المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد راكان بوظو Headshot

هذا ما تعلَّمته عن مجتمعنا بعد خسارة المنتخب السوري

تم النشر: تم التحديث:

جاءت نتيجة مباراة المنتخب السوري والأسترالي قاسية على ربوع الشعب السوري خصوصاً والعربي عموماً، فبعد أن رفعنا سقف الآمال والطموحات بالتأهل إلى العرس الكروي الأكبر للمرة الأولى في التاريخ، كتبنا الأغاني وجهزنا القصائد والكلمات لنحتفل بهذه المناسبة، لكن النتيجة كانت عكس التوقعات والآمال، فسرقت فرحة الشعب السوري في الدقائق العشر الأخيرة، وكان الحلم يبعد بمقدار إنش واحد هو الفاصل بين كرة عمَر السومة الأخيرة والهدف.

لكن وكمُشاهد سوري من كثب وكمحلل للمجتمع والمحيط السوري، قمت باستنتاج بعض الحقائق التي كانت لدي مجرد فرضيات استطاعت هذه المباراة وما تبعها ترسيخها وتأكيدها لي، فالحسنة الوحيدة للخسارة بالنسبة لي كانت هي اكتشاف المجتمع السوري أكثر وأكثر.

1- الإنسان كائن عاطفي.. والعربي هو الأكثر عاطفة:

ما يفرّق بين العاطفة والمنطق هو تحكيم القلب مقابل العقل والانجرار وراء أحد منهما، المنطق البحت كان يفرض تفوق المنتخب الأسترالي على جميع الأصعدة، ولكن الرياضة لا تعترف بأعراف المنطق في أحيان قليلة ظننا أننا سنعيش واحدة منها.

وحين مشت الرياح بما لم تشتهِ سفينتنا، كانت الصدمة الكبرى على جموع المشجعين، وبدأت العاطفة تطغى وتطفو على الواجهة، فمن رأى إحصائيات المباراة سيعلم حق اليقين أننا لا نستحق التأهل، الأرقام كانت مخزية بحقنا، وحقيقةً لو تأهلنا لكنا سنتأهل بمحض الصدفة البحتة.

بدأت ردود الفعل العاطفية أولاً بعدم تقبّل الخسارة على أنها شيء طبيعي في الرياضة واحتماله في حالتنا كان هو الأكبر، فبدأت الأعذار ومواساة الذات بهذا المصاب العظيم، لم نستطع بعد كل التضخيم الإعلامي غير المبرر أن نتقبل حقيقة أن كل حلم حلمنا به ذهب هباءً منثوراً، فبدأت الحجج الوهمية والمخزية التي لا يقوى طفل في التعليم الابتدائي على التلفظ بها، بدأت الجماهير السورية بالحديث عن العشب الطويل تارةً ثم العشب المبلول تارةً أخرى ثم الحكم المرتشي في محاولة ثالثة بائسة؛ لإرضاء النفس وتخديرها بعد ألم الخسارة الذي أحسَّته.

لم نستطع -ولو لبرهة- تصديق حقيقة أننا خسرنا! لم نقم بالتحليل المنطقي للخسارة، التي تحدثت الأرقام عنها كما أسلفت؛ بل وضعنا الملامة على العشب الطويل وأحذية اللاعبين القصيرة!

ولم تنته الرحلة هنا؛ بل استمر الهيجان العاطفي لدى الشعب السوري، وانتقل إلى صفحات الفيفا على الفيسبوك، وبدأت جموع الجماهير بكتابة تعليقات تطالب بإعادة المباراة على جميع منشورات وصور الفيفا.

أي عاقل يظن أن قرارات الفيفا تأتي من مطالب فيسبوكية؟! ألم يفكر أحد أن طفولية هذه التصرفات ستؤثر على شعب بأكمله؟ ستؤثر على صورة كل سوري في أنحاء العالم حين ترى باقي الشعوب هذه العبارات المضحكة، وترى أن التنافس الرياضي لا يليق بنا، وأننا شعب إما يربح وإما يربح!

واختتمت نوبة الغضب العارمة بوضع التقييمات المتدنية أيضاً على صفحة الفيفا وكأن الفيفا هي سبب مصابنا! وكأن الفيفا هي سبب الأزمة السورية وسبب المحسوبيات في الاتحاد الرياضي وسبب سوء تصرفات المدرب!

عكست ردود الفعل هذه أننا -وللأسف- مجتمع ينقاد بالعاطفة، لم يحكّم أحد عقله ولو لبرهة، فمن رأى الأمر بمنظور عقلاني سيعلم أننا كنا جيدين ولكن ليس بالمستوى الذي يضعنا في البطولة العالمية، والعشب والفيفا ليسا سبب الخسارة.

