المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد الشهراني Headshot

برنامج "كجسب" السعودي للمواهب.. كيف غيرت جامعة "كاوست" حياتي؟

تم النشر: تم التحديث:

هنالك قصص نجاح كثيرة لا يعلم عنها المجتمع السعودي، وبرأيي من أهمها برنامج ابتعاث صغير وبعيد عن الأنظار، مؤسَّس من قِبل جامعة الملك عبد الله. اسم هذا الإنجاز هو "برنامج جامعة الملك عبد الله للطلبة الموهوبين KAUST Gifted Students Program". هذا البرنامج الفريد من نوعه الذي يحمل اسم الملك عبد الله -رحمه الله- هو بلا شك من أفضل المبادرات المثمرة في المملكة.

بدايةً، وقبل أن أتعمّق في تفاصيل البرنامج، أود أن أنوه إلى بعض الأمور المهمة؛ أولاً: هذا المقال مكتوب بمبادرة شخصية مني ولا يمثّل الجامعة بأي شكل من الأشكال. ثانياً: لست عنصراً محايدا وقد يُؤخذ عليّ التحيز في مقالي هذا؛ لكوني طالباً سابقاً في البعثة ولأن هذا البرنامج بالنسبة إلي قد غيّر مسار حياتي جذرياً وله مكانة خاصة في قلبي وقلوب الكثيرين من زملائي. ثالثاً: المقصود من هذا المقال ليس تزكية طلاب "كاوست" على غيرهم، ولكني وددت إيضاح هذا البرنامج جميع أبعاده للأشخاص الذين ليس لديهم أي خلفية عنه وأُظهر أسباب تفوق البرنامج على منافسيه. وأخيراً، في نهاية المقال سوف أذكر بشكل بسيط أساسيات القبول في البرنامج وآلياته*.

سوف أبدأ باختصار بسيط عن تاريخ البرنامج وهدفه: حين أنشئت جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) لأسباب عديدة، قرروا أن تكون الجامعة فقط للدراسات العليا؛ أي من دون قسم للدراسات في مرحلة البكالوريوس. لذلك، قسم "المبادرات السعودية" في الجامعة، الذي هدفه زيادة نسبة السعوديين في "كاوست"، قرر أن ينشئ برنامج ابتعاث في سنة 2008 قبل حتى ما تفتح الجامعة، والهدف منه ابتعاث طلاب سعوديين إلى أفضل جامعات العالم لكي يعودوا للبلد ويكملوا دراساتهم العليا في "كاوست".

الدفعة الأولى من البرنامج ابتُعثت إلى جامعات عالمية؛ أمثال Harvard, MIT, University College London. بعدها، البرنامج بدأ يتوسع، حيث أول دفعة كانت 25 طالباً فقط، والدفعة الأخيرة تقريباً 120 طالباً وطالبة. الخط الزمني للبرنامج هو التالي: سنة لغة، سنة تحضيرية، و4 سنوات كلية. قد يتعدى الطالب أياً من المرحلتين الأولييْن حسب حالته (أنا شخصياً ذهبت مباشرة للسنة التحضيرية وكذلك الغالبية العظمى من دفعتي).

للبرنامج محاسن كثيرة؛ من أهمها أن القبول يتم على قدر عالٍ من الشفافية والتنوع، فلا يتركز على منطقة معينة أو مذهب معين أو خريجي مدارس معينة. فتجد في الدفعة الواحدة سُنّة وشيعة، سكان مدن وسكان قرى، خريجي مدارس حكومية وخريجي مدارس عالمية. إدارة البرنامج حريصة على أن يمثّل طلاب وطالبات "كجسب" المجتمع السعودي بشتى ألوانه. بهذه الطريقة، استطاعت البعثة أن تجذب أفضل مواهب البلد وتكون الاختيار الأول لغالبية متفوقي الثانوية، حيث إن غالبية من يُقبلون يكونون أيضاً مقبولين في بقية برامج الابتعاث (سابك وأرامكو) وأفضل الجامعات المحلية، لكنهم بشكل شبه مؤكد دوماً يختارون بعثة "كاوست".

لكن، برأيي أهم عنصر نجاح للبعثة هو حرص الإدارة على تكوين مجتمع للطلبة. إدارة "كجسب" تعمل بشكل متعمّد على اتخاذ إجراءات تساعد الطلبة على أن يكوِّنوا بينهم روابط عميقة وكثيفة، وهذا من أساسيات نجاح الجامعات العالمية، بحيث إن جامعات مثل هارفارد وستانفورد أدركت من بدايتها أن قوة العلاقات التي يكوّنها الطالب مع زملائه سبب رئيسي في نجاح الطالب. من أمثلة هذه السياسة: البعثة تنسّق اجتماعاً سنوياً لكل الدفعات لمدة 3 أيام في الولايات المتحدة. في هذه الاجتماعات، يقابل الطلاب الدفعة الأكبر والأصغر ويكوّنون منها علاقات مفيدة جداً.

كمثال بسيط، عند دراستي في السنة التحضيرية كنت محتاراً؛ إذ كنت أود أن أقدم على جامعة Yale لأن التقديم فيها صعب ويستغرق وقتاً طويلاً وفرصة القبول فيها ضئيلة جداً. تحدثت مع صاحب لي اسمه محمود غلمان كان يدرس حينها في MIT . أخبرته بمجموع درجاتي وأبلغني أن درجاتي متقاربة مع درجاته في العام السابق وقد قامت Yale بقبوله حينما قدم عليها، كانت هذه المحادثة البسيطة سبباً في تحفيزي على التقديم والثقة بفرص قبولي.

