المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد وائل Headshot

لأنَّ الله لا يقف في صف "الضعفاء"!

تم النشر: تم التحديث:

كل الألوان حولي قانيةٌ بلون الدماء، السماء أيضاً قانية، والشمس التي توشك على الغروب، تخنقها غلالة من دخان القنابل ورائحة البارود، والصحراء التي كانت ملاذاً آمناً للقطعان الضالة والرهبان والمعذبين والعاشقين والهاربين امتلأت بمعسكرات التدريب والوحدات الأمنية والأسلاك الشائكة والطيور الجارحة، فأين ملاذ المشردين والمكلومين في هذه الأرض؟ ولماذا نحن دون غيرنا "الضعفاء" يا الله؟

"1"
"من كان يعتقد أن الباطل سينتصر على الحق فقد أساء الظن بالله"، ومن كان يعتقد أن الدعاء -وحسب- سينصر المظلومين فقد أساء "الفهم عن الله"؛ لأن الله الذي يكره الظالمين، لا يقف في صف "الضعفاء" أيضاً!

"2"
على مواقع التواصل الاجتماعي، وأسوار المؤسسات الحكومية، بل وجدران أقسام الشرطة ومراكز التعذيب، ومستودعات القنابل المسيلة للدموع والرصاص الحي، والمستشفيات الحكومية المهترئة وصولاً إلى مدافن المحروسة، تطاردك عبارة "من كان يعتقد أن الباطل سينتصر على الحق فقد أساء الظن بالله"، لكنك لا تستطيع تجاهل وخزة السؤال الأكثر إلحاحاً: "لماذا يمنح الله الظالم كل هذه القوة؟ ولماذا لا يحمي الضعفاء من بطش الطغاة؟"، لكنك سرعان ما تعود مستغفراً من استمالة الشيطان خشية الولوج في المنطقة المحرمة.

"3"
حينما ترك الرماة مواقعهم لهفة على الغنائم، لم يرسل الله تعالى ملائكة يقفون على الجبل يراقبون الميدان ويحمون ظهر المسلمين من تلصص الكفار، ولم يوحِ لنبيه الكريم بتسلل خالد بن الوليد لمواقعهم واكتشافه لتلك الثغرة التي مكنته من شن هجمة مرتدة سريعة بعد نصر أولي للمسلمين، وكانت النتيجة 70 شهيداً من كبار الصحابة، بينهم حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعمرو بن الجموح، وحنظلة بن أبي عامر -الذي غسلته الملائكة- وغيرهم من أبطال الرعيل الأول، كانت مخالفة أوامر القيادة العسكرية، هو نقطة الضعف التي تسلل منها الأعداء، تماماً مثلما أصبح عدم فهم الواقع وحساب قوة الخصم ودراسة الطرق الأفضل للمواجهة، هو أبرز نقاط الضعف التي منيت بها أغلب الحركات الإسلامية في معاركها الحديثة شرقاً وغرباً.

"4"
كانت الأرض تهتز بالتكبير والتسبيح، وكانت أصوات الدعاء في الصلوات تزلزل السماء، المصاحف المزدانة بالنقوش العربية، والأصوات الخاشعة، لا تخلو منها خيمة، كان الشباب يلهج بالدعاء، بينما دموع الشيوخ المنسالة على اللحى البيضاء تنبئ بفجر إيماني جديد، وحينما جاءت "الطامة"، لم يأذن الله للملائكة بالدفاع عن أصحاب اللحى والمصاحف، ولم يرسل "ريحاً صرصراً" تهلك "الظالمين"، سالت دماء الضعفاء والأطفال والشيوخ والركع، و"انتصر" الظالمون الذين يكرههم الله.

"5"
ولأن سنن الله في الأرض لا تحابي أحداً، كما أن زمن المعجزات انتهى مع عصر النبوة الخاتمة، ولأننا الجيل الأكثر سوءاً والأقل درجة في منسوب الإيمان، كان ينبغي لنا فهم أن الحكمة هي بوصلة النجاة، وكان ينبغي إدراك أن اعتصامات "الإسلاميين"، تحت راية "نصرة الشريعة"، ليست كافيةً لمواجهة ترسانة الرصاص والأسلحة المتطورة وجيش البلطجية وحرب وسائل الإعلام والدعم الدولي للجيوش التي تحكم المنطقة والتخوف العالمي من البديل، لا سيما "الإسلامي".

