المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد منصور Headshot

جريمة الجيش السوري الحر!

تم النشر: تم التحديث:

لم يكن زعيم (جبهة النصرة) أبومحمد الجولاني في مؤتمره الصحفي الأخير، الذي بثته قناة (أورينت)، هو وحده من أنكر وجود الجيش الحر حين قال: "لا يوجد شيء اسمه جيش سوري حر، هي مجموعة فصائل تلتقي بالاسم ولا أحد له ارتباط تنظيمي مع الآخر... فليس هو جيش وليس هو تنظيم"، فقد أنكر بشار الأسد وجوده، مثلما أنكر هو وإعلامه أن تكون هناك ثورة شعبية ضد نظام حكمه من أصله.

رغم أن هذا الإعلام أظهر في سبتمبر/أيلول من عام 2011 مؤسس هذا الجيش أو (لواء الضباط الأحرار) الذي كان نواة هذا الجيش، المقدم حسين هرموش، على قناة تلفزيون (الدنيا) الموالية، وهو يدلي بـ"اعترافاته" بعد اختطاف المخابرات السورية له من تركيا.

وفي مطلع أكتوبر/تشرين الأول من العام الجاري، وبعد أيام قليلة من بدء العدوان الروسي على الشعب السوري، ومع ظهور قائمة الأهداف التي استهدفها طيران العدوان على الأرض، وصدور الاتهامات لروسيا بأنها تستهدف الجيش الحر ومقراته وتجمعاته، ولا تقترب من تنظيم الدولة الإسلامية إلا بشكل عارض، ظهر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ليقول - ساخراً أو جاداً - إنهم: "مستعدون للتحاور مع الجيش الحر إذا بقي منه أحد"!
ولم تمض أيام قليلة، حتى رد الجيش الحر على تصريح لافروف - المتذاكي- بالأفعال لا بالأقوال، حين دمرت الفصائل المنضوية تحت اسمه، أكثر من 23 دبابة روسية، في معارك برية بريف حماة.. فيما سمّي "مجزرة الدبابات" التي أعادت الحديث عن الجيش الحر إلى الواجهة... وانتشرت وسوماً تحيّه على مواقع التواصل الاجتماعي من جديد، ما دفع بوتين في ذلك اليوم، الذي كان يحتفل فيه هو وأنصاره بعيد ميلاده الثالث والستين.. إلى القول إنه على استعداد للحوار مع الجيش السوري الحر، الذي كان وزير خارجيته قد شكك ببقاء أحد منه!

ويبدو أن خيال بوتين المضطرب، الشبيه بخيال قناة (روسيا اليوم) وحكاياتها، قد تطور خلال الشهرين الماضيين اللذين أعقبا بدء العدوان الروسي الفعلي على الشعب السوري، بوحي من الاخفاقات وحجم الخسائر، إلى درجة تصور معها أنه بات يدعم الجيش السوري الحر الذي لم يكن يراه، فقد لاقى تصريحه بأن "روسيا تدعم الجيش السوري الحر بالأسلحة، وتقدم له الغطاء الجوي"، وبأن "5000 مقاتل من الجيش الحر يقاتلون إلى جانبنا في سوريا"، لاقى هوى لدى ساسة الولايات المتحدة والناطقين باسم الخارجية الأمريكية، الذين تحولوا في الفترة الأخيرة إلى معلقين سياسيين وهم يتابعون لعبة الدم السوري محبوسي الأنفاس، كمن يتابع فيلم رعب في صالة سينما، حيث سخرت الخارجية الأميركية ما سمّته "مزاعم الرئيس الروسي بأن بلاده تساند الجيش السوري الحر".

وأكد المتحدث باسم الوزارة جون كيربي أنه "لم يتضح لدى واشنطن مدى صحة هذه المزاعم"، مؤكداً أن "الغالبية الساحقة من الضربات الجوية التي تنفذها الطائرات الروسية تستهدف جماعات معارضة لحكومة الأسد ولا تستهدف تنظيم الدولة الإسلامية".
لا يعتد السوريون كثيراً اليوم، بتصريحات الخارجية الأمريكية لتفنيد "أكاذيب" أو "مزاعم" بوتين هذه؛ لأنهم يدركون جيداً أن أمريكا، كما روسيا وكما إيران والصين وبريطانيا وفرنسا، لم تكن يوماً مع الجيش السوري الحر، فقد سبق لباراك أوباما أن اعتبر هذا الجيش ومن يقاتلون الأسد "مجموعة من المزارعين وأطباء الأسنان".

وقال في حديث مع قناة "سي بي إس" الأمريكية في يونيو/حزيران 2014: "لا يمكن لمزارعين وأطباء أسنان لم يسبق لهم أن حاربوا، أن يتغلبوا على نظام الأسد والمجموعات الجهادية"، مضيفاً أن "فكرة وجود قوة سورية معتدلة جاهزة لهزيمة الأسد ليست صحيحة والتالي فإنه بكل الأحوال الفراغ سيكون موجوداً"!

تجاهلَ أوباما إلى حد الإنكار أن الجيش السوري أسسسه ضباط سوريون انشقوا عن جيش الأسد، بعدما نزل هذا الجيش لقمع المظاهرات الاحتجاجية السلمية، في إبريل/نيسان 2011 وبعد أقل من شهر من انطلاق تلك المظاهرات.

