المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد خزعلي Headshot

الخطاب الديني كأداة من أدوات الاستبداد

تم النشر: تم التحديث:

"الاستبداد أصل كل فساد" مقولة لعبد الرحمن الكواكبي.

الاستبداد هو التآكل المستمر للفضيلة السياسية للدولة جراء سلوكيات النخبة الحاكمة، والفضيلة السياسية للدولة هنا هي إقامة العدالة، إقامة العدالة سياسياً، اقتصادياً، قضائياً.. إلخ.

ونظراً لأن الاستبداد هو تعدٍّ بيّن على حق من الحقوق، فإنه فعل يستوجب الرد عليه على الأقل فطرياً من قِبل المستبد فيهم، وهذا الأمر يدركه المستبد جيداً، ويسعى للحيلولة دونه من خلال اعتماد عدد من الأدوات الهادفة لذلك.

يلجأ الاستبداد إلى عدد من الأدوات التي تحفظ أضلاع مثلث الاستبداد صامدة، والمتمثلة، بالمستبد، والمستبد فيهم، وعلاقات الاستبداد، فأي اختلال بأحد أضلاع هذا المثلث يتأثر الاستبداد، فالمستبد يسعى للحفاظ على مكانته، ويهمه جداً أن تبقى علاقات الاستبداد قائمة، لكن قائمة بدون أي متاعب أو في حدها الأدنى، ولذلك تعمل الأدوات التي يوظفها المستبد لإبقاء المستبد فيهم دون مرحلة القدرة على القيام بأي إجراء من شأنه تعطيل علاقات الاستبداد.

هناك طيف واسع من الأدوات التي يلجأ إلى توظيفها المستبد للحفاظ على علاقات الاستبداد، منها السيطرة على الخطاب الديني.

قبضة حديدية مغطاه بالحرير

لحظة الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، نلاحظ كما لاحظ كثر غيرنا الحرص الشديد من قِبل السيسي على وجود ممثلي المؤسسات الدينية المصرية إلى جانبه، عن الأزهر كمؤسسة دينية إسلامية، وعن الكنيسة القبطية كمؤسسة دينية مسيحية، ومن خلال وجودهم المتحصل بطرق مثل ترهيب القوي منهم وترغيب الضعيف فيهم، ضمن الانقلاب كمشروع مفتوح للاستبداد، الشرعية الصورية.

تقوم المؤسسة الدينية هنا، ومن خلال ممثليها، بتكييف الخطاب الديني وفقاً لما تمليه مصلحة المستبد وضمان استمرار علاقات الاستبداد بصرف النظر عن المستبد فيهم وأحوالهم، وذلك من خلال آليات الإظهار والإقصاء والتوجيه النصي:

أولاً: الإظهار

من خلال هذه الآلية يقوم ممثلو المؤسسات الدينية بالتركيز المستمر على نوعية معينة من النصوص، وبشكل أداتي وظيفي، فيشيع مثلاً نصوص تؤكد ضرورة درء الشر والحفاظ على الأمن وطاعة الأمير، من خلال تصوير المطالبة بالحقوق عتبة الشرور، فتجد تلك المؤسسات مثلاً تستخدم نصوصاً مثل: "كما تكونوا يولى عليكم"، أو كالحديث الذي يقول: "عليك بالسمع والطاعة في يسرك وعسرك".. إلخ، أو الحديث الذي يقول: "من أطاعني فأطاع الله، ومن عصاني فعصا الله، ومن أطاع أميري أطاعني ومن عصاه عصاني، وأطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منك".. إلخ.

ثانياً: الإقصاء

من جهة أخرى تحاول المؤسسات الدينية في خطابها إقصاء أحاديث تفيد في معناها العصيان المدني والاحتجاج على المستبد، مثل نص الحديث القائل: "يأتيكم أمراء يقدمون أشرار الناس.. فإن أدرك أحد منكم هذا فلا يكون عريفاً ولا شرطياً ولا جابياً ولا خازناً"، أيضاً تختفي نصوص مثل: "الله يرفع الدولة الكافرة إن كانت عادلة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة"، ولا تسمع بالنص الذي يقول: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".

ثالثاً: التوجيه

وهو قيام ممثلي المؤسسة الدينية بإضفاء المكياج الديني على موقف أو حدث، وظيفته تسكين المستبد فيهم والرضا على المستبد، بهدف استمرار علاقات الاستبداد، مثال ذلك ما حصل مع السادات بعد الصلح المخزي مع إسرائيل، حيث بادر شيخ الأزهر أثناء استقباله للسادات من رحلة العودة باقتطاع الآية: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها"، من كل سياقاتها بهدف إضفاء الشرعية على الصلح مع الجانب الإسرائيلي.

لن نستحضر كل النصوص التي نذكرها، فلن يطول المقام لهذا، لكن الخلاصة هي أن الاستبداد يقوم بإفراغ المؤسسات الدينية من مضامينها المؤسسة لها، لتصبح وظيفتها الأساسية وظيفة تجميلية، تجميل الاستبداد أمام المستبد فيهم من خلال إضفاء أبعاد وهالات دينية على سلوكيات المستبد، كما تتجلى الوظيفة الأخرى لمثل تلك المؤسسات في محاربة وتكفير المتدينين الذين يرفضون تحويل الدين من منظومة إلى أداة.

من ناحية أخرى تساهم تلك المؤسسات في تشجيع التدين المسكن، الذي يعني: "اللهم ارزقنا إيماناً كإيمان العجائز"، ليس المعنى المقصود من قِبل قائلها، بل بمعنى أن يصبح الدين مرادفاً للأفيون بالمقصود الماركسي، أو باستخدام مصطلحات علم النفس، امتلاك أداة للتحايل النفسي المدعم بنص ديني معين؛ لتفريغ المكبوت وتسكين المستبد فيهم، وثنيهم عن الفعل المادي الهادف لتغيير أحوالهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.