"6"
الضعفاء الذين لا ينصرهم الله، هم ضعفاء الحكمة، أو ضعفاء العتاد، أو ضعفاء الإيمان، أو المتخاذلون في فهم مقتضيات الواقع، ولا شك أن معارك الإسلاميين لم تخلُ من صِنفٍ أو أكثر من هذه النماذج، ما ترتب عليه ابتلاء الله لهم، بغية التمحيص والتعليم، ذلك أن الغايات الكبرى المقترنة بالله تأخذ شوطاً طويلاً، فإما أن يكون هؤلاء على قدر المسؤولية، وإما أن يستبدلهم الله.

"7"
الله لم يظلم هؤلاء، لكنهم -فقط- أساءوا فهم نصوص القرآن، وخلطوا بين واقعةٍ كـ"واقعة الأخدود"، وبين الاعتصامات والمواجهات في عصرنا الحالي، تجاهلوا أن لكل حادث حديثاً ولكل مقام مقالاً، متناسين الفرق بين القتل الذي يحقق غاية ونتيجة واضحة تستحق التضحية بالنفس، وبين الدماء المهدرة في أتون معركة لن تحقق نتيجة إيجابية واحدة تخدم العقيدة أو تدعم قضايا المسلمين.

"8"
"قصة الأخدود" التي يراها البعض نموذجاً في الوقوف أمام الطوفان ومواجهة الموت المؤكد، لا يمكن قياسها بمعارك الإسلاميين الحديثة. واقعة "الأخدود" ارتبطت بحادثة عقدية، خيارٌ ما بين الكفر الصريح مقابل الحياة، وما بين الإيمان والموت. كان قتل المؤمنين حرقاً، هو عينُ الانتصار الذي أراده الله؛ لأنه تعالى سجل بهذه الواقعة نموذجاً لما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من تمسك بالعقيدة وصبر على الإيذاء، في قرآن يتلى حتى قيام الساعة، لكن ما النموذج الذي قدمه شباب واجهوا الرصاص بصدور مفتوحة في معركة كانت تمتلك عشرات الحلول، أسوأها ما آلت إليه؟
حينما أزهقت الأرواح في واقعة الأخدود، حققت قضية الإيمان نصراً كبيراً، وحينما أزهقت في "رابعة" وغيرها من معارك الإسلاميين، خسرت القضيةُ أفضل عتادها.

"9"
المأساة أنّ من بقي من هؤلاء ما زالوا يتصرفون وفق نفس المنطق، ينتظرون معجزةً من السماء، تعيدهم لصدارة المشهد، أو على أسوأ الفروض، يتربصون بمن يعتقدون أنهم "طغاة" الهلاك، ليشفي الله صدور قوم مؤمنين، مع أن التاريخ يعج بنماذج الظلمة الذين عاشوا حياتهم دون أن يلحق بهم أذى أو أن تصيبهم دائرة من العذاب، فالله لم يتعهد لنبيه بإهلاك الظالمين في حياته، وإنما فقط تعهد بمجازاتهم يوم الحساب، "وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون".

"10"
كثيرٌ من الناس يستبعدون حساب الآخرة، يلحون في الدعاء بتعجيل الانتقام من الظلمة، يعتقدون أن صدورهم لن تُشفى إلا إذا تحقق وعيد الله ضد الظالمين أمام أعينهم في الدنيا، وهو تصور خاطئ؛ لأن حكمة الله قد تقتضي تأجيل الحساب لليوم الآخر، ولأن الجريمة، ساعتها، ستعود بالطرفين وكأنها حدثت الآن، الدماء الساخنة كأنها سُفكت للتّو، والرغبة في الانتقام لم تطأها عجلات الزمن أو يطفئ جذوتها تعاقب السنين، إمعاناً في العذاب، وشفاءً لما في الصدور، "فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عداً".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.