طبيعة المجتمع في "كجسب" تعطي للفرد وسيلة ارتباط مع كمية ضخمة من الأفراد الناجحين في مجالاتهم. كما أن البرنامج يعزز الروح التنافسية للطلاب بسبب حجم البرنامج وطبيعة مجتمع الطلاب فيه، حيث هنالك مجال رؤية عريضة للطلاب يتيح للكل رؤية المتميزين من دفعته والدفعات السابقة، ولذلك يتكون لدى الطالب والطالبة رغبة في التنافس والتميز بشكل أدق مما يحصل في برنامج ضخم مثل "أرامكو".

أمر آخر أراه سبباً لتميز "كجسب" على منافسيه؛ وهو الروح التعاونية الديمقراطية التي تحظى بها إدارة البرنامج. على عكس طلاب "أرامكو" و"سابك"، طلاب بعثة كاوست لديهم اتصال عالٍ مع إدارة البعثة يصل إلى نائبة رئيسة كاوست الدكتورة نجاح عشري (المسؤولة عن قسم المبادرات السعودية في الجامعة). فلم أرَ في كل السنوات التي عشتها في البرنامج موقفاً تقول فيه الإدارة "هكذا نظامنا ولن نناقشكم به". كل حالة تحدث في البرنامج، تقوم الإدارة بمناقشة الطالب وتأكيد أحقية الطلاب في استئناف القرارات.

على سبيل المثال: في العقد الذي بين الطالب والبعثة، حينما يحصل الطالب على القبول في عدة جامعات، القرار النهائي في أين يدرس الطالب يرجع لإدارة البرنامج. في أكثر من مرة، اعترض طلاب على الجامعة التي قررت الإدارة إلحاقهم بها، فوصل الموضوع إلى الدكتورة نجاح وتكوّن حوار مع الطلاب، وفي بعض الأحيان تُدخل الدكتورة نجاح رؤساء أقسام من الجامعة لكي يناقشوا الطالب عن سبب كون الجامعة المختارة أفضل من الناحية الأكاديمية من الاختيارات الأخرى؛ بل قد رأيت طلاباً أتاهم قرار طرد من البعثة، وحين مارسوا حقهم في الاستئناف (الذي تذكّرهم به الإدارة مع بلاغ القرار) تم إعادة بعضهم.

هنالك الكثير مما يميز هذه البعثة عن منافسيْها الرئيسيْن (بعثة سابك وبعثة أرامكو)، والنتائج تثبت -بلا شك- تفوّق بعثة كاوست، حيث إن عدد الطلاب الذين يتم قبولهم في أفضل 15 جامعة أميركية في سنة واحدة أكبر من أعداد الطلاب المقبولين في أفضل 15 جامعة من بعثتي "أرامكو" و"سابك" مجتمعتيْن.


كمثال، عام 2014 حصل طلاب بعثة كاوست في قبولات الجامعات التالية:

Princeton, Yale, Columbia, MIT, UChicago, Stanford, UPenn, UC Berkeley, Carnegie Mellon, UCLA, Dartmouth, Brown, Duke, Rice, UT Austin

بينما في السنة نفسها فقط، طالب واحد من بين مجموع طلاب البعثتين الأخريين تمكّن من القبول في جامعة ضمن أفضل 15. وغير معيار مستوى قبولات الطلاب، أيضاً الأماكن التي يحصلون فيها على وظائف أو عمل صيفي تثبت أن بعثة كاوست لا تقارن بمنافسيها، فمن بين الشركات التي حصل الطلاب فيها على عروض وظائف أو تدريب:

Google, Facebook, Twitter, Yahoo, Amazon, Microsoft, Goldman Sachs, Dow Chemical, Aramco, Schlumberger, Air Liquide, Tesla, SpaceX, NASA, McKinsey, Oliver Wyman, Uber, Careem, Emaar

أيضاً، الطالب عبد الرحمن الفوزان، الدارس في MIT، أسس مع زملائه شركة للشحن اللاسلكي حضنتها الحاضنة المشهورة Y Combinator!

الجدير بالذكر أن طلاب كاوست ملزَمون بالمحافظة على معدل يتراوح بين 3.3 و3.5 من 4، بينما من اللازم أن يحافظ الطالب في برامج "أرامكو" و"سابك" على معدل 2.5 من 4.

في الختام، ليس الغرض من المقال رسم صورة خيالية عن البرنامج، فالبعثة كغيرها من البعثات لديها عيوب وأمور قد يعانيها الطالب، لكنها من وجهة نظري الشخصية من أفضل المؤسسات التي يلتحق بها الطالب بعد تخرجه في المرحلة الثانوية، وهي برأيي تجربة فريدة من نوعها تساعد الشخص على التطور والنجاح، سواء في المجال الأكاديمي أو المهني أو غيره. وبإذن الله، سوف يستمر البرنامج بكونه من أفضل ثمرات عهد الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وغفر له، ورفع درجاته على كل ما قدمه للأمة من تقدم.

_____________________________________

* آلية القبول في البعثة: في كل عام ترشح مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع (موهبة) عدداً معيناً من الطلاب ليحصلوا على دعوة للتقديم في البعثة.

من شروط البعثة أن تكون درجات الطالب المقدم مرتفعة، حيث إنه في الغالبية العظمى من الحالات لا يتم قبول إلا أصحاب الدرجات العالية في القدرات والتحصيلي (درجة 80% وما أعلى) وغيرها من الاختبارات مثل SAT. إذا كان لديك درجات عالية وإنجازات جيدة ولكنك لم تكن من المشتركين في "موهبة"، فبإمكانك مراسلة البرنامج عن طريق موقعهم الخاص KGSP.KAUST.edu.sa ومحاولة الحصول على ترشيح للتقديم عن طريق الموقع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.