المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد إزدوتن Headshot

حكاياتي التركية التي لا تنتهي

تم النشر: تم التحديث:

منذ أن وضعت رجلي الأولى في هذه البلاد وأنا أعيش المغامرات، واحدة تلو الأخرى. في صدر كل يوم يرتفع الأدرينالين في جسمي، وأقدم في بعض الأحيان على الرمي بنفسي إلى المجهول، إلى أشياء لا أعرف عاقبتها أبدا. غير أنني تعلمت الكثير عن تركيا وعن الحياة.. ولازلت أتعلم.

قبل ما يقارب السنة والنصف، كانت زيارتي الأولى لتركيا، زيارة عدت بعدها إلى المغرب لأهيئ نفسي لسفر لطالما انتظرته، ولطالما أردته أن يكون سفر حياة. كانت ليلتي الأولى في العاصمة أنقرة "مرعبة" بمقاييس كل من حكيتها لهم، لكنها كانت جميلة جدا بمقاييسي أنا.

الساعة تشير إلى الثانية عشر ونصف حينما حطلت طائرتي في مطار "إسنبوغا" بالعاصمة أنقرة. أنهيت المعاملات القانونية وخرجت إلى أمام بوابة المطار. إلى أين سأتجه الآن؟ هذا السؤال فكرت فيه طيلة المدة التي استغرقتها رحلة الطائرة من إسطنبول إلى إنقرة، ولاحقني إيضا إلى أمام البوابة. إنزعجت كثيرا وأحسست بغربة شديدة حتى اغرورقت عيناي بالدموع.

لم أكن أستطيع أن أفك من كلام الأتراك حينها سوى تحية السلام، فقط لأنهم أخذوها من العربية ذات مد عثماني. حاولت أن أسأل أحدهم، باللغة الإنجليزية، عن الباص الذي يذهب إلى مركز المدينة، فكان لي درسي التركي الأول. كان الأجدر بالأتراك، أن يعلقوا لافتة عملاقة أمام كل مطاراتهم ويكتبوا فيها: NO English here تعفي الجاهلين "بالواقع اللغوى" للبلد، مثلي، من حرج السؤال.

بعد عناء طويل، وبمساعدة من أستاذ يدرس العلاقات الدولية بجامعة أنقرة، كنت تعرفت عليه في الطائرة، ركبت الحافلة التي تتجه إلى مركز المدينة. شاءت الصدف أن أجلس بجانب رجل يدعى حسن، فرح كثيرا حينما أخبرته بعدها أنه يحمل إسم أبي الذي ودع الحياة ذات مارس من عام 2005.

لم أعد أتذكر كيف ابتدأت محادثتي مع السيد حسن. لكنني، وطيلة سنة من مقامي بتركيا، اكتشفت أن الأتراك فضوليون بقوة، ولا شيء يمكن أن يمنعهم أبدا من أن يحادثوا الغرباء. بل إن دائرة الحياة الشخصية للآخر تضيق بكثير عند التركي كلما اتجهت في البلد شرقا نحو الأناضول، أو شمالا نحو مناطق البحر الأسود الجميلة.

عرفت من كلامه، بلغته الفرنسية الركيكة، أنه يعيش في فرنسا بعد سنوات قضاها أجيرا بالمملكة العربية السعودية. يتكلم الرجل الذي بلغ الأربعينيات من عمره أيضا لغة عربية متقطعة بلهجة سعودية. في طريقنا إلى مركز المدينة، بدأ حسن بتحذيري من اللصوص والمتشردين الذي تمتلئ بهم المدينة في منتصف الليل. أخافني ما سمعت من الرجل التركي كثيرا، خصوصا وانا أحمل معي في جيبي قدرا محترما من المال.

بلغت المدينة أخيرا، كانت الساعة تشير إلى الثانية صباحا. ركبت التاكسي إلى حي يدعى "ألوس" كانت أخبرتني صديقة مغربية/ تركية بأن فيه فنادق رخيصة. بحث كثيرا، لكن بدون جدوى. بلغ في التعب مبلغه، وتذكرت عدد الغرف الكبير في منزل أهلي بالجنوب المغربي، فكرت في أن معظمها فارغ الآن، لا أحد لينام فيها، فالمنزل لا يوجد فيه سوى 5 أشخاص، بينما أنا هنا لا أستطيع حتى أن أوفر لي سريرا يخفف عني ثقلي حتى الصباح.

بقيت على تلك الحال طيلة الليلة، لا مأوى ولا مأكل. بقيت أمشي في شوارع المدينة حتى وجدت رجلا يجلس إلى نار أشعلها لتقيه من البرد.. كان ملاكا أرسلته لي الأقدار، فقد أشرفت على أن أصبح مثل هياكل أتاتورك التي تزين المكان من شدة برد أنقرة. اقتربت منه، همهم بكلمات من التركية. بدأت أفكر في طريقة لأشرح له أني أرغب في أن أتدفأ بناره قليلا، غير أنه بدأ يتكلم من جديد، لأكتشف أنه سكران. ضحكت فرحا لأنني أعرف لغة السكارى جيدا، ولأنني لن أحتاج إلى أن أشرح له شيئا أو أن أبرر له جلوسي إلى جنبها.

كانت رفقة "صديقي" السكران جميلة، ضحكنا وتكلمنا كثيرا، لا هو فهم ما قلت له، ولا أنا فهت ما قاله لي. لكن حديث السكران جميل وممتع في الحقيقة؛ يتجرد من كل القيود التي يفرضها علينا المجتمع، يكون صادقا إلى أبعد الحدود، يرى الدنيا من زاوية لا دبلوماسية فيها ولا "توازنات" ولا خداع. السكران يكون على فطرته الأولى.

صديقي السكران لن أنساه أبدا، كان صديقي الأول في تركيا، لازلت أتذكر ملامح وجهه جيدا، ومكان جلوسنا إلى النار. في تلك الليلة شكرته لأنه أنقذني من البرد، وأنقذي من الوحدة ومن إمكانية تعرضي للسرقة أو الاعتداء. شكرته آنذاك باللغة العربية، لكنني أفكر الآن في الذهاب إلى أنقرة لأبحث عنه.. سأشكره بالتركية، سأحدثه عن تلك الليلة، ربما يكون بعض منها عالق في ذاكرته أيضا. سنضحك من جديد، نشعل النار في مكان لقائنا الأول، وليشرب شرابه إن شاء.. أنا ذاهب إلى أنقرة لألتقي بصديقي السكير، ولأحكي له سكارى آخرين تقاطعت حكاياتي معهم في شوارع تركيا الجميلة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع