المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ثابت Headshot

فاتورة اللحظة بين الإخوان والعسكر 2/2

تم النشر: تم التحديث:

في الجزء الأول من هذا المقال تناولتُ طرفاً من أمر ما يُسمى ب"إعلام الشرعية المصري"، وأبرز آلياته من مواقع إلكترونية تمده بالآلاف من الأخبار يومياً، وهي تعزز لديه انهيار الدولة، وهو حين يتلقفها كما هي يتخلى عن تكوين "رؤية" مناسبة كان من اللازم أن تتشكل لدى إعلاميين وحقوقيين وسياسيين للخروج من صعوبة اللحظة، وأذكر هنا أن مؤتمراً عقد بإسطنبول نظمته جماعة "الإخوان المسلمون" في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2014م ناقش الأمر.. على وعد أن يكون سنوياً ثم جرفته رياح النسيان من آسف..

أما الواقع لدى قائد الانقلاب وأعوانه فشهوة الحكم التي قادته لما لم يكن مؤهلاً له، وأما لدى الإخوان فعدم قدرتهم على سماع صوت خارج دائرتهم الخاصة الضيقة.. ولو كان منتمياً إليهم، وظنهم أنهم يسيرون على الطريق بمدد سماوي، وأن الكلمة الخارجة عن دوائر قيادتهم الضيقة، كلٌّ على حدة، ليس لها دور أو أهمية في موقعهم وخلافاتهم اليوم.

متناسين، في الأغلب الأعم منهم، أن الفكرة التي هي من قوة العقيدة، هي التي خرجت بالرسول -صلى الله عليه وسلم- من دائرة هزيمة لا آخر لها في معركة أُحد، وهو رسول، والفكرة من أنقذت المسلمين في معركة حنين لما ضاقت بهم السبل، لولا أن هدى الله خالد بن الوليد -رضي الله عنه- إلى الانسحاب بالجيش تأجيلاً للمعركة لا استسلاماً ولا إنهاءً لها..

وما الكلمة إلا رافد الفكرة وأداتها إلى الأذهان والأفهام وبداية النجاح في الموقفين العصيبين، بل هي التي جعلتْ "سلمان الفارسي"، وهو غير عربي أصلاً يشير بحفر خندق حول المدينة فيسمع له خير البشرية ولا يقول له، والعياذ بالله، وما لك أنت.. وأنت غير عربي ولا معني بالقيادة؟!

"1"

فريقان متمايزان في مصر الآن تمام التمايز، وقسوة وصعوبة اللحظة الراهنة في بقائهما على موقفيهما دون تغير يُذكرُ، والموقف لم يعد موقف وساطات ومداولات.. بل تأخّر حتى صار موقف مراجعات وتباينات، وواحد من الفريقين، بل أزعم إن أعقل الفريقين لحلحة هذه الأزمة يجب أن يتنازل ويقبل بتخطئة نفسه، أمام صفه على الأقل، لكي يأخذ الطريق الجاد للعودة إلى مصر.

وكلا الفريقين الآن خارج مصر الآن، مكانيًّا، أو اعتباريًّا، مكانيًّا جماعة الإخوان، واعتباريًّا العسكر لما دفعوا ببلدهم بها إلى الانهيار وهم بها، ولكن الأخيرون خونة، قتلة، مارقون عن الإنسانية.. فلماذا نضعهم في الحسبان هنا؟ هذه طوال الوقت خلاصة أسئلة الأصدقاء ومَنْ أكثر منهم وأقل، وقد تتطور الأسئلة إلى ما هو أكثر، إن قدراً من الحيادية يلزمنا هنا بداية، وإن تعميماً بالقول بأن الجيش المصري كله شياطين لا يستهوي إلا غافلاً، كما أن قائلاً إن الإخوان كلهم اليوم ملائكة بعيد عن الحقيقة، ولكن غلب القبح على الجيش.. وشيء من عدمه على الإخوان، أصل الأمور يخبر بهذا، وإن كان الحال تغير بعض الشيء اليوم!

"2"

أما الإخوان فيعدون أنفسهم، في مجملهم منتصرين، عائدين إلى مصر بنفس درجاتهم أيام حكم الرئيس مرسي، وما يزال البعض يردد شعار "مرسي في القصر"، وهلم جراً من انهيار دولة العسكر وإفلاس مصر، والقصاص، والأخير محبب إلى قلبي، وكذلك عودة الرئيس، لكن لديّ إشكالية مع "الأمنية" الأولى.. فلستُ ممن يريدون السقوط لبلدي ولا لأي بلد، كما أنني أُقدّر أن سقوط مصر لن يبقيها، من بعد، للشرفاء كما لم يبقِها للانقلابيين، ولست ممن -لأي سبب أو خصومة- أرى تدميراً لبلد نشأتُ بين طرقاتها، وترعرعت بديارها، وما يزال أبي وأمي مدفونين بها، وكذلك عمي وعمتي، وخالتي وجدي وجدتي.

أما "فكرة العودة" لدى الإخوان كما قالوا، دون سند أو إستراتيجية أو تفكير صحيح، بل تطور على النقيض الأمر بالخلافات المتأزمة لدى الصف إلى انقسام بين هنا وهناك، وفعل هنا مختلف، ولائحة تُقر هناك وأخرى يتم إقرارها هنا، وفي النهاية لا تشك أن هناك مندسين يضرمون ويؤججون النار في داخل الجماعة بترويج أكاذيب النصر القادم المُحلق فوق الرؤوس، وكأن السنن الكونية تمضي هكذا اعتباطاً، ورحم الله الشيخ محمد الغزالي إذ تمر بنا الذكرى العشرين لوفاته، إذ كان إحدى أبرز القضايا التي دافع عنها "السنن الكونية" ووجوب الأخذ بها، وأنه لو نزل حافظ للقرآن وسباح ماهر إلى النهر، وغرق أحدهما فسيغرق حافظ القرآن الذي لا يدري شيئاً عن السباحة.. لأن سنناً لله لا تحابي أحداً لن يتم تغييرها لأحد ولو كان مؤمناً!