2- الفيسبوك هو الكذبة الكبرى:

كمحاولة عاطفية لإرضاء الذات كما أسلفت سابقاً، قام أحد الأشخاص وهو مستلقٍ في سريره بإطلاق بعض الشائعات الوهمية بعد المباراة، شائعات تتحدث عن إرسال بعض الخبراء لفحص العشب الأسترالي وأنهم الآن موجودون ضمن الملعب يتفحصونه! وشائعات عن قرار الفيفا بإعادة المباراة بعد اعتراضات المنتخب السوري على الظلم التحكيمي!

بدايةً وقبل مناقشة الحدث، فإن أي شخص تابع كرة القدم ولو لمباراة واحدة فإنه يعلم حق المعرفة أنه لا يوجد ما يسمى إعادة المباراة، وخاصة لأسباب كالمذكورة سابقاً.

انطلقت الشائعات كالنار في الهشيم، واستقبلها الشعب على أنها الخلاص من الألم الذي يصيبه، وأخذ الجميع في تناقلها وترديدها وتأكيد الأمر كأنه حقيقة مطلقة، كلٌ يوهم نفسه بهذه الأكذوبة، متمنياً أن تصبح حقيقة بطريقة سحرية ما.

لم يفكر إلا القلة في البحث عن مصدر هذه المعلومات وموثوقيتها، ومصدر المعلومة الصحيحة لا يكفي أن يكون موقعاً إخبارياً فقط؛ بل يجب أن توجد فيه عدة شروط تجعل منه مكاناً موثوقاً لتناقل الأخبار.

لو سألنا أحداً عن مصدر هذه الأخبار لأجاب بكل تأكيد بعدم معرفته بالمصدر، لكنه رأى أصدقاءه على الفيسبوك يتناقلونها وقام أيضاً هو بالمثل.

وهنا تأتي المشكلة، فالفيسبوك كمنبر إعلامي أول له القدرة على نقل المعلومات أياً كانت، المفيدة منها والضارة، وحقيقة الأمر أن التناقل هو أمر منوط بنا، نحن الذين ننقل المعلومة ونحن الذين نوقفها، لا يوجد رقيب ولا حسيب لما تكتبه على منصة مفتوحة للجميع.

فلو أردت إثارة بلبلة معينة بموضوع ما، كل ما عليك فعله هو كتابته بطريقة منمقة وشائقة مع إضافة بعض الصور المتعلقة والمفبركة، وستنتشر أخبارك ومعلوماتك بشكل متزايد، وتصبح حديث الشارع في مدة أقصاها يومان.

فنجد أن ضعف الفرد العربي في تحليل المعلومة الإلكترونية واضح وبشدة، فأحياناً تكون الأخبار غير قابلة للتصديق أساساً، وبحث واحد فقط على جوجل سيكشف لك حقيقتها.

أي إننا بحاجة لحملات كبيرة ومكثفة للتوعية بالعالم الرقمي، الذي جاءنا من دون ملف يشرح لنا كيفية الاستعمال وتم وضعه بين أيدينا متوقعين أننا سنحسن التصرف فيه.

3-اللُّحمة الوطنية حلم نتغنى به:

تضمنت الحملات الإعلامية المرافقة لتقدمنا ضمن التصفيات رسائل متعددة حول اللُّحمة الوطنية السورية التي استطاعت كرة القدم إعادتها من جديد بعد سبع سنوات عجاف، وللوهلة الأولى اعتقدت فعلياً أن الشعب السوري عاد كما يجب أن يكون، لا تفرقة بين فرد أو آخر على أسس الانتماءات بأنواعها.

لكن، ما إن تقم بتصفُّح مجموعات السوريين المغتربين والمعارضين، تجد أن معظمهم كانوا مشجعين للمنتخب الأسترالي؛ بل وبراديكالية ليس لها مثيل، فلم يستطع أحدٌ منهم التفريق بين الرياضة والسياسة، فقاموا بتخوين كل مشجع ومنحاز للمنتخب السوري على اعتباره أنه ممثل للنظام السوري وليس للشعب السوري، معارضة كانوا أم موالاة.

وحين ترى هذا التهجم الصريح لمجرد تشجيع فريق كرة قدم، فاعلم أن الأمر أسوأ بكثير مما تظن، أقولها وبقلبي غصةٌ: إن السوري لم يعد أخاً للسوري، إن وجودك بمحافظة أو انتماءك لدين معين قادران على أن ينفياك بعيداً عن مجتمع يخالفك، مهما بدت العبارات رنانة وجميلة فهي لا تلبث أن تزول مع زوال أثرها وقراءتنا للإعلان الذي يليها.

فبعد كل ما عانيناه ورأيناه، لا تزال اللُّحمة الوطنية حلماً وردياً نتغنى به ونكذب على أنفسنا وأولادنا بأنه لا بد أن يتحقق.. يوماً ما.

حقيقة، تمنيت لو استمر المشوار السوري ضمن كأس العالم لأسباب رياضية بشكل أساسي، وحتى تتكشف بعض العوامل الاجتماعية الخفية أكثر وأكثر، فنحن لسنا من ندّعي في منشوراتنا التي كُتبت بعناية؛ بل ما نكتب في تعليقاتنا.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.