المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عدنان الكيلاني Headshot

بين الحارة والحداثة

تم النشر: تم التحديث:

كثير من العمارة يمكنها أن تكون أحلى فقط لو أعدنا النظر فيها بجدية، كثير من جمهور المعماريين يتعالى على مزايا حقيقية تكمن في عمارة الناس في الحارات، يقدمون صوراً للحداثة دون أن يتنبهوا لما في تلك الحارات من جمل معمارية حقيقية يمكن صقل فعاليتها بسمت حداثي بعيداً عن الإشكالي وفقط.

الحداثة ليست فقط مظهراً ومواد جديدة، الحداثة أسلوب معيشة وأسلوب للتعامل مع المحيط، مع الرصيف، مع الشارع، مع نافذة يمكنها أن تطل، ونافذة بإمكانها أن تنعكس، الحداثة انسياب الفراغ إلى داخل المبنى، وانسياب المبنى مع مجاوراته، الحداثة هي الإضاءة النوعية الغامرة، ومواقف السيارات الكافية، وجناح مبنى يظللّ مدخلاً جنوبياً، أو شجرة منذ البداية كانت ليكتمل المبنى.

خلال مشواري مع العمارة، كانت "الحارة" دائماً تشدني إليها، في حين تلقفت مقولة ونستن تشرشل الشهيرة القائلة: "نحن نشكل مبانينا، ومن ثم تُعيد مبانينا بدورها تشكيلنا.."، رغم كل شيء، لم يحضرني إلا الحارة، الحارة بكل تناقضاتها، بالمباني الهرمة، وتلك الجديدة، وتلك التي تُعيد تأهيل ذاتها، الحارة بالأزقة المُوصلة، بالساحات الخلفية التي جمعتنا في مباريات لا منتهية لكرة القدم، بزوايا الانتظار الممكن، بالأسطح الكثيرة المأهولة، وبأدراج متفاوتة في ارتفاع عتباتها واتجاهاتها، وبالنباتات المتسلقة للجدران وليمونة دار الجيران، بجدران كثيرة تسلقناها في رحلة بحثنا عما وراءها من فراغات.

الحارة، بمشكلة النفايات التي تتراكم حول أعمدة الكهرباء، وبالبيوت الخلفية التي قد لا تصلها الشمس فتُترك أحد الأسقف مفتوحة غير مكتملة البناء.

الحارة كما الحياة، والحياة هي بالتأكيد شيء معقد للغاية، والحياة الجيدة بدون شك ليست أمراً سهلاً، ولكن قرار أن تعيش بشكل جيد وأفضل مما اعتدت عليه هو بالتأكيد خطوة ممكنة دائماً، ومحاولات متجددة لسكان الحارة في توسيع غرفة، أو بناء شرفة، أو تحويل بيت كامل لبلاي ستيشن.

"لويس كان" يقول: المباني يجب أن تبدأ بشيء لا يمكن قياسه، وتنفيذها بما يُقاس لكنها تنتهي في النهاية بما لا يُمكن قياسه أيضاً! "لويس كان" كان مُدركاً للمعاني التي تشكلها قياسات المباني التي بدورها لا يمكن قياسها ولا إدراك زخمها إلا بالشعور المتبادل بين العمارة وناسها، هذا أيضاً جعل الحارة تحضر بقوة!

في حارتي، كان الناس يجلسون على عتبات إسمنتية تمّ صبها بعد ورش بناء المساكن، على هذه العتبات عُقدت جلسات أُنس طويلة، وكاسات شاي تبادلها الجيران، على هذه العتبات جلست الجدّة لساعات تُحيي المارّين وتتلّطف بالدعاء للطلاب العائدين من مدارسهم.
هذه العتبة، عمارة صنعها أناس مدركون أهميتها في تتمة تجربة يوم آخر سينقضي لمآله!

في حارتي، من الصعب أن تجد بيتاً بحمام واحد، هناك دائماً تعدد في استخدامات الحمامات، هناك حمام عربي، وحمام إفرنجي، وحمام على السطح، وحمام غسيل واستحمام، وحمام مغسلته تقع خارجه، وهناك دائماً حنفية للبلدية تجدها في زاوية من بيت الدرج أو في فناء خلفي يحتوي دالية تعترش المساحة وتحتل أفياؤها ظلال الحلم.

