المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد الصنهاوي Headshot

أنا مصري -تقريباً- وأبويا مصري

تم النشر: تم التحديث:

كان أبي -رحمه الله- يستخدم عبارات خاصة حفظتها منه لوصف بعض المواقف والشخصيات، منها أنه كان يقول -لائماً أو مشاكساً- حال إخفاقي في أمر ما: "انت راجل وَرَق".. حسناً، الآن بعد 32 عامًا، وحوالي 13 عاماً من وفاة والدي يؤسفني أن أبشر أبي بخيبة الأمل الكبرى، أني لم أنجح حتى في أن أصبح رجلًا من الورق!

تخبرني أمي أن هذه الأيام توافق الذكرى الـ 13 لوفاة أبي في 28 أبريل/نيسان 2004، صدفة لم أتعمدها لكتابة هذه التدوينة، لكني سأعتبرها من مهاراتي الفطرية في أعوام حصدت فيها إخفاقات في إنجاز أمور عادية ينجزها مليارات البشر حول الكوكب، مثل الانتماء الرسمي لدولة ذات حدود وعلم وجواز سفر!

- أدركت أهمية الورق منذ أن بدأت التعامل الرسمي مع الدوائر الحكومية في مصر منذ أكثر من 15 سنة تقريباً، لكني لم أبدأ في التفلسف حول اختصار الدولة الحديثة للبشر في الورق والفهارس إلا منذ سنوات قليلة، وعلا صوت هذا التفلسف عقب تجربة الـ 30 من يونيو/حزيران التي حولتنا إلى أرقام وأسماء في دفاتر ثلاجات الموتى، وقوائم المفقودين، وقضايا المؤبد والإعدام، أما الآن فلم أعد أملك إلا هذا التفلسف بعد أن انتهت صلاحية جواز سفري رسميًا منذ 12 شهراً كاملة، وأصبحت -رسمياً- أدنى من رتبة "رجل من ورق"!

نظراً لموقف الدولة المصرية منا، وموقفنا منها، نحن الذين لم نملك إلا رفض ما يجري وما سيجري من ممارسات جعلت انتهاك الحريات والحقوق حقاً مكتسباً للدولة، وعلى رأسها انتهاك حق الحياة ذاته، فإن العداوة التي نشأت بيننا جعلت تجديد وثيقة جواز السفر أمراً محالاً، فطبيعة الحال لن تجدد الدولة جواز السفر لشخص أصدرت ضده حكماً بالسجن 25 سنة في قضية خيالية، ففر منها هارباً بطريق غير رسمي، وإن كانت جملة "غير رسمي" لا تفتقر للسخافة اللازمة في معرض الحديث عن الفرار بالدين والبدن من الاعتقال أو القتل.

فترة السنة التي مرت منذ انتهاء صلاحية جواز السفر، وفترة غير قصيرة قبلها، كانت فرصة جيدة لتأمل موقعي من فضاء هذا العالم وأحداثه، تأمل لن يغير من أحداث العالم وقوانينه بطبيعة الحال، لكنه مهم بالتأكيد لي ولمن ترتبط بي حياتهم، وترتبط بهم حياتي.

- حسناً.. أنا الآن لا أحمل جواز سفر يثبت انتمائي الرسمي لهذه الدولة التي تشتبه بالوطن، هل انقطعت صلتي بالجغرافيا والتاريخ والاجتماع المصريين؟... يبدو أن الإطار الفلسفي للدولة الحديثة يقرر هذا بشكل لا يخلو من القسوة الواقعية، لا يمكنني استخراج ورقة رسمية تثبت صلتي بهذا الكيان، ولا يمكنني التمتع بالخدمات والامتيازات التي يقدمها الوطن الحبيب لمنتسبيه، بدءاً من ميزة كاريزما المصري الأسمر خفيف الدم الذي تهواه فاتنات الأعاجم شقراوات وحمراوات الرؤوس، انتهاءً بحقي المترف في ترداد أغنية مطربة غير مصرية تقرر بيقين مصري إني "مصري وأبويا مصري.. بسماري ولوني مصري.. وبخفة دم مصري"، الآن مات أبي مصرياً، وأحيا مشكوكاً في مصريتي.

