المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد الزواوي Headshot

المجتمع العربي ووسائل الإعلام

تم النشر: تم التحديث:

خلال خوضه في بحور تأويل الفلسفة، إلى القيّم والفضائل الدينية، والوجود، مروراً بالعود الأبدي تطرق الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، في أحد فصول واحد من كتبه "إنسان مفرط في إنسانيته" والمنشور في عام 1879م إلى زاوية -ناسبت منهجه من وجهة نظره حينها- ناقش من خلالها أسباب تردي ذوق الكُتاب، فقد عزا الفيلسوف -الذي انتهت حياته بعد فترة ليست بالطويلة من إصابته بالجنون عام 1900م- السبب في ذلك إلى انخفاض معدل عمر الجماهير، وبالتالي تدني مستوى الثقافة لدى الشريحة الأكبر والتي بدورها تتطلب -تبعاً لحاجاتها- وجود كتاب يتوافقون ومستواها المتدني ثقافياً.

مع التأكيد على الاختلاف الشخصي مع السواد الأعظم من آرائه، لكن حتى لو اتفقنا أو اختلفنا مع وجهة نظره المحددة بهذا الصدد، إلا أننا على الأغلب سنتفق على جدلية تلك العلاقة الدائرية التكاملية التشكيلية أو حتى علاقة "الجزء بالكل" في ما بين الإعلام من جهة والمجتمع من جهة أخرى. من زاوية منعزلة عن العوامل المؤثرة الأخرى، بل وحتى بمعزلٍ عن النظريات التي وضعت لتحْكُم متغيرات العلاقة من وجهة نظر العلماء والباحثين، بعيداً عن متناقضات طبيعة العلاقة نفسها ومتغيراتها التي قُتلت عبر القرون بحثاً وتمحيصاً، وبغض النظر عن الأبعاد السياسية التي أدت إلى هيمنة دول بعينها ثقافياً عبر تعظيم حجم إنتاجها الإعلامي، ومن ثم السيطرة على منابع تكنولوجيا المعلومات، والتي مع استمرار تطورها الهائل قد عملت على تأطير تلك العلاقة -آنفة الذكر- على نحو غير مسبوق في عصر ثورة المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعي.

مع النمو المطرد لتلك الوصلات الافتراضية بين الجماهير والوسائل الإعلامية أخيراً، وبالتالي تعاظم حجم التأثير والتأثُّر، نتيجة لقدرة تلك الوصلات على ردم الهُوّة المفترضة سابقاً، والذي بالنتيجة سيلقي بشكل ملحوظ بمستوى "المحتوى الإعلامي" في مهب الريح. وخصوصاً في ظل وجود عدم التكافؤ في ميزان حجم الإنتاج الإعلامي وفاعليته، وميل الكفة بشكل حاد لمصلحة دول الشمال.

اتفاقاً في ذلك -إلى حد ما- مع آرثر آسابيرغر ونظرته الظلامية التي نحا لها في كتابه "وسائل الإعلام والمجتمع.. وجهة نظر نقدية"، الذي تناول فيه بعض أشد انتقادات العلماء حالياً لوسائل الإعلام ونصوص الثقافة الشعبية التي تحملها مثل قول برنارد روزنبرغ: "الثقافة الجماهيرية هي ثقافة تافهة، وهي ثقافة مرهقة تشوه ذوقنا (مما يمهد الطريق للشمولية) وتدمر ذوقنا لكي يصبح كل ما نحبه هو الفن الهابط!".

وبناء على ما سبق، فإننا نخلص إلى ما يُنَظر له الكثير من علماء الاتصال في العصر الحديث، بأن الاستعمار والإمبريالية الثقافية، والغوغاء الذكية، وتسطيح العقول قد باتت كلها تشبع الأبواب طرقاً، وخصوصاً في هذا الجانب من العالم الذي ما زال يثمل على كل ما هو مستورد من ذاك الجانب "المنير" من العالم.

في وقت لا تزال الأمواج العاتية المحملة بالمحتوى الإعلامي المُصَدر بكثافة تضرب بقوة لتغرِق المحتوى محلي الإنتاج، بل وحتى تضفي عليه عامدة ذاك الذوق الرديء الذي ما فتئ يطفئ بريق الهوية الأصيلة ويستبدلها بهوية مشوهة تلقي بظلالها على المجتمعات وثقافتها الشعبية ويُفقِدُها روحها وأصالتها وبالتالي مستقبل وجودها، وحتى لا تقبع المجتمعات النامية في أدغال غابات من العقول المحتلة، ولتسعى بالمقابل لإشعال شمعه بدلاً من شتم الظلام، فلا بدّ من تسليط الضوء على أهمية إثراء المحتوى ذاتياً في ما يتفق والقيم المجتمعية والثقافية الموسومة بوجدان المجتمعات، والسباحة عكس الطوفان القادم من الشمال، على أن تكون التنمية الذاتية هي الركيزة الأساسية وتحت عين مسؤولية اجتماعية تحدد أُطُر المحتوى الإعلامي بجدية وصرامة، وهنا تكمن أهمية وضع حد فاصلٍ لإيقاف ذاك المدّ الجارف للمحتوى الإعلامي، ومن ثمّ العمل على تحريره من نير أصفاد تكبل جوهر وجوده وتهدد مستقبله، حتى لا نصل إلى مرحلة ربما لا نعود نفرق بين الذوق الرديء للإعلام والصورة الواقعية التي يعكسها عن المجتمع، فحينها لن يتبقى ما يربط أيّاً من أواصر المجتمع الهشة ببعضها البعض سوى ما هو أوهنُ من خيوط العنكبوت.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.