المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ثابت Headshot

ماذا تريد جماعة الإخوان في مصر؟ "2"

تم النشر: تم التحديث:

جعل الله الألم دليلاً على المرض، وما نزع الله الشعور بالألم إلا في قاسي الأمراض الذي يدمر جهاز المناعة، إذ يستشري المرض حتى يُدمر الخلايا بلا ألم.. حتى قرب النهاية، وكذلك الله عندما يريد "تغيير" قوم يمحو شعورهم بالألم لينهيهم المرض.. لا قدر الله!

مطلوب إذاً فتح صفحة جديدة مع جماعة نعرف جميعاً أنها -رغم أخطائها بل خطاياها- تمثل أفضل ما في مصر، وأنت ترى عشرات بل مئات الآلاف.. الملايين في الجماعة ينبغي أن يلجئهم الألم إلى طلب العلاج، ولكن للآسف الجماعة أصابها ما أصاب مصر، وعجزت همم أن تنهض بها من الحفرة والهوة السحيقة التي وقعت فيها بنفسها أولاً، ثم بتكالب الخصوم عليها، والعاقل هو الذي يستفيد من تاريخه.. ومن آسف لم تستفد الجماعة الأم في مصر من تجربة عبد الناصر فقط، ولو استفادت منها لما اضطرت إلى تجربة قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي.. لكن لله في خلقه شؤون وشجون..

مجرد طرح العنوان الأسبوع الماضي، في الحلقة الأولى من سلسلة المقالات هذه، استوجب الأمر سلسلة من اللوم من أعضاء بالجماعة، حقيقة أحبُّهم ما أعملوا عقولهم.. وأبتعد عنهم ما ضاقت عقولهم بمجرد التفكير!

"1"

يقولون لك:
ـ كيف تعيب على المظلوم ولا تعيب على الظالم؟
ويضيف آخرون:
ـ ألا ترى أن مقالاتك بالغة القسوة على إخوانك.
ويشهر أخيرون في وجهك "مطواة" فكرية هي عبارة عن قول الدكتور "محمد ولد مختار الشنقيطي"، أستاذ الأخلاق بكلية قطر للدراسات الإسلامية، مع التقدير له:
ـ إذا رأيت الشخص ينتقد المظلوم ولا ينتقد الظالم فاعلم أن لديه "عطباً" في الإنسانية.. أو شىء من هذا القبيل!

وللحقيقة فإن الأمر لا يعدو أن يكون لدى صاحب هذه الكلمات، عطباً في جهاز المناعة عند الجماعة يشير إلى تدفق المرض في شرايينها وأوردتها.. دون وجود ألم لدى قياداتها وصفها الأول على الأقل، والمخدر الذي يسري في أوصالها بعد الانقلاب مؤذن بخطر، وأي خطر؟ بالإضافة إلى مئات الأتباع الذين يكادون يلتهمون من يحاول الإشارة إلى موقع الألم المفتقد، واستمرار الحال على ما هو عليه هو المؤذن بالفاجعة لا كتاباتي ولا كتابات آخر، وربما ثالث على الأكثر ممن يكتبون ناصحين للجماعة في الغربة، ولكنهم لا يكتمون شهادتهم عن رب العزة فيما يرون من خلل بقلب الجماعة، ولا يخافون لومة لائم من صفها.. وكثيراً ما يفعلون، وكثيراً ما يتراخى غيرهم، فلا يفعل غير زيادة "ضرب حقن المخدر في صورة مقالات"!

أما العيب على الظالم الانقلابي فما زلنا نقول ونردد، ولكنكم تعلمون إنه صادر في غيّه وظلمه لا يريد أن يرتدع، والأولى أن يُعملَ الإخوان عقولهم بحثاً عن مخرج!

أما القائلون بقسوة الكلمات فليراجعوا مواصفات الألم، هبة رب العزة للأخذ بيد المتألم.. مع فارق التشبيه، أما "البسطاء" ممن يصدرون مقولة "الشنقيطي"، فإن الرجل كان له رأي في "لجنة الحكماء" التي رأسها الشيخ "القرضاوي"، حفظه الله، فلماذا لم تأخذوا بكلماتها، أم إنكم تأخذون ببعض الكتاب وتنكرون بعضاً، مع الفارق أيضاً!

