الحقيقي "رضوان خليل عنان"، كما عرفت لاحقاً وتفاصيل أخرى عن حياته في كتاب أصدره أكرم رضا في عام 2003 تقريباً، وهو أبو تجربة النشيد الإسلامي إنشاداً وتلحيناً وانتشاراً، بحيث يمكن اعتباره بوجه من الوجوه "سيد درويش النشيد الإسلامي"، مع فارق الصنعة والموهبة والتخصص، لصالح سيد درويش بالطبع.

تجربة أبو مازن القصيرة في عمرها، الممتدة في أثرها في وجدان كل إسلاميي المنطقة تقريباً، بدأت وانتهت في 3 سنوات فقط! بدأها وهو فتى في الخامسة عشرة، وأنهاها وهو شاب في الثامنة عشرة قبل دخوله الجامعة أو بُعيد دخولها مباشرة، سجل خلالها ما مجموعه 9 شرائط كاسيت على مسجل قديم - مسجل بَكَر كما يسمونه. انتقى فيها قصائد محمد إقبال، وسيد قطب، وهاشم الرفاعي، والشيخ إبراهيم عزت، والشيخ يوسف القرضاوي، وغيرهم وحوّلها بألحانه وصوته إلى دستور فني للإسلاميين حتى الآن، ما زال الكثيرون منهم يعيدون إنتاجه بأشكال جديدة.

هذه التجربة رغم قِصر مدتها كانت ركناً ركيناً في التكوين النفسي للإسلاميين ومنه وُلدت الأسطورة؛ لأن الرجل نفسه، على قرب عهده، اختفى تماماً بعدها من 1970 حتى 2003 طيلة أكثر من 30 سنة لا يعلم أحد عنه شيئاً، وفي هذه المساحة الفارغة من أخباره اتسعت الأسطورة وبسطت أجنحتها وحلَّقَت!

وللأسطورة في حياة الإسلاميين مكانة كبيرة، كما هو الحال في حياة كل الأفكار التي تقوم على جمعٍ مغلقٍ من الناس، تغذيها العاطفة (دينية، أو قومية، أو عرقية) ويدعمها الاضطهاد، أو حلم المجد والسيادة (دولة - خلافة - إقليم.. إلخ)، تقوم الأسطورة هنا مقام الأسمنت الذي يصل لَبِنات هذا البناء أو التنظيم، ويسد ثغرات الفكرة أو التطبيق حيثما حلت، وللإسلاميين في هذا نصيب وافر، ولأبو مازن وحده عدد من الأساطير المرتبطة به.

لا أذكر تحديداً متى سمعت هذه القصة عن أبو مازن، أو أول من قصها عليَّ وأقنعني بها، لكني أذكرها جيداً، وأذكر أني سمعتها مراراً، وأذكر تفاصيلها الرئيسية، وأثرها في نفسي كلما سمعت صوت هذا الرجل - الذي لا يملك صوتاً مميزاً أو فوق العادة بالمناسبة - يردد أناشيده، وقد كانت القصة منطقية ومفعمة بالعاطفة التي تستهوي شاباً في مثل سني وتُورثه الشعور بجلال الفكرة الإسلامية ورجالها.

منذ تعرفت على الرجل وتجربته، أخبرني الإخوان بأن أناشيد أبو مازن كانت وقوداً لنفوس أبناء الحركة الإسلامية في سوريا في ذلك الوقت من السبعينات والثمانينات، وانتشرت انتشاراً مزعجاً لنظام حافظ الأسد وقتها، الأمر الذي نبه الأسد إلى ضرورة إسكات هذا الصوت الصادح الذي يمنح هذه الجموع المعارضة روحَها المقاوِمة، وطاقة الصبر والسلوى، ويخلّد جرائم الأسد وغيره في أناشيد تستسيغها الآذان، ويتبادلها السجناء سراً في زنازينهم، وترضعها الأمهاتُ أطفالَهم فينبت منها لحم الفكرة وعظم مواجهة نظام الأسد وغيره من الأنظمة، فقرر الأسد اعتقال هذا الصوت، فاعتقل أبا مازن، ثم قرر أن قطع لسان هذا الرجل هو الحل الذي يضمن اتقاء شره، وردع غيره ممن يفكرون في الاقتداء به.. فقطع لسانه في السجن!

أصبحت هذه القصة الدامية جزءاً من استحضاري الذهني لأبو مازن، وإطاراً كبيراً للحالة النفسية التي أحياها كلما سمعت أناشيده، وركناً كبيراً في انفعالي بما أتلقاه منه فكان يغطي على عادية صوته، ورداءة التسجيلات التي يمكنك الاستماع لها من هنا لتدرك مدى خصوصية هذا الجو النفسي الذي يدفعك دفعاً إلى أجواء مشهد سينمائي بالأبيض والأسود:

فأنت لا تستحضر صورة الرجل ولا تعرفها، ويشغل صوته كل الصورة في ذهنك، وإذا برز شيء من جسده إلى المشهد فهو مصحوب دائماً بلسانه المقطوع في أقبية حافظ الأسد!

