المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد الشهراني Headshot

جيل ما بعد حرب الخليج

تم النشر: تم التحديث:

كوني من مواليد التسعينيات الميلادية، أعتبرُ من الجيل الذي ولد بعد أحداث حرب صدام على الكويت. هنالك الكثير من الأمور التي يتضمنها كوني من جيل ما بعد حرب الخليج، لكن شخصيًا الشيء الذي لطالما لاحظته هو أني ولدت لدولة سعودية مقتنعة شعبًا وحكومة أن أمننا القومي في أيد آمنة: أيدي الولايات المتحدة الأمريكية.

حينما وعيت سياسيًا، بدأت أسأل كثيرًا من أقاربي الذين ينتمون إلى القوات المسلحة عن وضع جيشنا، والرد المتكرر كان أن قواتنا ليست لديها القوة على مواجهة عدو حقيقي مثل إيران أو إسرائيل أو العراق (قبل الغزو الأمريكي). لكن ما فاجأني ليس الرد نفسه؛ بل الاطمئان الذي يتحدثون به؛ حيث يتبع تصريحاتهم حول جيشنا كلام مضمونه "لا نحتاج جيشًا قويًا، أمريكا سوف تدافع عنا مهما حصل". ولا أظن يحتاج إلى تحليل عميق لاستنتاج أن هذا الموقف كان معتمدًأ أيضًا من قبل الوكالات الحكومية المرتبطة بالدفاع.

وأما الجيل الذي بعدنا، والذي حاليًا يدخل في وعيه السياسي؛ فهم مقبلون على واقع مختلف تمامًا عن ما واجهناه. مقبلون على "الصدمة" أن الولايات المتحدة لم تعد ضامنًا لسلام دول الخليج؛ بل حتى أصبحت متقاربة إلى فرس إيران. استخدمت كلمة "صدمة" لأوصف ما حدث لكثير من الشعب حينما أدركوا هذه الحقيقة؛ لكن شخصيًا لا أظن أن ما حدث هو صدمة لأي شخص ينظر بثقب إلى علاقتنا مع الولايات المتحدة.

علاقتنا مع أمريكا ليست مبنية على أي ارتباط ثقافي أو حضاري، بل نحن وأمريكا في تعارض شديد من ناحية القيم: نحن ملكية مطلقة وهم جمهورية ديمقراطية، أمريكا دولة علمانية تحرص على المبادئ الليبرالية، والسعودية دولة دستورها كتب دينية وحريصة على القيم التقليدية والمحافظة.

ولهذا السبب؛ ليس هنالك أي تأييد من الجمهور الأمريكي على العلاقة بين الحكومتيين. أوضح دليل على أهمية القيم المشتركة في السياسة الخارجية الأمريكية هو ما حصل موخرًا في البيت الأبيض، حين التقى أوباما مع الرئيس التونسي. بعدما رفضت الإدارة الأمريكية منح دول الخليج صفة "حليف أساسي خارج الحلف الأطلسي"، عزم أوباما على منح هذه العلاقة إلى تونس؛ بسبب حكومتها الديمقراطية.

أيضًا، علينا أن ننظر للموضوع من ناحية تكاليف مادية؛ حيث أي دفاع عن السعودية من قبل الولايات المتحدة سيتطلب بالتأكيد تضحية جنود أمريكان، ولا أظن أن هنالك رئيسًا أمريكيًا يتسطيع إقناع شعب خاض تجربة حرب العراق أن يدخلوا في حرب أخرى في الشرق الأوسط من أجل دولة لا قيم مشتركة لها معهم أبدًا. لكي يتضح عند القارئ أكثر، السعودية -حكومة وشعبًا- ساندت ودعمت إخواننا المسلمين في أفغانستان ضد الغزو الروسي، ولكن هل تظن أن الشعب السعودي سيقبل أن يقتل أبناؤه دفاعًا عن بلاد لا قيم مشتركة لنا معهم، مثل لو أن روسيا قررت غزو كوريا بدلًا من أفغانستان؟ بمعنى آخر، الرابط الوحيد الذي كان يوطد العلاقة "السعودية-الأمريكية" هو المصالح الاقتصادية (النفط). لكن، كما أثبتت لنا السنون الأخيرة؛ هذا الرابط ضعيف ومؤقت، خاصة بعد تطور الصناعة النفطية الأمريكية.

إسرائيل، بالرغم من الكره الشخصي الذي يحمله أوباما تجاه نتيناهو، ما احتاجت أن تقلق يومًا على مساندة الولايات لها؛ حيث إن الولاء لإسرائيل متغلل في الثقافة الأمريكية، وخاصة عند يهود أمريكا الذين لديهم مناصب عليا في الدولة والشركات والصحف، ولا تتغير سياسة أمريكا تجاه الاحتلال الصهيوني بتغيير الإدارة، مهما صار. لكن، بالرغم من ذلك، حرصت على أن لا تكون لها حاجة إلا الضمان الأمني الأمريكي؛ حيث طورت قواتها المسلحة وركزت أشد التركيز على تكوين قوة دفاعية خارقة لا تحتاج إلى جنود أمريكا إلا في حال الحرب.

بعد ما استوعبنا أننا كنا نعيش في وهم من ناحية الضمان الأمني الأمريكي؛ أتمنى أن تصبح سياستنا الخارجية، وخاصة المتعلقة بالأمن القومي، في محل تشكيك دائم من قبل المسؤولين، لكي لا نكشف أن إحدى قناعاتنا في الحقيقية ليست واقعية.

شخصيًا، أظن الوهم الذي يعيشه الشعب الآن، والذي موازٍ للوهم الذي أصاب جيل ما بعد حرب الخليج، هو ألا تستطيع قوات خارجية مس حدودنا بشكل هائل: لا تستطيع دول مثل إيران، أو منظمات مثل داعش، أن تتجرأ أن تدخل في مواجهة مباشرة مع القوات العسكرية السعودية. هذا أحد المسلمات الذي أتمنى أن نكون على حق به، ولكن التاريخ يثبت أنه في الحقيقة ليس أمرًا مسلما بوضعنا الحالي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.