المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد الزواوي Headshot

أي ديمقراطية تريدون؟

تم النشر: تم التحديث:

ما إن نقوم بعملية مسح للأوضاع في بلداننا، حتى نجد أنفسنا ننهمك في الدراسة بتعمق لمفاهيم وقيم بعينها راسخة في مجتمعات دول الشمال منذ عقود، ثم سرعان ما نخلص إلى نتيجة مفادها بأن كل ما يشوب مسيرة التنمية في مجتمعاتنا النامية عائدٌ إلى عدم تطبيق تلك القيم -كما هي- في مجتمعاتنا، وطبعاً نجد أدلة على صحة تلك المخرجات في كافة تقارير الأمم المتحدة، مما يضفي المزيد من الطمأنينة في أفئدتنا بأن الصواب قد حالفنا بالفعل بمقاربتنا المذكورة آنفاً.

"الحريات" هي أحد تلك المفاهيم الفضفاضة التي تشكل جزءاً من النسيج الزاهي الذي نحاول نسخه من المجتمعت الغربية على الدوام، وما ينضوي تحت ذاك المفهوم من ممارسات، بدءاً من المشاركة والمداورة السياسية الى المحاسبة وحرية التعبير إلى الحرية الاقتصادية والاجتماعية.

علينا التأكيد في البداية بأن شتى المفاهيم والقيم المجتمعية أياً كانت، لم تأتِ يوماً مسلوخة عن مفردات تلك المجتمعات، بل على العكس فقد ولدت من رحم تلك المجتمعات عبر عديد العقود، بل وكنتاج الوصول إلى درجة معينة من النضج التي صاغتها بالضرورة ظروف معينة مهدت لإخصاب المناخ العام وصولاً إلى المرحلة التي أنتجت تلك المفاهيم.

الحديث هنا، حول الكيفية التي ترنو بها الغالبية في مجتمعاتنا نحو ممارسة الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة مثلاً، بدون تحديد ولمجرد أننا نعتقد جازمين بأنها مطبقة بالغرب، وعلى اعتبار أنها المشعل الذي سيلقي بنوره على مسيرة التنمية البشرية في عالمنا العربي، فبالتالي نُجزم بأنه من التخلف بمكان أن لا نلاحق ركب دول الشمال، على اعتبار أنها "بنظرنا" ربان سفينة التطور.

على الرغم من أنه لو تسنى لنا التدقيق بالممارسة الفعلية في الدول المصدرة للتنوير لوجدنا أنفسنا أمام ازدواجية بينة في التطبيق، وذلك بدءاً من التمييز والعنصرية ضد الأفارقة والأقليات العرقية والدينية، وصولاً إلى الطريقة التي يدار بها المجتمع الدولي برمته في مجلس الأمن.

إن كان مصطلح الديمقراطية -وبنظرة قاصرة- يطلق أحياناً لوصف نظام الحكم في دولة نظامها السياسي هو من الناحية العلمية ليبرالي، إلا أن ذلك لا يعبر بالضرورة عن المعنى اﻷشمل لهذا المصطلح الذي نواصل اجتراره على الصفحات وفي الجلسات حتى أفرغناه من مضمونه!

لكن الأنكى من ذلك، وعند مطالبة شريحة لا بأس بها من الجماهير بتفعيل المفهوم على الطريقة التي اختاروا تفسيره بها، ينتج عنه رد فعل مساوٍ له بالزخم من قبل الجهات السيادية "في بلدٍ" ما، بأن العمل جارٍ على قدمٍ وساق نحو تفعيل الديمقراطية وعبر آليات محددة.
والنتيجة؛ مطالبة بمنطق واﻹجابة أيضاً بنفس المنطق اللامنطقي!

فلو أردنا إضفاء بُعدٍ أوسع بقليل لإسقاط هذا المفهوم على ثقافة مجتمع ككل بما يشتمل عليه من فئات وشرائح ومكونات. إذاً فالديمقراطيّة بحسب هذا المنطق -وبحسب تعريف المختصين- هي نظام اجتماعي معين يؤمن به ويسير عليه المجتمع ككل، وهو ينعكس على كل من الثقافة السياسيّة والأخلاقية للمجتمع والذي تتبلور فيه تلك المفاهيم لتؤكد على مدلول ضرورة تداول السلطة سلمياً وبصورة دورية.

وما تفرع عن ذلك أو ما يؤسس له من قيم ومفاهيم اجتماعية، مثل قبول اﻵخر، رسوخ مبدأ النقد مع تقبله سواء إيجابي أم سلبي على اعتبار بأنه وجهة نظر. وهنا تجدر الإشارة إلى أن كل ذلك لا يتفق والمعايير التطبيقية، إلا في حال تحقق التحرر الاقتصادي للمجتمع بأكمله من كافة مكبلاته من قوانين ناظمة نابعة من تقاليد معينة، والأهم من ذلك التحرر من التبعية الاقتصادية لدول أخرى! مضافاً إلى كل ذلك "حرية الصحافة" باتجاهين، أي من مصادر المعلومات وحتى الوصول إلى التغذية الراجعة ورد الفعل وتقبله، بل وحتى التحرر من العديد من القيم الدينية والأسرية والعادات والتقاليد.. إلخ.

وهنا علينا إلا أن ندرك، بأن النظام السياسي ما هو إلا أحد إفرازات النظام الاجتماعي ككل مما يعني بالضرورة بأنه جزءٌ لا يتجزأ منه. باختصار وحتى لا نقحم أنفسنا بقضايا تنحى إلى الفلسفة والجدلية، علينا وقبل المطالبة كمجتمع بتغيير معين، أن نعي بأن ما نطالب به بهذه الطريقة يتعارض وكثير من قيمنا المجتمعية وما يتفرع عنها أو يؤسس لها.. إلخ.

بوضوح أكثر، عندما نطالب بإدخال أي مفهوم حيز التطبيق بنظرة قاصرة، على الجميع أن يسأل نفسه، ويجيب بصراحة بالغة، هل سنقبل انحرافات معينة على أنها ضربٌ من الحرية؟ هل سيتقبل أحدنا اﻵخر حتى لو تبنى توجهاً آخر مثل العلمانية وحتى الإلحاد والعكس؟ بالمقابل هل سيرحب حزب ليبرالي يساري على سبيل المثال بترخيص حزب ديني يميني متطرف قائم بالأساس على إلغاء اﻵخر؟ وهل الدولة بأركانها كافة غير خاضعة أساساً لتبعية اقتصادية من أي نوع؟ هل سيرتضي الصحفي مثلاً النقد والمساءلة بشكل عملي من قبل الجماهير، وأن يضع لنفسه مدونة سلوك تقييد نظام عمله؟

وغيرها العديد من الأسئلة، والتي يجب بالضرورة الإجابة عليها مسبقاً بعد تفكر وتمحيص من كل النواحي وأبعاد تلك المفاهيم المستوردة بدون وعي وعلى مستوى المجتمع ككل.

فقط عند التحرر من كافة القيم المقيدة، وحتى نصل إلى تطبيق ذلك المفهوم على مستوى المجتمع -إن أفلحنا في ذلك- فإننا سنجد أنفسنا عرايا من كافة ما يميز مجتماعتنا. الخلاف هنا ليس على المفهوم نفسه وطرق تطبيقه وقياسه، بل على تفسيره بمعناه الأعم وبالتالي التيقن من مدى ملائمته لمجتمعاتنا قبل الجزم بشأن تطبيقه من عدمه.

التحفظ من ناحيتي الشخصية، وقبل كل شيء يتعلق بمبدأ استيراد مفاهيم تزعزع هوية القيم التي تَسِمُ مجتمعاتنا. والبديل هو مواءمة النظام الاجتماعي الذي نتفرد به وبعض الجزيئات المحددة التي تلبي طموح بعض شرائحها، مع اﻷخذ بنظر الاعتبار ضرورة إنتاج المفاهيم الجديدة محلياً -بدلاً من استيرادها- على أن تكون منبثقة من القيم التي بنيت عليها مجتمعتنا باﻷساس لا المجتمعات المصدرة وعلى أن تتواءم والظروف المحيطة للمجتمع.

فعند الالتفات إلى ما حولنا، نجد العديد من الحالات الجديرة بالدراسة حين نحلل مخرجات سحب المفاهيم على مجتمعاتنا والذي أدى في حالات عديدة إلى الإخلال بالسلم الأهلي للمجتمعات، وذلك سواءً على هيئة انقلابات على ورفض لنتائج الانتخابات، إلى غيرها من مما نشاهده يوماً على مواقع التواصل الاجتماعي من إرساء سبل الخلاف والانقسام المجتمعي ورفض الآخر على نحو ينسف المفهوم الأصلي عن بكرة أبيه، بل ويرسخ للعودة إلى الوراء بمسيرة التنمية، وبالتالي تنتفي الغاية التي طبق من أجلها بالأساس!

وعليه فإن أي نوع من أنواع التغيير، وحتى يكون فاعلاً وذا نجاعة ينبغي أن ينشأ من الداخل كما تؤكد كافة نظريات التنمية. وأول ملامح التغيير، لا بد وأن تكون التحرر من نير التبعية الاقتصادية التي ترزح على مفاصل الدولة ككل، وذلك من أجل توفير مناخ مناسب بالأساس لوضع أطر التغيير المرجو.

وحتى لا نستمر بتكبد كلف فادحة لمواصلة استيراد مفاهيم لا تلتقي وقيم مجتمعاتنا، بل وحتى تجانب الصواب بمعناه المطلق، لنوقف بذلك الجرح النازف من جراء إعصار الغزو الثقافي الذي ضرب بقوة جنبات مجتمعات دول الجنوب، وتركها ملقاة على قارعة الطريق نحو الحداثة.

في نهاية الكلام، إن كان المجتمع ككل يعاني الأمرين من عملية تهميش وعملية غزو ثقافي يؤدي إلى محو قيمه الأساسية، بهدف توحيد الهوية الكونية بما يتناسب وأهداف الثقافة الاستهلاكية التي أسست لها العولمة ومن ورائها. فكيف له أن يؤسس لحرية تنزع عنه ما يعتبره البعض استبداداً؟

وعليه لا بد من التوقف عن تقييم مسيرة دولنا بناءً على مدى نسخها لمفاهيم مستوردة، بل وبدلاً عن ذلك بناءً على مدى إنتاجها لمفردات التنمية الخاصة بها وذلك تبعاً للقيم المجتمعية الراسخة بالأساس. فالمنطق يقول بأنه من غير المعقول اجتزاء بعض من منظومة ثقافية ونسخه بمكانٍ آخر دون الإخلال بأساس المجتمع أو حتى المفهوم نفسه بمعناه المجرد!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.