المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد مفلح الحدب Headshot

قوارب الموت إلى أوروبا

تم النشر: تم التحديث:

شخوص المقالة:
الرجل وزوجته اللذان تركا أطفالهما: هما شخصيتان حقيقيان لزوجين من السودان التقاهما الكاتب في مدينة ليدز في بريطانيا، حيث هاجرا من ليبيا إلى فرنسا ومن فرنسا إلى بريطانيا.

الشبان الأفارقة: هم شخصيات حقيقية لشبان من إفريقيا هاجروا عبر البحر إلى أوروبا وحصل الاقتتال بينهم على متن قارب العبور إلى أوروبا.
باقي شخصيات المقالة هي من وحي وخيال الكاتب.



الهجرة كانت -وما زالت- حلماً للكثيرين؛ طمعاً في حياة أفضل اقتصاديًا، واجتماعياً، وسياسيًا. حالياً ونظراً لويلات الحروب ولارتفاع معدلات البطالة في دول العالم الثالث أصبح حلم الهجرة طوق النجاة الذي سيغير الواقع إلى الأفضل.

يهاجرون ويتركون خلفهم واقعاً مريراً وماضياً أليماً يتبعهم حتى في أحلامهم، فيظنون أنهم بهجرتهم هذه سيبدأون حياة جديدة في مجتمع جديد لا يعرف أي شيء عن ماضيهم. ونظراً إلى الطلب الكبير، تكلفة الهجرة أصبحت باهظةً جداً، ولم تقتصر على الجانب المادي فقط؛ بل تعدت ذلك إلى المخاطرة بما تبقى لهؤلاء المهاجرين من أيام في هذه الدنيا.

هي رحلة قلما ينجو مسافروها من أمواج البحر المتوسط الهائجة، رحلة محفوفة بالخطر والمغامرة، ستترك -ولا شك- ذكريات موجعة وكوابيس مزعجة ستعيش معهم بما تبقى لهم من أيام، هذا إن كتب لهم النجاة.

تبدأ الحكاية مع سماسرة الأرواح الذين سيعبرون بهم البحر إلى شاطئ النجاة، حيث متطلبات السلامة معدومة على قوارب العبور وأعداد الركاب تُحدد حسب أموال هؤلاء البائسين، لا حسب معايير النجاة على قوارب الشؤم التي تكتظ بأشخاص من مختلف الأعمار، والجنسيات، والمؤهلات، والديانات. أشخاص يجمعهم شيء واحد؛ ألا وهو العيش في تلك المدينة الفاضلة.

إحدى المهاجرات هي أم ثكلى فقدت زوجها وغالبية أبنائها؛ نتيجة الحرب الدائرة في بلادها بين أطراف متنازعة، بلا هدف ولا رؤية واضحة إلا تدمير البلاد والعباد. قررت هذه الأم الممزقة بجروح الحرب وذكريات مؤلمة لضحكات من مات من أطفالها، أن تنجو بما تبقى لها من عائلة؛ لتعيش بأمن وسلام في المدينة الفاضلة، بلد الأمن والحلم والسلام، كما تعتقد ويعتقد الكثيرون.

مهاجر آخر، وهو شاب في مقتبل العمر، هاجر تاركاً والديه؛ ليبحث عن مستقبل جديد، لم يتردد هذا الشاب في هجر مكان الذكريات، ذلك الحي الفقير في أطراف المدينة، حيث أكوام الزبالة تنتشر في كل زوايا الحي ورائحة الجريمة والبطالة تعمّ في أرجاء المكان!

لم يكن يعلم هذا الشاب أن والده الشيخ الكهل الجليل لم يعد بإمكانه العمل كما كان في سابق عهده، وأنه اليوم بأمسّ الحاجة إلى هذا الابن الشاب لكي يساعده في إعالة أشقائه الصغار، الذين يتحدد نوع ومقدار طعامهم كل يوم بمقدار ساعات الصحة والعافية التي يتمتع بها ذلك الكهل، الذي أثقلته ظروف الحياة ألماً وحسرة.

والدة هذا الشاب، هي أيضاً لم تنعم بيوم واحد من راحة البال والسكينة منذ اتخاذ فلذة كبدها قرار الرحيل، لم يعلم سماسرة الأرواح أن هذه الأم المفجوعة قد رأت ابنها أكثر من مرة في منامها مودّعاً هذه الدنيا، طالباً منها مسامحته عما سببه لها من لوعةٍ وحزنٍ دائمين، لم يعلم هؤلاء القتلة أنهم قتلوا فرحتها وضحكتها وبسمتها.

وتستمر الحكاية مع رجل وزوجته قررا الهرب من ديونٍ فاقت قدرتهما على السداد ومن ظروف معيشية ضنك، هاجرا تاركَين وراءهما أفواهاً صغيرة جائعة، تاركَين فلذات الأكباد وذكريات الطفولة، هاجرا مودِّعَين أطفالهما أمانةً عند رب العباد، علَّ وعسى أن يصلا إلى وجهتهما سالمَين، وبعدها يحاولان لمّ الشمل من جديد.

لم يعلم الوالدان المفجوعان أن لحظات الوداع تلك التي كانت تغرق بدموعهما ودموع الحاضرين لربما ستكون المرة الأخيرة التي سيريان فيها أطفالهما.

هناك أيضاً على طرف القارب يجلس بحذرٍ مجموعة من الشبان الأفارقة الذين هربوا من الصراع العرقي القائم في وطنهم، هربوا من الفقر وانتشار الأمراض والأوبئة، هربوا من معدلات الجريمة المرتفعة، هربوا من موت محتم وإن طال أمده.

ما لبث أن تحرك القارب إلى وسط البحر حتى تعالت أصوات هؤلاء الشبان، ليس طلباً للرجعة ولا خوفاً من أمواج المتوسط الهائج، ولكن بسبب قتال شرس دار، نتج عنه قذف بعض هزيلي البِنْية لتلتقطه أسماك البحر.

على ما يبدو، فإنهم لم يعيروا اهتماماً لا للمكان ولا للزمان؛ بل اختلفوا حول ما يدور في أوطانهم من اقتتال، اختلفوا حول من هي الطائفة الأحق بالنصر والاحترام. هاجروا وهاجرت أفكارهم معهم.

كل المهاجرين على متن تلك القوارب عاشوا قصصاً مختلفة، ولكل منهم حكاية وألم دفين في الاعماق، كل منهم يعتقد أن الهجرة هي الحل الوحيد للخلاص من الماضي الحزين. ليتهم جميعاً يدركون ويعرفون أن الهجرة هي بداية النهاية، هي الموت البطيء، هي التعاسة الأكيدة.
ليتهم سمعوا ممن سبقوهم كيف كانت النهاية!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.