- الأسئلة التي تدور في ذهني بعد تجربة الثورة المصرية حول معنى مصطلح "الوطن" وحدوده تتقافز الآن في فراغ جواز السفر بحرية وقلق، هل انتسابنا للوطن تاريخاً وجغرافيا واجتماعاً أقوى أم أن الأوراق والأختام أوثق عرى؟
هل هناك مقدار محدد من الشوفينية الوطنية لا بد من تجاوز اختبارها لإثبات هذا النسب الرسمي؟ نسبة إيمان محددة بحضارة الـ 7000 عام، أو بقدسية مصر المذكورة في القرآن كما ذكرت مدين وسبأ وإرم ذات العماد؟
كم مقدار النصوص غير الثابتة عن خيرية خير أجناد الأرض حتى لو رأيت رصاصاتهم تحصد رؤوس الأبرياء على مسافة نصف متر مني في رابعة ورمسيس والمطرية؟
حد أدنى من التصديق بعموم "جدعنة" هذا الشعب؟ أليس منكم رجل "جدع" يرد لي هويتي الرسمية يا أيها الجدعان؟

هل ذكريات الطفولة والشباب، ومصرية اللسان، والمزاج المصري في الطعام والشراب والملبس والفن والأدب والموسيقى والمزاح والنكتة و"القلش" ومخزون الأمثال وحكايات ما قبل النوم وتترات المسلسلات، والليلة الكبيرة، وما أحفظ من شعر بيرم وجاهين وحداد ونجم، ومن أغنيات أم كلثوم وعبد الوهاب والحجار ومحمد محيي، وما أحمله من ذكريات المراهقة في عصر حميد الشاعري، وإحباطات البحث المضني المشدود بالأمل إلى "جادون كوكاكولا" و "ألبوم بم بم"، ذاكرة بطني التي صادقت الكشري، والملوخية، والممبار، والطعمية، عربات الفول الصباحية، أذان الشيخ رفعت، وتلاوة الشيخ مصطفى إسماعيل -أبو إسماعيل كما نسميه في ريف مصر- قبل مغرب رمضان، ابتهالات طوبار وعمران قبل الفجر والعصر، مساجد مصر ومآذنها، مملوكيها وفاطميها وأيوبيها، وما لا ينتمي منها لطراز، تلك التي صلينا فيها، واعتكفنا، وتلك التي منعنا فيها من الاعتكاف، وتلك التي اعتقلنا من داخلها، أو حرقت جثث أصدقائنا فيها، وتلك التي صلينا فيها آمنين، وتلك التي طردنا من صفوفها الأولى أطفالًا مشاغبين، التي حضرنا فيها خطباً موحية آسرة، والتي صب في جمعها في آذاننا خطباً صيغت في مكاتب أمن الدولة ووزعت على خيالات المآتة مظاريف مغلقة، التي حضرنا فيها جلسات الذكر وموالد الصوفية، والتي حضرنا فيها جلسات التوجيه التي تبدع الصوفية، والتي حضرنا فيها جلسات الدعوة للخروج مع التبليغ والدعوة الذين لا يلقون بالاً للصوفية ولا لمن يبدعونهم، التي حضرنا فيها مبتدأ أفراح أصدقائنا ومعارفنا، والتي حضرنا فيها مختتم حيوات أحبابنا وجنائزهم، والتي حضرت فيها جنازة أبي ووداعه، والتي منعنا من دخولها للصلاة على إخوة قتلوا في مساجد أخرى ثم حوصرت جنائزهم في بلد الألف مئذنة ومذبحة!

أقول هل تشفع لي هذه الفسيفساء الوطنية في إثبات نسبتي إلى تراب الوطن الحبيب حيثما حل وتجلى، سواء كان موضع سجود، رقبة أم محل نومة "كشكول" في معتقل، أو كان تراب مقبرة، أو غباراً مهملاً على باب زويلة، غبارُ وطني محايد لا يتمتع بالوعي الكافي لإدراك أي رقبة شنقت في نفس المكان قبل عدة قرون، رقاب رسل هولاكو من التتار الغزاة، أم رقبة طومان باي حاكم مصر المملوكي، تراب الوطن طيب لا يرد محتضناً، ولا يفرق بين زائريه في توزيع الموت بعدلٍ متناهٍ!

كلّ العصافير التي لاحقت
كفي على باب المطار البعيد
كل حقول القمح ،
كل السجون،
كل القبور البيض
كل الحدود ،
كل المناديل التي لوّحت ،
كل العيون
كانت معي، لكنهم
قد أسقطوها من جواز السفر
عار من الاسم من الانتماء؟
في تربة ربيتها باليدين ؟
أيوب صاح اليوم ملء السماء:
لا تجعلوني عبرة مرتين !
جواز السفر : محمود درويش - مارسيل خليفة

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.