"2"

إننا نحب هذه الجماعة فعلاً لا نُزايد عليه، ولا نقبل مراجعة فيه من أحد، وسيف الحفاظ على الجماعة ضد الذين يشقون الصف، ذلك المُشهر لذبح كل مخالف في الرأي، أو محاولاً أن يٌشير عليكم برؤية أو حتى شيء من قبيلها لن يمنعنا من قول الحق لكم، مهما لاقينا من أجله، ويبقى أننا الأسبوع الماضي رأينا في "تركيا" يوماً ما كنا نظن أن نراه في عمر ومسيرة الجماعة، من ضرب بعرض الحائط بآراء مجلس شورى منتخب منذ سنة وأربعة أشهر، ولائحة تم إعدادها على مدار أكثر من سنة، وهي مودعة لدى الرابطة منذ أغسطس الماضي، لتقر "الرابطة"، مكتب تركيا، لائحة أخرى تطيح بالجمعية العمومية التي أتت بمجلس الشورى الذي أتى بالمكتب التنفيذي الذي هو يساوي "الرابطة"..

أما اللائحة التي تم إقرارها بتاريخ رجعي، لا أحد يعرف له سراً، وهو يعود إلى تاريخ 14 من فبراير 2016م.. فلم يقرها صف يساوي جمعية عمومية أو مجلس شورى، وهي تقتضي بالتراجع عن تمثيل "المرأة" في المكتب التنفيذي بعد التضحيات التي لا حدود لها التي قدمتها وتقدمها المرأة في الثورة المصرية، كما تطيح بنسبة تمثيل الشباب فيه وكذلك في مجلس الشورى تماماً، بعد أن كان لهم وللنساء نسبة مُلزمةُ في المجلس والمكتب، كما أنها تجعل رئيس المكتب التنفيذي هو رئيس مجلس الشورى، ونائبه نائبها، ولا رقيب ولا حسيب عليهما، ولا انعقاد لجمعية عمومية من الأساس تنتخب ثم تترك الأمر تماماً 4 سنوات..

إن التصرفات الأخيرة أضرت بالصف كله في تركيا، بخاصة من مكتب الشورى الذي دعا في جلسته إلى جمعية عمومية في 13 من مارس الماضي لمحاسبة المكتب التنفيذي بعد أكثر من سنة على توليته، وبيان ما نجح وما قصر فيه، ففوجئ بالمكتب يضرب عرض الحائط بالشورى، التي هي أصل من أصول ديننا الحنيف، ويطبق لائحة أخرى لا وجود فيها لمجلس الشورى الذي جاء به، بل لمجلس الشورى الجديد أعضاؤه 25 بدلاً من 40، تسعة منهم مجلس تنفيذي، والمكتب التنفيذي يُرشح 4 آخرين، ليصير العدد 13.. أي أكثر من النصف، ولا يحق لهم سحب الثقة منه، ولو حدث فلا بد من موافقة مكتب الرابطة الرئيسي في لندن! إذ إن الأمر يتطلب موافقة الثلثين، وفي ذلك استحالة لأن أكثر من النصف هم بالأساس من "المكتب التنفيذي". المطلوب سحب الثقة منه!

أما ما يوقف العقل عن التفكير فقولهم إن "مجلس الشورى" الأصلي هو الذي دعا إلى جميع هذه التغييرات.. وأولها حل نفسه، وإن المكتب التنفيذي ينفذ ما تم رفعه إليه منه، وهو ما يمثل قمة العبث في وقت محنة!

أصاب جميع الشرفاء في مقتل أن "مجلس الشورى" دعا لجمعية عمومية بعد رفضه "اللائحة الفرعونية" للرابطة.. وبعدما ظهرتْ "مشكلات" وخرجتْ إلى العلن لم يكن يجدر أن تظهر في صف كالإخوان.. المشكلة أن المكتب التنفيذي الذي اختاره مجلس الشورى نفسه في نوفمبر 2014م.. ويساوي "الرابطة"- فرع تركيا الآن.. ضرب عرض الحائط برفض "الشورى" للائحة الرابطة المركزية التي أقرتها الأخيرة، وهو الرفض الذي جاء بالإجماع، فما كان من "الرابطة" إلا أن دعت في اليوم المدعو إليه الجمعية العمومية إلى انتخاب مجالس للشَّعب لتكرس لنفسها أكثر، وكان اليوم الأحد الماضي 27 من مارس.. وقد كان يوماً قاسياً على كل مصري شريف.. وليس إخوانياً فقط في إسطنبول!

هذا طرف من حديث "لائحة رابطة الإخوان في بريطانيا ـ فرع تركيا" لمن سأل عنها، تلك التي اعترض عليها الصف الإخواني في نوفمبر 2014م، ونجحت الرابطة في فرضها، بعد مداورة بإجراء انتخابات أتت بمجلس شورى عبر جمعية عمومية، وبالتالي مكتب تنفيذي.. نسف النسق الماضي كله وأعاد الاعتبار لما رفضه الصف من قبل.. أما لماذا قبله بعد رفضه؟ فلعل الأمر يقودنا لسياسة الألم والمرض! ولستُ أرى داعياً للقول هنا أن هناك صراعاً بين جناحين للجماعة، إذ إن الأمر لدي هو قصور، على الأقل، ضرب جبهات الجماعة ما ظهر منها وما هو قادم في الطريق!