في حارتي، هناك مدخلان بينهما فراغ يُحتم عليك أن تخلع حذاءك أو تستبدله، فراغ بإمكانك أن تنتظر فيه أمّاً متأخرة عن موعد عودتها من الدوام، فراغ قد يحوي قوارتي خبيزة بلونين متباينين، أو قوارة من لسان حماتي، فراغ تتدلى من زواياه حاملات قوارير مشغولة بالخيطان تتدلى منها أوراق قلب عبد الوهاب أو نبات أجر البطة، هناك قد تجد مفتاحاً آخر للمنزل، أو رسالة تبشرك بالخبر السعيد الذي فاتك وعليك أن تلحق به، أو أن تقضي ساعات انتظارك متأملاً للوحة خط قرآنية معلّقة على الحائط، تستجدي ما وراء المعنى، أو تتفكرّ في بدائل لامتدادات الأحرف.

في حارتي، هناك بسطات لبيت الدرج تمتدّ لتتحوّل إلى أفنية بين بيوت العمارة الواحدة، هي مساحات لعب آمنة لأطفال العمارة، وملتقى السيدات في أعمالهنّ الجماعية لمساءٍ يُنقبنّ فيه الملوخية أو يتم التعاون لإتمام طبخة "دوالي" لإحداهنّ.

في حارتي كل أسطح المنازل مشغولة، بالطائرات الورقية، أو أخمام الحمام ومستلزماته، أو بفراش لعائلة كاملة تنام صيفاً قرب النجوم وتحت ضوء القمر.

في حارتي، الجميع ينام على السطح صيفاً، ويصحو مبكراً لأن شمس السابعة ستوقظهم.

في حارتي، موقف السيارة يتحوّل لدكان، والشرفة تُبنى وتُضاف منزلاً للمنزل القديم، والمنزل قد يتحول لعيادة إذا ما عاد الابن الطبيب من رحلة دراسته ورحلة غربته، والغرفة التي هجرها ناسها بدورها قد تصير حوشاً تستأنس فيه الجدة بما تزرعه من شتلات ريحان.

يتحدّث جميل أكبر في كتابه "عمارة الأرض" عن حركية البيئة، عن المدينة الحية التي يُشارك جميع سكانها في اتخاذ قراراتها مع مرور الزمن، ولا يقتصر دور الساكن في بناء قطعة أرضه، ولكنه أيضاً يشارك في تخطيط مدينته كذلك، في تحويل شارع سكني لشارع تجاري مثلاً، أو تحويل ساحة لملتقى ثقافي على وقع تبادل كاسات الشاي بين الجيران.

وفي الدراسات البيئية عن مدن الشرق الأوسط، نجد دائماً إشارات لافتة للنظام الذي يختبئ وراء كل ما تُظهره الصورة للمتفرج من ضيق وفوضى عارمة وأسلاك كهرباء ممتدة في عري.


هل ونحن في رحلة بحثنا عن حلّ لبعض المشكلات العمرانية أزلنا كل ما هو جميل في حياتنا؟ أم أن من خطط مدننا الجديدة ليس منّا ولسنا منه، ولم يسكن أبداً في حاراتنا؟! محمد منير غنى: "جوّه القلوب والذكريات ما يعيش غير طعم البيوت...".

الحارة التي شكلتني هي التي جعلتني أميل لعمارة مثل عمارة لويس بارجان Luis Barragan، وجعلتني ملياً مشدوداً لأعمال ريكاردو بوفيل Ricardo Bofill الفنتازية.

هي التي جعلتني دائماً أردد ما قاله بارجان عن مسكنه: مسكني هو مأواي، قطعة من العمارة العاطفية وليس قطعة باردة من وسائل الراحة.

في حارتي، كنا دائماً نحلم بشقق جديدة، بتشطيبات أفضل، بأباجورات إيطالية، وبلاط سيراميك ودش معلّق، ومطبخ مفتوح، وبكل ما هو حديث، وثمّ بعد أن سكنا في تلك الشقق.. افتقدنا الشرفات الصغيرة التي تتجه لإطلالاتها الممكنة رغم كل جيومتري المبنى.

في شققنا المستحدثة ورغم أننا محاطون بكل حديث، فإننا نشعر بالضيق، باختناق المحبوس في زنزانة.. "محبوس بين أربعة جدران".

لا بد أننا ووسط كل هذه الحداثة تراجعنا في عمارتنا وعمراننا.. وفقدنا أشياء لا نزال غير قادرين على تعريفها، أشياء خارج القياس.

وإلّا فأخبرني: ما الذي يُبقي "الحارة" في ذهني بكل هذه الحيوية والحبّ؟ وما الذي يجعلني دائماً أعود لتفاصيلها حين التفكير بما أريده من عمارة؟

أكان هناك في قلب كل تلك الظروف التعبة والمُتعبة شيءٌ من العمارة الحقيقية، استجابة عميقة لرؤى الناس، لتطلعاتهم، وإنسانيتهم؟

هناك.. في حارتي، هذه الحيوية طغت على سوء التخطيط.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.