المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبد السلام فودة Headshot

الرجل والضريح والفاتحة

تم النشر: تم التحديث:

دخل على الضريح وقال: الأمة عادت كالقطعان السارحة، وقرأ على روح مَن في الضريح الفاتحة، ثم قال: يا سيدي لا تُكثر عليّ الملام، إن أكثرت عليك الكلام، فأنا رجلٌ كُلي أسى، وبكلامي معك قد أرتاح علَّ وعسى، أعرف أنك لن تُجيب، ومن يسمعني أُخاطب ضريحك سيظُنني رجلاً مجنوناً غريب.

يا سيدي.. منذ غدوت لم نَعُد نُعِدّ ما استطعنا من قوة ومن رباط الخيل، ونريد أن ننتصر فقط بالدعاء بالنهار وبالليل، فبالأمس وبعد أن أنهى خطيب الجمعة خطبته العصماء، رفع يديه للدعاء، وصار يقول: اللهم دمر للعدو الطائرات، وأرنا فيهم يوماً قبل الممات، اللهم أغرق للعدو السُفن، وامسح عن عيوننا الحُزن، اللهم انسف لهم البوارج، وأغلق عليهم كُل المخارج، اللهم واجعل جنودهم عندنا أسرى، كما فعلت لجند هرقل وكسرى، اللهم نكس لهم الرايات، واجعلهم لغيرهم عظات، فصرت أهتز وأجفل؛ لأنه لم يَبق لنا ما نفعل، أيُرجع لنا الله ما اغتصب من بلاد، دون قتال أو عتاد، أيأتي النصر على عدوّ قويّ متين، بأن نقول وراءه آمين!

يا سيدي نحن في زمان أصبحت تسير فيه الأمور بالنفوذ والسطوة، وَتُحَلُ أكبر المشاكل بفنجان قهوة، وَتَدفَع هُنا أو هُناك المال، فتغير أسوأ الأحوال فما عاد بيننا أبو عبيدة عامر بن الجراح، وأمناء اليوم في هذه الأمة عمقوا فينا الجراح، ما بين رجل على أُمة يؤتمن، ورجال وضعونا في المِحَن، ما بين عصر كُنا فيه بالقِمة، وعصر يَبعَثُ على الغُمة، وُلِدَ الطفل الرضيع، فانضم لأجيال تضيع.

يا سيدي في كُل يومٍ وأمس، يَخرُج علينا مسؤول يصيح بصوتٍ عالٍ يخلو من الهمس، أن الاعتداء على جيوب العباد فساد بيّن، ومكافحته عليّ أمرٌ هيِّن، ولن نسكُت عنه لدهور، فيصفق له كُل الحضور، لكن تناسى هذا المسؤول المحبوب، أن تفصيلة بناطيل العباد أصبحت بدون جيوب؛ لأنه وبكل بساطة لم يَبقَ معهم لا ماسك ولا فراطة.

يا سيدي.. ماذا أقول لك عن قنواتنا الفضائية العربية التي تُصيب متابعها بصدمة، فهي علينا نقمة، فكل القنوات تزدحم ببرامج الطبخ العالميّ العريق، والمتابع يأخذ زفيراً وشهيقاً ويبلع الريق، وصفات من كُل البلدان، يطبخها رجالٌ ونساءٌ حِسان، دجاج ولحمٌ وحلوى، صدقني جلبت لنا البلوى، لن أُعددها لك بإسهاب، فكُلُها مما لذ وطاب، طبعاً ما هذه البرامج إلا غباءٌ كبير، فهم يطبخون لشعوب لا تملك ثمن المقادير.

يا سيدي.. منذ ما يزيد عن شهر ومسلمو الروهينغا يُقتلون فما ذَرَفَ العالم لأجلهم الدموع، ولا أشعل لأجل الضحايا الشموع، وما زالوا يُقتلون، وبالخيام يسكنون، ثم جاء الدور على أقلية الإيغور في إقليم شينغيانغ الصيني؛ حيثُ يُضطهد الرجال والنساء، وكثيرٌ من أُمتنا لم يسمعوا بهم ولا يعرفون من هؤلاء، لقد منعوهم في رمضان من الصوم، ولم يبكِهِم أحدٌ من القوم، ومنعوهم من حمل سجادات الصلاة والمصاحف بشكل وقحٍ وفج، ولم نسمع أحداً من الأمة يَحتَج.

يا سيدي.. أُعاهِدُكََ بإرجاع فلسطين، فصاح صوتٌ مِن الضريح: وهل أضعتموها يا لعين؟!، صار الرجل يتلعثم، أميتٌ يتكلم؟! وقال بصوت رجوف أخذها اليهود ألا تعلَم؟!، قال مَن في الضريح: وماذا فعلت أمة ليس لأرضها حد؟، قال الرجل: شجبنا واستنكرنا واحتفظنا بحق الرد، فقام من الضريح، حزيناً جريح، وشتم الرجل وأباه، وصفعهُ على خده وقفاه، وصاح آآآآآآهٍ أوجعتم صدري، فخرج الرجل يجري، وقال بصوتٍ منكسرٍ حزين: ما أشبه اليوم بالبارحة، صلاح الدين مَن سيقرأ عليكم الفاتحة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.