وما يزال البعض يتحدث مدافعاً عن نفسه بما يجوز وبما لا يجوز، أما الأدعياء، وطالما حذر صاحب هذه الكلمات الصف غيّرة عليه.. فلم يستجيبوا إلا بعدما مستهم "الحرائق" وفات الأوان!

"3"

إننا نحب هذه الجماعة نبوح بالكلمة في وقت محنة نبتغي رضا الله لا أكثر، ولله در صديق فاضل ينتقدها بقسوة وشدة.. ويكتب أسفل النقد معرفاً بنفسه: "عضو جماعة الإخوان"، نحب الجماعة في وقت صارت المحبة مغرماً لا مغنماً، ونحن نحب الجماعة ربما أكثر من هؤلاء الذين يتصدون لمحاربتنا.. فلو أحبوها مثلنا لثمنوا وقدروا كلمات أردنا بها الله لا "البروباغندا" كما قال أحدهم!

أما عهدنا مع الجماعة فواضح تمام الوضوح، وهو ليس عهداً لا مع المرشد.. أو الرئيس.. أو حتى الإمام البنا، مع الاحترام والتقدير للجميع، بل إن ذلك العهد مع رب العزة سبحانه وتعالى، فإن كانت الجماعة مغنماً لدى من يدَّعون البطولة، فإنها كانت وما زالت مغرماً لدينا!

" 4"

كلُّ خليلٍ كنتُ خاللتُهُ.. لا تركَ اللَّهُ له واضِحــةْ
كلُّهُمُ اروَغُ من ثعلبٍ.. ما أشبهَ اللّيْلَة َ بالبارحَةْ

الأبيات منسوبة لطرفة بن العبد، إنني لا أكتم الله واضحة ولن أفعل، وليس "الإخلاء" كلهم كذلك.. ولكن عوامل الاضمحلال بل سُنَة الاستبدال لتعمل داخل الجماعة بقسوة، وإن قائداً للانقلاب عينته الجماعة في غفلة من الكياسة والعقل والتروي، ولكي تداري على ذلك استشهدت بحادثة "بئر معونة"، صفر عام 4 هجرياً، من قتل مشركين سبعين من حفظة القرآن أرسلهم الرسول، صلى الله عليه وسلم، ليحفظونهم القرآن فغدروا بهم.. وهو أمر نادر في حياة الرسول، صلى الله عليه وسلم، ولقد تكرر الحدث مع الإخوان! ومقارنة الجماعة لحالها بالرسول، صلى الله عليه وسلم، أمر يجب أن يتم التعامل معه بأكثر من الحرص، فإننا نسير على دربه لكن ليست لنا إلا القدرة على التأسي!

بقي إن عهدنا مع الله فيما يخص الجماعة أن نسمعها كلمة الحق مهما آلمت من ألمته وقبلها من قبلها، الانقلابيون أنتم وليتموهم وهو خطأ علاجه ليس في تحمل الضربات إلى ما لا نهاية، وتكرار الأخطاء بصورة أكثر فداحة.. والزج بالجماعة في طريق الاستبداد هنا وهناك فيما الصف الثائر يعاني في مصر..

بل إن تصحيحه، لمن يسأل عن الطريق العملي والعلاج، أن تبدأوا الطريق من البداية وتوعوا أنفسكم قبل الشعب، فإنما خسرنا من جراء "معركة الوعي"، وتقريب الكفاءات، والعدول عن تولية الثقات، وإلا فإن الأمر ليس "لعبة" خسرتموها فيجب أن تعيدوها.. يا سادة أخطأتم خطأً فادحاً بالترشح لرئاسة مصر.. والحل أن تبدأوا السلم من جديد.. لكن كيف والحال في مصر من سيئ إلى أسوأ هذا ما سأجيب عنه، وفق رؤية أحاول نقلها شبه مكتملة في هذه المقالات، وإن الاستمرار في تلقي الضربات لن يغني عنكم من البداية من جديد شيئاً، فإنما أنتم تعاندون فرج دربكم ليس أكثر.. كمن تاه في الطريق فصمم على التيّه.. مصراً على إنه سيصل إلى العنوان الذي يريد عبر المتاهة، فغرم نفسه طول طريق العودة، وتحمل مسافات التيّه البعيدة.. ويال الدماء الوفيرة التي يبذلها في المسيرتين!
وللحديث بقية ما دام في العمر بقية!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.