والحال كذلك فإن أحد أبرز أخطاء بل خطايا الإخوان، إن شئنا الدقة، التعجل بالنزول إلى "مستنقع الرئاسة"، ودفعهم إليه دفعاً، وإن هذا التعجل لا يتم التكفير عنه ولا علاجه، وما كان تلقي الضربات بعد الانقلاب وضربة الانقلاب نفسها علاجاً.

بل إن هناك طريقاً آخر لرأب هذا الصدع اسمه إعمال العقل، والاستماع إلى الرأي، وتنشيط الذهن والفكر، وما دامت الجماعة من آسف تنفي عن نفسها مراجعة النفس، وتستمر في نفس الطريق الذي أدى بها إلى موقفها مرة بعد أخرى بعد أخرى، وتسلم قيادها لجبهتين هما من التيار القديم في حقيقتهما، كما يسرح في الجماعة البعض من تجار الحروب والأزمات، والمدسوسين والخونة وسرقة المال..

ويكفي أننا في الفترة الأخيرة سمعنا عن فضائح موثقة حدثتْ من قادة للإخوان لم نسمعها بها في تاريخهم منذ عام 1928م، وصدق الصديق الذي همس بعد الجزء الأول من هذا المقال -وهو من قيادات الصف الثاني بالجماعة وأكاديمييهم المشهود لهم بالثقة- همس الرجل بأن الجماعة ليست لها أخطاء كما أقول، بل إن لها "خطايا" هي الأخرى مثل العسكر، وما الزج بالآلاف إلى الموت في "رابعة" وميادين أخرى دون خطة أو إستراتيجية، وما استمرار أنهار الدم دون حل في الأفق، وما الاستعجال والنزول إلى الرئاسة في مصر وما تلاه.. إلا "خطايا" في نظره ونظر الكثير من المُنتمين إلى الجماعة يصمتون على مضض عنها!

"3"

أما العسكر فيظنون أن مصر قد "حيّزت" من أطرافها لهم، وإن اللحظة الراهنة سوف تدوم، وللحقيقة فإنهم إن امتلكوا قوة السلاح، فإن المظالم قد زادت عن حدها، وإن الفساد المستشري في الدولة يخرق كل قوانين وسنن البقاء، وإنه قد يحدث ألا تعود الدولة إلى الإخوان.. ولكن لا يبقى السيسي فيها.

وقد تحدث حلحلة تبقي العسكر على نحو أقل ظلماً من الحالي، ولستُ من القائلين المُنادين بالانفراج الجزئي، ولكني أعرف جيداً أن مصر تسقط من عشرات السنين.. وأن أمر الإصلاح صعب عسير، وأن القتلة المجرمين ممن يحكمون اليوم يرون بقاء الحال على ما هو عليه أفضل حال لهم، وهم يعلمون وقد أحكموا دس الأفكار والأشخاص في قلب الإخوان، وأمر المندسين يحتاج إلى ما هو أكثر من الانتباه من الجماعة بخاصة في محنة تكثر عليها السهام وما ينقصها الخونة.. ولكن هل من ضوء يلوح في الأفق عبر هذه المنظومة العسكرية الشرطية التي تستمر على رأس مصر بالحديد والنار؟ في الحقيقة لست مستبشراً ما استمر الحال على ما هو عليه!

"4"

طرفا الأزمة كجزئي المقص، الإخوان والعسكر، أحدهما مع الآخر يصنع حدة في الموقف، والعبارة التقليدية الجديدة الحاكمة هنا، العسكر لهم خطايا وهم قتلة مفسدون، والإخوان لهم "خطايا" وهم حسنو الظن لا دراية لهم بالسياسة، اللهم إلا من رحم ربي من الطرفين، أما طرفا المقص فيخلق احتكاكهما حدة المواقف الحالية.. أما المسمار الصلب الذي يجمع بين جانبي المقص ويجعل الأمر قاطعاً لا تراجع فيه.. فهو اللحظة الحالية نفسها!

فهل يفعلها الإخوان وينزعون المسمار الصلب من المقص بتفكير مُحكم في حل يناسب إمكاناتهم وموقفهم الحالي لا الأماني والأحلام بل الأوهام؟!

هل يدركون أن العسكر لا خير يُرتجى منهم، وأن التأخر في مراجعتهم أنفسهم لا يساوي عند العسكر إلا استمراراً في القضاء على مصر، وافتعال الأزمات والمشكلات والمكايدات الدينية والساسية، والخلط بينهما، وما تفاهات أحمد الزند، وزير العدل الانقلابي، حيال خير البرية إلا نموذجاً، لاستغلال العسكر أنفسهم لأقل هفوة من حكومتهم لإبرازهم لشغل إعلام الشرعية عن رئيسي قضاياه، مع كامل تقديري ومحبتي وإعزازي للرسول -صلى الله عليه وسلم- ولكن لم يكن يرضيه الاستسلام الحالي من أتباعه والركون للهزيمة النفسية، فأين منكم الاستعانة بالله وعدم العجز، وتلك كلمات معلم البشرية..

أم أننا ننتظر حلًّا إلهيًّا قد لا يخطر على بال.. يفض اشتباكاً حارتْ فيه الألباب!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.