المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عباس Headshot

مستقبل نينوى.. إذا استمر غياب المشروع والراعي الدولي

تم النشر: تم التحديث:

لا شك أن كل الخيارات المتاحة مهما كانت صعبة هي أفضل من بقاء داعش في نينوى، فعلى الأقل مهما كان الظلم المتوقع من الجهات الأخرى المشاركة في التحرير، فإنه سيُسمح للناس بمغادرة هذا الظلم إلى أي مكان آخر، سيُسمح لهم باستكمال تعليمهم، سيسمح لهم باستحصال قوتهم من رواتب وغيرها.. داعش وضعت الناس في سجن كبير.

فأي خيار آخر أفضل من ذلك السجن، وأعتقد أنه يوجد ضغط كبير إلى حد ما من قِبل جهات دولية وإقليمية سيؤدي ذلك إلى تحجيم الممارسات الانتقامية والانتهاكات التي نتخوف منها جميعاً بسبب وجود الميليشيات الموالية لإيران.

إذن فغالبية أهالي نينوى يقبلون بالصيغة المطروحة حالياً للتحرير بديلاً عن داعش.. ولا خيار ثالث لهم.

ماذا عن المستقبل؟
هل سيكون لأهل نينوى -السُّنة تحديداً- قدرة على فرض إرادتهم؟ أي جهة سياسية قادرة على فرض تلك الإرادة التي يجب أن تتوافق مع إرادة غالبية الجماهير؟

وإذا توافرت.. فما هي أوراق الضغط التي نملكها لفرضها؟ للأسف الشديد لا نملك أوراق ضغط نتمكن من خلالها من مساومة الآخرين على مصالحنا وفرض واقع حال يطرح مصالح مشتركة.

بهذه الحال سنعود إلى المربع الأول قبل دخول داعش إلى مناطقنا، وسنبقى لا حول لنا ولا قوة، وستوفر الأرضيات لنشوء نسخ جديدة مثل داعش وربما أقسى وأشد، وربما سيكون وضعنا أصعب من السابق بكثير.

إذن نحن سنكون جزءاً من مخططات الآخرين ورؤيتهم وتطلعاتهم.. سنخضع لإرادات القوى الدولية والإقليمية.. وتلك الدول بلا شك لن تحضر في العراق من أجلنا، وإنما من أجل مصالحها بالدرجة الأولى والأخيرة.

لذلك علينا أن نبحث عن أكثر تلك القوى توافقاً مع إرادتنا ولو بشكل نسبي، وألا نترك كل شيء مرة واحدة.

والقوى الرئيسية هي: أميركا، وإيران، وتركيا، وبالمناسبة من يعتقد أن هذه القوى الثلاث على منهج واحد وهدف واحد فهو متوهم جداً.
فأميركا تحكم العالم وتريد أن تجعل كل الدول تبعاً لها وتبدأ بالضعيف ثم الأقوى والأقوى وهكذا تسير باستراتيجية مشروعها.
إيران خارج فلك أميركا.. ولا تقبل أن تبقى تبعاً لها، وبذات الوقت أميركا غير قادرة على فرض إرادتها عليها.

إيران أقوى من أن تهمشها أميركا أو تصادر إرادتها.

إيران تمتلك العديد من أوراق الضغط في المنطقة والعالم التي تمكنها من مساواة أميركا في كل مناسبة وكل موقف.

نعم كثيراً ما نجد شيئاً ما على الأرض يخدم إيران وأميركا معاً، ويعتقد البعض أن هذا يعني أنهم في طريق واحد، لكن الوصف الأدق أن هذا هو حال الأقوياء فهم قادرون على استثمار أي فرصة لصالحهم وتحويل نقاط الضعف إلى نقاط قوة، إيران وأميركا يستثمران أي حدث لصالحهما، لكن في النهاية هما مشروعان متقاطعان، إذن لدينا مشروع أميركي قوي، ومشروع إيران قوي جداً، ومنافس للمشروع الأميركي، وباعتقادي الشخصي يملك أدوات على الأرض أكثر من أميركا.

من حيث القبول الجماهيري، الحشود الكبيرة من الناس المؤمنة برسالة إيران بشكل عقائدي كبيرة جداً، بل إن هناك الكثير من الأشخاص مستعدون للموت في سبيل مشروعهم الذي هو مشروع إيران بالأصل، أو على الأقل يحقق فائدة سياسية لإيران كما ترغب وتتمنى.

لاعبان مهمان كل من أميركا وإيران، كل منهما تشكل خصماً قوياً للأخرى.

وعوداً على ذي بدء نحن كسنة مع أي مشروع، علينا أن نصطف؟ أمريكا أم إيران؟!
باعتقادي أميركا أخف ضرراً على مدننا من إيران.. وتجربة ١٣ سنة بكل ما فيها تشرح ذلك بوضوح.