كان ارتباطي بأبو مازن يزداد يوماً بعد يومٍ كلما انتقيت نشيداً له لغنائه - والرجل ذو تراث غير بسيط، وذو طاقة تلحينية جيدة جداً - وكلما استمعت إلى جزء من تجربته معاداً على لسان أحد من المنشدين بثوب جديد وتقنيات عصرية، وكلما رُدد واحد من أناشيده في أي مناسبة للإخوان أو الإسلاميين، وكنت أحرص بحكم اهتمامي بتتبع كل إصدار جديد يُطرح في تلك الفترة لكل الفرق الإنشادية المصرية، أو الذي يصلنا من إنتاج الفرق الشامية، أذهب إلى مكتبة أقرب مدينة لأشتري الشريط ثم أعود لجهاز الكاسيت للاستماع، والاستماع المتكرر حتى أحفظ وأستبطن، وكل منشد أعجبني إنتاجه كان لي معه حياة وصلة لا يحضر فيها جسده، لكن يحل فيها صوته عبر الكاسيت، ثم ما تيسر من الإنترنت لاحقاً بعد دخول المرحلة الثانوية، حتى كان عام 2002 حين قرر المنشد، مقطوع اللسان، أن يعود إلى الغناء مرة أخرى!

في 2002 تقريباً، أعلنت إحدى شركات الإنتاج الفني طرح ألبوم جديد مشترك لعدد من المنشدين، وكانت المفاجأة مشاركة أبو مازن في هذا الألبوم! أذكر أن إعلان الألبوم كان في جريدة "آفاق عربية" بمصر، وكانت هذه المرة الأولى التي يُعلن فيها عن ألبوم كاسيت إنشادي في جريدة مصرية.

في البداية، لم أفهم معنى هذه الخطوة العجيبة، ولم أفهم كيف سيعود الرجل للغناء وقد قطعوا لسانه، وكان التفسير الوحيد أنهم سيعيدون عرض أحد أناشيده القديمة بتقنية تنقية صوت أو مؤثرات أو أمر شبيه. وأخذت أترقب وقت صدور الألبوم بحماس شديد حتى علمت بتوافره في المكتبات فبادرت بشرائه قبل نفاد كميته التي توقعت أن يكون عليها إقبال شديد، وقد كان. وعُدتُ بشريط الكاسيت إلى البيت وبدأت في الاستماع يملؤني شوق شديد إلى سماع صوت الرجل في إصدار عصري بعد أن طالعت غلاف الألبوم وعرفت أنها أغنية جديدة مسجلة حديثاً.

تعمد مخرجو الألبوم أن يضعوا أغنية الرجل آخراً بعد 10 أغنيات في وجهين، لكني صبرت على سماع الأغاني العشر حتى وصلت محطتي المنشودة: أغنية "يا قدسُ" لأبو مازن:

ما إن بدأ الرجل في غناء الموال حتى انتابتني قشعريرة غريبة كُثفت فيها سنوات العلاقة بيني وبينه بكل ما فيها من ذكرى، ولُخص فيها انتظاري لعودة هذا اللسان المقطوع للغناء مرة أخرى.

الغريب أني كنت أستمع إلى الرجل يغني الموال وأنا أتحايل على نفسي للاستمرار في تصديق قصة قطع لسانه، وأرفض تكذيبها، حتى إنه كان ذا لثغة واضحة جداً وغريبة في حرف الراء فكان يغنيها بغرابة في جملة "حينما ننشق عطر الذاهبين.. ونغني في محاريب الحنين"، فقلت لنفسي: "لعل هذا أثر قطع لسانه الذي نبت لاحقاً!".

لم أكن غبيًّا، وكنت ذا عقلية لا تقبل الأفكار على إطلاقها دون القليل من الاختبار أو محاولة صياغتها منطقياً، لكني ربما كنت أرفض تصديق أن من عرفتهم من الإخوان قد نقلوا هذه القصة لساناً عن لسان بثقة شديدة ويقين راسخ دون تثبت، وتذكرت وجوه من نقلوها لي ورنّة صوتهم الواثقة، وفيهم أساتذة جامعات ومثقفون وعقول راجحة.

أذكر أن هذه القصة كانت بداية مراجعتي للكثير من الأساطير أو الحكايات التي تلقيناها داخل صفوف الحركة الإسلامية، وتناوُلها بعين التدقيق في الروايات وكيفية تناقُلها وتوثيقها، واكتشفت بعدها أساطير أخرى عديدة، بعضها مرتبط أيضاً بشخص أبو مازن نفسه وبعضها مرتبط بغيره.

علمتني تجربتي في صفوف الحركة الإسلامية الكثير من الخير، وبالتأكيد كان جزءاً من هذا الخير الذي تعلمته أن الحقيقة تُعرف بدليلها واتساق منطقها، ولا تُعرف فقط بحجم اسم قائلها أو كبر سنّه، أو حجم الثقة بنغمة صوته، فقد شاهدت - وما أزال - الكثيرين يرددون بأصوات متخمة بالثقة أفكاراً ونبوءاتٍ لا تقوى على احتمال الدليل، أو الثبوت أمام النقاش، ولهم أتباع وجمهور من الإسلاميين يصدقونهم في أن السيسي قد مات وهذا بديله يحكم، وأن الانقلاب يترنح، وأن مارك زوكربيرغ يعادي شخوصهم ويريد إغلاق صفحاتهم لولا نجدة الداعمين لهم بالنكز والتعليقات.

علمني أبو مازن أن الحقيقة يمكن أن تكلف صاحبها قطعَ لسانه، لكنه علمني أيضاً أن من قُطع لسانه لا يعود مرةً أخرى للغناء!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.