المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حبش Headshot

يوم في حياة مواطن حلبي

تم النشر: تم التحديث:

استيقظت العاشرة صباحاً على صوت مولدة جارنا الصغيرة وقفزت لأغسل وجهي بماء من علبة بلاستيكية ثقبت غطاءها حتى تنزل قطرات كالصنبور وبذلك أوفر كمية كبيرة من الماء وبعدها وضعت ركوة القهوة على الغاز وخرجت لأشم بعض الهواء المنعش فهذه فرصة لا تتاح سوى في ساعات الصباح.

أنا مواطن حلبي يعيش في الداخل، بالقسم الغربي تحديداً من المدينة التي انقسمت نصفين، أريد أن أطلعكم على الأجواء بعيني لا بعين كاميرات الفضائيات المخادعة، فالصورة ليست كما تظهر على شاشاتكم حتماً.

أخذت ركوة قهوتي وتوجهت إلى الشرفة ومسكت هاتفي واتصلت بالإنترنت عبر خدمة الجيل الثالث حيث أن الاتصال عبر خدمة ADSL منقطع منذ آذار مارس الماضي ولا أمل بعودته قريباً، وصلتني رسالة من جاري في البناء المجاور يسألني إن وصلت المياه أم لا، دخلت إلى صفحة على فيس بوك متخصصة بنقل أخبار المياه، لا أخبار منذ أسبوع، أمر عادي، فالماء لا يزور بيوت الحلبيين إلا حياء، يصل أحياناً إلى أسبوعين وأكثر حتى تضخ مرة إلى قطاع معين ضمن المدينة حسبما تتكرم علينا الكهرباء وتلك قصة أخرى.

الماء والكهرباء ضدان لا يلتقيان حسب الفيزياء، لكن الفيزياء الحلبية أمر آخر يا عزيزي، فلا ماء بلا كهرباء لأنها تغذي المضخات التي تنقل الماء إلى البيوت البعيدة. والقصة هنا أن الكهرباء أيضاً لا تزورنا إلا مرة أو مرتين كل أسبوع ولمدة ساعة لذا سيطر القطاع الخاص هنا وتولى مسؤولية توليد ونقل الكهرباء من خلال مولدات كبيرة تجدها في كل شارع وبأسعار تصل إلى عشرات أضعاف تسعيرة الحكومة. ووصل القطاع الخاص إلى الماء أيضاً حيث أن بيوت الحلبيين عادة مجهزة بخزان واحد سعة متر مكعب وهي لا تكفي سوى لثلاثة أيام وسطياً، لذا سيحتم عليك إما حمل الماء من مناهل وآبار ارتوازية كما تفعل قبائل وسط أفريقيا، أو شراءها بأسعار تصل إلى آلاف ضعف التسعيرة الحكومية.

في الثانية ظهراً عادة تبدأ التغذية بالتيار الكهربائي من مولدات الأحياء، إنها تغذية أساسية فقط لا تتيح لك رفاهية استخدام الثلاجة إلا أذا كنت غنياً ومستعداً لدفع المال الكثير لذا يفضل أن تحولها إلى خزانة ملابس، وفي الخامسة عصراً عادة تتوقف للاستراحة لساعة وسطياً ومن ثم تعود بالعمل حتى الواحدة ليلاً، وبهذا يتحكم صاحب المولدة بمواعيد نوم الناس ونشاطهم اليومي. بالإضافة للمولدة الكبيرة في الحي الكثير من المنازل يملكون مولدات خاصة أو بالحد الأدنى إنارة متواضعة تغذيها بطارية سيارة. التجربة الطويلة على مدى أربع سنوات علمت الناس الكثير فيما يتعلق بتوليد الكهرباء بعد أن استنزفت من جيوبهم أيضاً.

وصل صديقي الذي يعيش في القسم الشرقي من المدينة وذلك بعد رحلة وصلت إلى تسع ساعات سفر تجول فيها بعدة محافظات مع أنه مسافر من حلب إلى حلب في رحلة كانت تستغرق منه عشر دقائق سيراً على الأقدام حتى أنه يمكنه رؤية وجهته بالعين المجردة لكن لا يمكنه الوصول إليها مباشرة بل عليه السفر بالباص 9 ساعات إلى إدلب وحماة فالعودة إلى حلب.

