المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد الشهراني Headshot

هيئة الأمر بالمعروف والأرقام

تم النشر: تم التحديث:

مؤخراً قام الكاتب في الشوؤن الإسلامية، الأستاذ إبراهيم السكران، بكتابة مقال حول التنظيم الجديد لهيئة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، كان مقالًا جيّدًا من ناحية أنه قدّم نظرة عقلانية لموقف معارضي هذا التنظيم، لكنه احتوى على خلل مفصلي يجعل للمقال تأثير معاكس تمامًا لما أراده الأستاذ إبراهيم شخصياً، قبل قراءة المقال كان لدي بعض القلق من التنظيم الجديد، لأني فعلاً أؤمن أن الهيئة لها أعمال مهمة تقوم بها، و أن تحويل هذه المهام إلى بقية الأجهزة الأمنية سوف يحدث خللًا في توفير الأمن، لكن بعد قراءة المقال و تحليل الأرقام الطذكورة فيه، أصبح من الواضح أن القرار الصادر من مجلس الوزراء كان في غاية الحكمة، بالرغم من كثرة المقالات المتداولة حول التنظيم الجديد، لا أعتقد أنّ أيًّا منها أعطى الجانب الاقتصادي والبراغماتي حقّهم من التحليل، ولذلك، سوف نقوم بتوفير نظرة بأسلوب تكلفة-منفعة.

بدايةً، لنحلّل الأرقام التي تحدّث عنها السكران في مقاله، يذكر أن الهيئة أوردت في تقريرها السنوي، السنوي أنّه خلال العام المالي 1434هـ/1435هـ، بلغ عدد الوقائع الجنائية المضبوطة 330,235 واقعة، و لكن عدد الوقائع الكبرى، و التي من ضمنها السحر، و الابتزاز، و هروب الفتيات، و شبكات الدعارة، و جنس ثالث، و خمور، بلغ عدد هذه القضايا فقط 4525 قضية، بمعنى آخر، عدد القضايا الكبرى بالنسبة لكامل عدد قضايا الهيئة يمثل فقط واحد في المئة! لذلك مغالطة كبرى أن يكتب السكران "فمؤسسة الهيئة التي ضبطت في عام واحد فقط: (330,235) ثلاثمائة وثلاثون ألف ومائتان وخمس وثلاثون واقعة جنائية، يراد من الشرطة أن تستوعب كل عمل مؤسسة أخرى في لحظة واحدة!"بحيث في الحقيقة لو وكل جميع مهام الهيئة المذكورة (من محاربة الإبتزاز و السحر و إلخ) هذا فقط يمثل 1% من أعمالهم، و ليس بصعب أن تستوعب وزارة الداخلية كل هذه القضايا في يوم و ليلة، خاصة أن 2748 من 4525 هي على الشراب، و الذي هو، و محاربة المخدرات، من أسياسيات شؤون رجال الأمن.

لننظر إلى الموضوع بدقّة أكثر، و لناخذ مكافحة الإبتزاز مثلاً، حسب تقرير الهيئة خلال عام كامل، و على مناطق المملكة جميعها، بلغ عدد قضايا الإبتزاز 587، من السهل جدًا وخلال فترة قصيرة أن تقوم أجهزة الأمن المتخصصة بوزارة الداخلية بإنشاء وحدة لمكافحة الابتزاز إذا كان عدد القضايا بهذا الكم، قد يظن السكران أنه بسرده لهذه الأرقام يعطي حجته واقع عقلاني من ناحية إدارية، لكن ما على القارئ إلا أن يحلل الأرقام لكي يجد أن الهيئة في الحقيقة لديها عدم فاعلية عالية جدًا، مثل ما ذكرت، فقط 1% من قضايا الهيئة هي من القضايا الكبرى في المجتمع! و على المرء أن يتسأل، ما هي طبيعة بقية 325,710 قضية التي صرف عليها موارد الدولة.

الآن بعد ما انتهينا من تحليل إحصائيات الهيئة، سوف نتنقل إلى نقد إداري لها، في هذا المقال لن امكث وقتاً على تجاوزات أفراد الهيئة في القبض، لأنها قد أستهلكت في النقاش العام الذي حقاً يفيد في مدى حكمة تقليص صلاحيات الهيئة هو النقد الإدراي و المؤسسي.

أدّت أحقية الهيئة في الضبط الجنائي، بدون أن تتبع لوزارة الداخلية ولا الإمارة أو البلدية التي تعمل فيها، إلى مشاكل عديدة في تنفيذ تشريعات حكومية رسميّة، لنأخذ مثال توقيف تصوير مسلسل حصل على تصاريح من إمارة منطقة الرياض و وزارة الثقافة من قبل هيئة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و هذا تجاوز مؤسسي و ليس فردي، و ناتج عن كون الهيئة جهاز منفصل و له سلطة تنفيذية شبه مطلقة.

هذا فقط نوع واحد من اعتداء الهيئة على نفوذ و صلاحيات أجهزة حكومية أخرى، يشمل أيضاً إيقاف الهيئة لمهرجان أطفال، و فعاليات ثقافية أخرى، كم من فعالية لم تقام بسبب عدم وضوح التشاريع من ناحية نفوذ الهيئة؟ بحيث رجل أعمال يحصل على التصاريح المطلوبة من الإمارة و الوزارات، و لكن لا يضمن أن استثماره سوف ينجح بسبب أن هيئة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بإمكانها تجاهل كل هذه التصاريح فيضيع ماله.

هذا النوع من العشوائية الإدارية يعتبر من أشد ما ينفّر ريادي الأعمال و المستثمرين، سواء الداخلي أو الخارجي، أيضاً خلال السنوات الماضية قامت الهيئة باستدراج شباب عبر تويتر و توريطهم في قضايا معلوماتية، و هذا تجاوز مؤسسي ضخم و لم ينته إلَّا عندما قامت مؤسسة حكومية أخرى (هيئة التحقيق و الإدعاء العام) بإصدار خطاب شديد النبرة تجاه مؤسسة الهيئة في تلك المناطق.

و أخيراً، علينا أن ننظر إلى الهيئة في سياق الظروف الاقتصادية الحالية، برنامج التحول الوطني، مما علمنا عنه حتى الآن، سوف يَعتمدُ بشكل أساسي على الإستثمار الأجنبي، و جعل الرياض موقع عالمي لريادة الأعمال و النشاط المالي، بغض النظر عن أي جانب آخر، علينا الإقرار أن التنظيم الجديد يجعل البلد جذاب للاستثمارالخارجي بشكل أقوى، لعدة أسباب أهمها أنه يوضح بشكل جذري ما هي علاقة الهيئة بالمجتمع في الإطار القانوني، و أن يجعل من السعودية مكانًا أفضل للعيش لمن سيجلبون المنفعة الاقتصادية لنا، و كل مرة قوَّموا الهيئة بتجاوز فردي، كضرب فتاة في الشارع أو التشهير بشخص قبل محاكمته، فإن هذا النوع من القضايا تنتشر في الإعلام و تقلل رغبة العالم الخارجي في الإستثمار باقتصادنا الذي يمر بأزمة في ظل إنخفاض أسعار النفط، و أيضاً يقلل من فرصة نجاح ريادة الأعمال المحلية للأسباب المذكورة حول عدم انقياد الهيئة لتصاريح الوزارات و الجهات الحكومية الأخرى، لكل هذه الأسباب صعب جداً الإقتناع بحجة معارضي التنظيم أنه يضر بالبلد من ناحية أمنية أو اقتصادية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.