فقد كان خيار الأسد، زج الجيش في مواجهة تلك الاحتجاجات، ونزول الدبابات والمدرعات إلى الشوارع، وإعطاء الأوامر كافة بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، ثم إطلاق يد سلاح المدفعية والطيران في قصف كافة المناطق والمدن والبلدات المنتقضة، سبباً أساسياً في انشقاق أكثر من مئة ألف من الضباط والجنود، الذين رفضوا أن يقتلوا المدنيين، وأن يستبيحوا أموالهم وأعراضهم كما فعل قسم من الجيش الذي جمعته مع الأسد العصبة الطائفية التي عبرت عن نفسها من خلال شعار (الأسد أو نحرق البلد) الذي كتب على دبابات الجيش، وجدران البيوت والقرى التي اجتاحتها قطعان وألوية الموت!

لا حاجة لإعادة التذكير بأن مؤسس هذا الجيش هو العقيد رياض الأسعد، الذي انشق عن جيش الأسد في يوليو 2011، وبأن في هذا الجيش ضباطاً كباراً، وصف ضباط، وجنوداً منشقين، رأوا بأم أعينهم كيف كان رصاص الغدر يخترق ظهور عشرات الجنود ممن حاولوا الانشقاق عن جيش، طالما طحن كرامة المنتسبين إليه لخدمة العلم، وحولهم إلى خدم عند ضباط المتنفذين الكبار، وسائقين لأولاد المسؤولين الفاسدين.. وهؤلاء كانوا يحلمون بتأسيس جيش وطني حقيقي، ينجز عملية التحرير، وينفتح على كل السوريين، ويحمي مدنهم وبلداتهم من طغيان جيش الأسد وإصراره على الحل العسكري.

وكان ظهور اللواء سليم إدريس، رئيس هيئة أركان الجيش الحر ببزته العسكرية، في البرلمان الأوروبي في بروكسل في مارس/آذار 2013 وحديثه عن دوافعه للانشقاق عن جيش الأسد، وعدم رغبة الجيش الحر في خوض أي صراع مع بلد عربي مطالبا بسحب حزب الله، وكف يد إيران عن دعم الأسد، وحماية المدنيين وبيوتهم ومدنهم وقراهم التي رأى جيش الأسد كيف يستبيحها بدءا من قريته في ريف حمص، وليس انتهاء بالمجازر الكبرى التي ارتكبها في أنحاء شتى في سورية، كان هذا الظهور تعبيراً عن هوية الجيش الحر وانتمائه وأجندته وأحلام وطموحات أبنائه!
قد يبدو اليوم من الواقعي القول إن الجيش السوري الحر، ليس له كيانا أو جسماً موحداً، وأن مجلسه العسكري ليس فاعلاً في توحيد وتوجيه فصائله... لكن بالتأكيد فإن الجيش الحر هو الفكرة التي جمعت السوريين على حلم التحرير، بعد أن أدركوا أن كل المظاهرات التي خرجت بالآلاف، وبلغت مئات الآلاف في حماة مثلاً، وشاهدها سفيرا الولايات المتحدة وفرنسا السابقان على الأرض، ثم سمح الجميع بسحقها وتكديس سجون الأسد بأجساد الآلاف من المعتقلين والناشطين والمتظاهرين، لم ولن تفلح في إسقاط النظام الذي استبد بمقدرات بلدتهم طيلة عقود.

لكن هذه الفكرة - الحلم، تواطأ الجميع ضدها.. حتى أولئك الذين رفضوا وجود الجهاديين، وارتفاع الرايات السوداء، وأعلوا من قيمة ورمزية علم الثورة، لم يشفع للجيش الحر عندهم أنه كان الوحيد بين تلك الفصائل الذي يرفع علم الثورة والتزم شعاراتها، فاعتبره البعض جيش الأكثرية السنية، في مواجهة جيش الأسد الذي تسيطر عليه الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الأسد وكبار ضباط الجيش والمخابرات.. وطالبوا بما سمّوه "الحفاظ على مؤسسات الدولة ومؤسسة الجيش" مع أن أي سوري أدى خدمة العلم في أي قطعة عسكرية في أقصى نقطة حدودية، يدرك أن الجيش لم يكن مؤسسة في يوم من الأيام.. وأن الولاءات الطائفية والولاء للأسد كان يهمش مفهوم الوطن وينخر كل قيمه الوطنية.

إن جريمة الجيش الحر التي لم يغفرها له لا أعداء حرية الشعب السوري في الداخل، ولا في الخارج، إنه أراد أن يكون سورياً وسطياً، معبراً عن قيم الوطنية الحرة بعيداً عن الولاء لعائلة أو طائفة أو عشيرة... وأنه كذّب رواية أن السوريين لا يريدون سوى فصائل جهادية تعيد أمجاد الخلافة... فكان الجيش السوري مرتداً كافراً في نظر تنظيم الدولة، طائفياً طامعاً بالسلطة في نظر بعض الأقليات، إرهابياً في نظر الأسد، غير موثوق في نظر الأكراد، موجوداً وغير موجود في نظر أوباما وبوتين وأعداء الشعب السوري والكثير من أصدقائه المفترضين!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.