السؤال الآخر: ألا توجد قوى أخرى غيرهما؟
بلى، تركيا.. وهي أيضا دولة لها إرادتها، وبالرغم من أنها اليوم لا تشكل إزعاجاً وضرراً لأميركا كما تفعل إيران، لكنها أيضاً دولة ليست تبعاً كما تريد وترغب أميركا.
وهي دولة إقليمية مهمة، وتسير بخطوات ممتازة نحو الأفضل، نحو الاستقرار والنفوذ والتأثير المحلي والدولي.

ولكن كما قلت سابقاً تأثير أي دولة يعتمد على أوراق الضغط التي تملكها والتي تعطيها قدرة على المساومة، وفرض توازن معين وفقاً للمصالح المشتركة.

وللأسف الشديد فتركيا باعتقادي لا تمتلك أوراق ضغط، أو على الأقل لا تمتلك أوراقاً كافية بحيث تمكنها من فرض إرادتها على أميركا، أو على إيران.

لذلك نجد الدور التركي أضعف من القوتين السابقتين، وتركيا إلى الآن تفاوض ليُسمح لها بالمشاركة في تحرير الموصل، أما إيران فتتحكم بالحكومة، ومؤسسات الدولة العميقة، والغالبية السياسية في العراق رهن لإشارتها.

فهي حاضرة في نينوى والعراق بشكل عام، وأقوى جهة كان من الممكن أن تمنعها هي أميركا.

وأمريكا غير قادرة على ذلك.. تحاول تحجيم الدور الإيراني نعم، لكنه سيبقى قوياً ومؤثراً بفعل كل ما ذُكر آنفاً.

بهذا الوصف لتركيا هل من الصحيح أن نساعدها من خلال تمكينها من الحضور في نينوى؟ هل نسعى أن تحضر بقوة؟ أم أن نمنع ذلك ونقول لن نقبل بالتدخل الخارجي؟

باعتقادي من الأفضل لنينوى في أثناء التحرير وبعده هو حضور تركيا وبقوة لخلق نوع من التوازن الذي يمنع التمادي الإيراني المتوقع في المنطقة.

ستقولون: ولكن تركيا تبحث عن مصالحها في العراق ولن تساعد أهل نينوى حباً بهم وفقط.
أقول لكم: نعم، وبكل تأكيد، ولكن إيران أيضاً حاضرة في العراق وبسطت نفوذها بقوة بحثاً عن مصالحها.. ولكن بذات الوقت أعطت ثقلاً للمكون الذي تسانده -الشيعة- بحيث أصبح رقماً صعباً أمام أميركا أو أي قوى محلية أو دولية..رسمية أو غير رسمية.

فلماذا لا نطمح نحن -السنة- إلى أن يكون لنا راعٍ دولي نتكئ عليه ويدافع عنا، حتى وإن كان ذلك في الأخير من أجل مصلحته، ولنستفيد نحن من توافق المصالح.

اليوم وفي كل دول العالم أي إرادة محلية يجب أن تكون جزءاً من إرادة دولية ومتوافقة معها إلى حد ما، وإلا لن يكون هناك استقرار.. إذن التنسيق مع المجتمع الدولي والتواصل معه وعقد الاتفاقات شرط مهم في حركة الحكومات والدول والمجتمعات.

وما وصلنا للحال الذي نحن فيه إلا بسبب تخلي الدول العربية والإقليمية المؤثرة عن العراق وترك الساحة أمام إيران وفقط، فابتلعت العراق جميعه بعد أن كانت لا تطمع بأكثر من ثُلثه.

فلماذا نبقى بذات الحال، ونمنع دولة إقليمية مؤثرة من الحضور في العراق ونينوى تحديداً لخلق ذلك التوازن الذي افتقدناه منذ 13 عاماً.

منعنا تركيا من الوجود في العراق عام 2003 وقلنا لهم لو تواجدتم في أراضينا فستكونون هدفاً للمقاومة المسلحة أنتم وأميركا عندنا سواء.

واليوم نكرر نفس الخطأ ونرفض حضورها.. هي أضعف من أن تفرض إرادتها، ونحن نساهم مع الآخرين في رفضها ومنعها من أن تقوم بأي دور لصالحها ولصالحنا.

كان من المفروض أن تتفق كل القوى السياسية الممثلة للسنة على التواجد التركي في العراق، لا أن يستمروا في تفرقهم وضياع بوصلتهم!

وكان علينا أن ندعم أي قوة سياسية محلية سنية تحاول أن تخطو خطوة باتجاه أن تصبح أكثر تأثيراً وأكثر قدرة على خلق نوع من التوازن، لا أن نعارضها ونقف مع خصومنا ضدها.

وإذا بقي الدور السياسي المحلي بهذا الضعف وهذه الفرقة، فلن نجد وضعاً مختلفاً عن حالنا قبل 10 يونيو/حزيران، إلا إذا أصبحت تركيا وبطريقة ما وبالاتفاق مع أميركا قادرة على فرض نفسها في مدننا السنية، أو أخذت أميركا بشكل مباشر هذا الدور؛ لتكون عوناً لمكوّن مهم عانى من التهميش والإقصاء طويلاً بسبب غياب المشروع والراعي الدولي له.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.