المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبد السلام فودة Headshot

سياسة آمين

تم النشر: تم التحديث:

تذكرني السياسة الخليجية الحالية بموقف طريف حصل لي مع أحد الأصدقاء عندما كنت في إحدى الدول الخليجية قبل عدة سنوات، حينما كنا نريد ابتياع بعض الحاجيات من أحد المولات، وعندما وقفنا عند قسم لبيع المخللات كان يقف عند البائع رجل من مواطني هذه الدولة الخليجية، وكان يسأل البائع عن مصدر هذه المخللات، فأجابه البائع بأنها من الشام حينها أخذ الرجل يقول: وهل بقي شيء في الشام،

لقد دمرها المجرم قاتله الله، وهو يقصد الأسد بالطبع، وأردف قائلاً: اللهم اهزمه، ثم سرعان ما نظر إلينا أنا وصديقي وصاح بنا: ولماذا لم تقولا آمين هل أنتما معه؟! ولم ينتظر حتى أن نجيبه فأخذ يقول: اللهم العنه هو ومن معه، اللهم قاتله هو ومَن معه، وهو يقصدنا نحن بالطبع، فقد حكم علينا أننا من مؤيديه لمجرد أننا لم نقل خلفه آمين. ويبدو أن الساسة الخليجيين تتوافق سياساتهم بشكل كبير مع عقل هذا الرجل من عامة الشعب، فقد استحدثوا سياسة جديدة تُدعى سياسة "آمين"، بالإضافة لأنواع السياسة الأخرى المعروفة عالمياً مثل سياسة الاحتواء التي تتمثل في تحقيق ما يسمى بالاكتفاء عن طريق الضغوطات الاقتصادية والدبلوماسية، وكذلك المخابراتية، وهو ما مارسه الغرب والولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفييتي.

وهناك سياسة التكتل التي تتمثل في سعي كل طرف إلى الانخراط والتحالف مع طرف آخر وكسب أكبر عدد من الحلفاء لتحقيق أكبر قوة ممكنة وأوسع نفوذ ممكن، خاصة في المجالات الحربية والعسكرية للتمكن من الانتصار على أي قوة معادية.

وهناك السياسة الاقتصادية والمالية وهي مجموعة من التحالفات والصفقات التي تزيد من حصة الدول في السوق العالمية، أما سياسة آمين التي يعود فضل ابتكارها للقادة الخليجيين، وهي أن يقف الجميع من عرب ومسلمين مع قراراتهم المصيرية التي تؤثر على الأمة وأجيالها وعلى وجودها، حتى وإن كانت خاطئة وستترك أثراً مدمراً على الجميع، وعلى الجميع أن يقول آمين، وكل مَن لا يقولها فهو ضدهم وضد سياساتهم،

وكل من لا يقولها فلن ينال منهم بركة الدعاء والعطاء وسيقع جام غضبهم عليه؛ إما بقطع المعونات أو وقف استيراد كل المنتجات من هذه الدولة، وصولاً إلى طرد العاملين عندهم من حملة جنسية الدولة التي لم تؤمن خلفهم، وربما التحريض ضد هذه الدولة في كل فرصة متاحة لهم، ومن هنا أستغرب استغراب الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح حينما أبدى ألمه من مشاركة بعض الدول العربية التي لا توجد حالة عداء بينها وبين اليمن في التحالف العربي، وذلك لأنه كان رئيساً لليمن لمدة 33 عاماً وقد خضع لهذه السياسة في عام 2003 وعام 1990 عقب حرب الخليج الثانية التي دفع ثمن موقفه المساند للعراق، وبدا جلياً أن العرب قالوا آمين في حرب الخليج الثانية بالتهديد والوعيد أو بالإغراءات المالية،

أما دليل الحالة الأولى فقول وزير خارجية قطر السابق حمد بن جاسم آل ثاني في لقاء مع طلاب إحدى الجامعات القطرية، وفي معرض إجابته على سؤال إحدى الطالبات عن مشاركة قطر في حرب الخليج وحصارها للعراق وعن الحرب عام 2003، فأجاب بأن قطر شاركت؛ لأن الجميع كان يجب أن يشارك في الخيبة ولم يكن هناك مجال لأن ترفض دولة لوحدها؛ لأن الدول التي شاركت ستقوم على الدولة التي لم تشارك، وأضاف لمن وجهت السؤال له أنك حينما ترسبين في الصف تتمنين أن يرسب جميع التلاميذ في الصف.

أما مثال الإغراءات المالية والامتيازات فهي مثل مصر وسوريا وما كسبته هذه الدول من مشاركتها في حرب الخليج الثانية، ثم توالت هذه السياسة في عام 2003 حيث شارك العرب جميعاً في غزو العراق وتدميره مرغمين تقودهم أحقاد بعض الدول التي ابتكرت سياسة آمين رغم معرفتهم بخطورة هذا الغزو والدمار الذي لحق بدولة محورية في المنطقة مثل العراق، حتى اعترف الحاكم الأميركي للعراق عقب الغزو بول برايمر في لقاء له مع التلفزيون العربي العام الماضي بأن احتلال العراق لم يكن يمثل إنهاء حكم نظام صدام حسين بل كان يمثل إنهاء حكم السنة للعراق منذ ألف عام.

وتوالت نكسات هذه السياسة التدميرية في أحداث سوريا وليبيا واليمن، فعم الخراب هذه البلدان وشُرد أهلها وقُتلوا وانهار نظامها الاقتصادي والاجتماعي وتشتت العائلات وعم الفساد هذه البلدان حتى وصلنا لتقسيم هذه البلدان.

وآخر فصول هذه السياسة هي حصار قطر؛ حيث كان واضحاً تأمين الكثير من الدول العربية وغير العربية خلف بعض الدول التي أعلنت مقاطعتها لقطر، وهذه المواقف من بعض الدول كانت بالتهديد والوعيد أو بالإغراءات المالية، رغم أن هذه المقاطعة أثرت على دولهم ودول المقاطعة نفسها وأثرت اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، وتوشك أن تفرط عقد التعاون الخليجي، ولكنهم مستمرون بها على مبدأ من لا يؤمّن وراءنا فهو ضدنا، والتأمين خلفهم كمن يؤمّن خلف مَن يدعو عليك في دعاء القنوت بالدمار والفتن والقتل وتفكك الأسر والدول، وتهجير الناس، والفقر المدقع، وتدنيس المقدسات والمحارم، وضياع المقدرات والثروات.. إنه إذاً الغباء بعينه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.