المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد الشهراني Headshot

نعم لفرض الضرائب!

تم النشر: تم التحديث:

في هذه المقالة استعرت تكتيكاً من صاحبي سعيد الوهابي، بأني وضعت عنواناً يستفز القارئ ويوحي بأمر غير مقبول بتاتاً لعامة المجتمع، موضوع الضرائب يثير الكثير من المشاعر للفرد، خصوصاً لمجتمع كالسعودي الذي لم يمس حقيقتها أبداً.

برأيي النقاش العام عن الضرائب لدينا سطحي، وهنالك أمور كثيرة لا يتم النظر إليها بخصوص هذه الآلية التمويلية.

في هذه المقالة أود طرح بعض من إيجابيات الضرائب غير البديهية، ولماذا برأيي فرض الضرائب أمر ضروري للاستدامة، لكن دعوني أكون واضحاً، أنا كجميع مواطني هذه الدولة لا أقبل أن يتم أخذ مالنا ووضعه في خزينة لا علم لدينا عن ماذا يصرف منه، ولا صوت لنا على طريقة صرفه ومحاسبة من يفسد بها.

كل ما سوف يتم نقاشه في هذه المقالة معتمد على افتراض أنه في حال تم فرض الضرائب بأنه يتغير العقد الاجتماعي الحالي بالسعودية، ويصبح لمن يؤخذ جزء من ماله حقوق تتناسب مع الواقع الجديد.

لنبدأ بأول وأهم فائدة للضرائب مقارنة بالنموذج الحالي: فيضان بيانات! تحدث مع أي مستشار إداري في السعودية، بل أي شخص يعمل في التخطيط والاستراتيجية، ولن تمر ساعة من دون أن يتكلم الشخص عن شح البيانات في الخليج والسعودية خاصة.

في نظام الضرائب، المواطنون والشركات يقومون بتدوين أعمالهم الخاصة، وأين وضع مالهم؛ لكي يتم تحديد النسبة المناسبة من مالهم التي تؤخذ كضريبة.

بسبب هذه الأسس للنظام، في نهاية المطاف يتكون لدى الحكومة قاعدة بيانات هائلة عن أمور عميقة تتعلق بالاقتصاد والمجتمع، هذه البيانات ليست فقط مفيدة للقطاع العام، بل أيضاً للقطاع الخاص، حينما تقوم الدولة بنشر أجزاء منها للاستعمال العام، هذه المعلومات ضرورية جداً؛ لكي يتم أخذ السياسات المناسبة (سواء في القطاع العام أو الخاص)، وبلا شك لا توجد طريقة أخرى لإنتاجها من دون نظام ضرائب ضخم، أيضاً، بسبب تعقيد إجراءات الضرائب ستتحفز الشركات والمواطنون إلى الانتقال للدفع الإلكتروني، مما سيخلق المزيد من البيانات الجيدة.

الفائدة الكبرى الأخرى هو تغيير الحوافز المؤثرة على قرارات الحكومة، حالياً فقط جزء صغير جداً من تمويل الدولة يأتي عبر الضرائب على الشركات غير الحكومية، مهما كان من يشغل المناصب الحكومية، التاريخ أثبت أن الأنظمة أقوى من الأفراد، والنظام الحالي لا يعطي حافزاً قوياً بشكل مباشر للدولة بأن توضع إجراءات وسياسات تنمي القطاع الخاص النقي (هنا أبعد الشركات شبه المملوكة للحكومة)، سواء نما القطاع الخاص أو لم ينمُ، الدولة سوف يكون لديها نفس الميزانية.

في حال انتقلنا من النظام الحالي إلى نظام شبيه بكل دول العالم المتقدمة لأصبح لدى الحكومة حافز أقوى بأنها تراعي القطاع الخاص وتحرص على تنميته؛ لأنه في هذه الحالة يوجد تناغم بين حوافز الحكومة وحوافز القطاع الخاص، تفيد أيضاً الضرائب بأن تقلل من مشاركة الحكومة بشكل مباشر في الاقتصاد، الذي برأيي يعد من أضر السياسات الحكومية على المدى الطويل.

من أسس نظام الضرائب الشبيه بالأنظمة العالمية هو المشاركة العادلة في تكاليف المجتمع والصعود الاجتماعي.

في مقابلة ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تحدث الأمير عن نظام الإعانات الحكومية الحالي الذي يفيد الغني أكثر بأضعاف من الفقير، العكس صحيح في الضرائب، في أنظمة الضرائب التصاعدية (progressive taxation)، كلما زاد دخل المواطن زادت الحصة المتطلبة منه.

أسباب كثيرة أدت إلى تطور الولايات المتحدة، لكن من أهم الأسباب برأي الكثير من المؤرخين الاقتصاديين هو توزيع ثروات الأغنياء للفقراء على شكل جامعات متاحة لكل الطبقات ومستشفيات عامة وخدمات مخصصة للطبقات الكادحة، بل لا يكفي أن يتم توفير الإعانات لذوي الدخل المحدود، لا بد من تجرد بعض الطبقات الغنية من بعض المال؛ لأنه باستمرارها في تخزين الثروة يقتل الصعود الاجتماعي؛ حيث يبقى أحفاد الغني أثرياء وبما إن المال في الاقتصاد أمر نسبي يبقى حفيد الفقير فقيراً، في نظام الضرائب المذكور، فقط يستمر ثراء أحفاد التاجر إذا استغلوا ثروته بشكل مرتبط بإنتاجيتهم وإنتاجية الاقتصاد.

المنفعة الأخيرة تتعلق بالأدوات المتاحة للحكومة في توجيه الاقتصاد، في الدول المتقدمة، الأدوات هي: نسبة الفائدة في الاقتراض، والتنظيمات الرقابية، والضرائب. بسبب ربط العملة تفقد حكومتنا الأداء الأول بشكله الصحيح، والأداة الثانية يصعب التنبؤ بفوائدها وأضرارها، والثالثة لا وجود لها لدينا حالياً.

في الولايات المتحدة حينما تريد الدولة من قطاع معين أن يفعل أمراً للفائدة الاجتماعية، إحدى أفضل الطرق هي محفز مالي على شكل (Tax Credit)، ومن أفضل الأمثلة على استعمالها هو الـOrphan Drug Tax Credit الذي يجزي الشركات التي تستثمر في البحوث المختصة بالأمراض النادرة، ولولا هذا الحافز، لما كان للشركة أي دافع مالي بتحمل تكلفة الأبحاث؛ بل أيضاً يسمح هذا النظام لصناع القرار بتوجيه التصرف المالي وغير المالي للأفراد، كإعطاء Tax Credit لمن لديه 3 أبناء أو أقل فقط.

في النهاية كل من هو مطلع على علم الاقتصاد يدرك أنه لا نستطيع أن نستمر بالوضع الحالي للأبد، جميع دول العالم -ما عدا الدول النفطية- تعتمد بشكل أساسي على الضرائب؛ لكي تمول الحكومة والبرامج الاجتماعية، فالنظام التمويلي الحالي غير مستدام، وفي النهاية سوف يكون من الضروري تبديله بالنظام السائد عالمياً (ربما بعد 30 إلى 70 عاماً بعد ذروة طلب للنفط). في رأيي من الأفضل تطبيق هذه العملية قريباً، ليس من أجل التمويل، بل لكي نحصل على المنافع المذكورة أعلاه التي هي من أسس التخطيط الاقتصادي.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.