يخبرني ببشارة أن طريق خناصر - الشريان الوحيد الذي يغذي حلب - كان عليه قوافل المازوت والبنزين وهذا أمر مبشر فالأيام السوداء التي مرت على حلب بالحصار لاتزال وخزاتها بعظامنا ظاهرة كعلامة تثبت قدرة الإنسان الهائلة على التأقلم مع مختلف الظروف، كنا نخبز في بيتنا لأنه أرخص وكانت البندورة تباع بالحبة كما في متاجر أوروبا الفاخرة وفجأة ارتفعت أسعار كل السلع إلى عشرات الأضعاف واستمرت هكذا عدة أشهر ونتيجة انقطاع الوقود لم تعمل السيارات وكذلك مولدات الكهرباء المنزلية وأصبحت القطرة لها قيمتها وكانت الأسر تفطر في رمضانها على البرغل والمجدرة بدون بصل طبعاً لأنه غير متوفر.

وها هي أول سيارة لبيع الغاز تمر اليوم تعزف مقطوعة من موسيقى اغاني فيروز مترافقة مع الصوت المزعج للنقر بالمفتاح الانكليزي على أسطوانات الغاز، اليوم لا أحد يشتكي من هذا الإزعاج بعد أن جربوا شراء أسطوانة الغاز بستة أضعاف السعر وبعدها بالانتظار طوابير لساعات طويلة للحصول عليها بسعرها النظامي والآن تمر كل يوم عدة سيارات، إنه أمر مبشر، هذا الصوت كتخطيط القلب طالما أنه مسموع يومياً عدة مرات يعني أن الطريق سالكة.

رسالة من صديقي يسألني إن كنت قد وجدت مشترياً لمنزله مع أنه مدعوم بخط كهربائي أمني وبالقرب منه منهل ماء، أنه يريد اللجوء كما يفعل مئات الآلاف غيره، وألمانيا هي الوجهة بالتأكيد، فجأة ظهرت عشرات المكاتب التي تدعي بأنها للسياحة لكنها فعلياً للهجرة واللجوء، تساعد الناس بحجز رحلاتهم الجوية والبحرية من محافظات أخرى لأن مطار حلب لا يعمل للرحلات الدولية ولا فيها بحر حتى الآن.

بعد قليل سأذهب معه لشراء بعض لوازم السفر، هناك حقائب كبيرة مناسبة للعائلات في أسواق الشوارع البعيدة حيث أن المنطقة التي أعيش بها انخفض تصنيفها الأمني من جيد إلى مقبول نتيجة تزايد سقوط بعض أسطوانات الغاز المتفجرة عليها ما أدى إلى عزوف الناس والبسطات عنها فلا منطقة آمنة تماماً هنا. الناس في الأسواق تسير بحركة مجنونة، البعض يتحدث مع نفسه كالمجانين، البعض يتحدثون عن قذيفة سقطت بالجوار ويكملون طريقهم إلى الوجهة الهدف، متاجر الهواتف المحمولة تعرف طلبات الناس سلفاً، تطبيقات الدردشة للتواصل مع الأبناء بالمهجر وأسعار الهواتف تحسب بالدولار مع أن هذا ممنوع لكنهم يتقاضون بالليرة. لا أحد في هذه المدينة يستطيع أن يعيش على دخله، حسب تقديرات جمعيات حماية المستهلك فإن الأسرة المتواضعة تحتاج عدة أضعاف راتبها لتعيش، لا نتحدث عن رفاهية ولا أكل اللحوم ولا حتى الذهاب بنزهة، نتحدث عن وجبتين متواضعتين باليوم واللهم أبعد عنا شر الأمراض.

كيف تدبر العائلات أمورها؟ لا يسعني سوى أن أقول العناية الإلهية، أو التجربة السورية، فالكثير من الأسر اليوم أصبح يصلها دخل من الخارج وهو اعتماد رئيسي مع أنه لا يوجد في حلب أية قناة رسمية لتوصيل الحوالات الخارجية بعد أن أغلق المنفذ الوحيد منذ عدة أشهر أيضاً.

هذا قبس من الحياة في حلب الآن، أشياء لا تراها على التلفاز عادة، هنا تسير الحياة بجوار الموت، الناس اعتادت كل شيء حتى الموت لم يعد مخيفاً أو دافعاً للهروب منه، في كثير من الأحيان تكون جبهات المدينة هادئة والحياة فيها نابضة مع أن شوارعها خلت من الكثير من السيارات والناس بفعل الهجرة، أحياناً تحدث اشتباكات كبيرة وقد تصل إلى ساعات ثم تتوقف وتعود الحياة لتكمل سيرتها الأولى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.