المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ثابت Headshot

سنوات العود الأخضر!

تم النشر: تم التحديث:

أحد الذين صدقوا حتى مع العابرين المجهولين كتب على قبره.. بعد انتهاء حياته.. ليتعلم الذين لن يعرفهم، ولن يفيده تقييمهم له، ولكن آثر أن يكون صادقاً في مماته، كما حاول أن يكون في حياته، وآثر أن يترك لغزاً بالغ الصغر، وإن احتوى بالإضافة إلى الشفافية "حسبة" تشكك كل من تعلم الأرقام فيما تعلم .. وإلا فما معنى أن يترك "مُتوفى" على قبره رسالة بها خطأ في الحساب لا يغتفر لمن لا يعرف حلاً للغز..؟

كتب "الرجل":
ـ ظل صاحب هذا القبر على قيد الحياة منذ عام ألف وثمانمائة وخمسة وخمسين حتى عام ألف وتسعمائة وستة وعشرين.. وعاش أربعة عشر يوماً فقط..

حسبة بسيطة توضح لكل من يمر من أمام قبر الراحل أنه عاش أكثر من ثمانين عاماً.. فكيف يكتب، وهو ميت لن يضيره صدق.. ولن ينفعه كذب، إنه عاش أربعة عشر يوماً فقط لا غير..
كان المارة أو الزائرون للمقابر ينتظرون خصيصاً حارسها ليسألوه عن سر الأربعة عشر يوماً، ولم يكن الحارس يمل سماع السؤال.. ولو أنه تكرر آلاف المرات من أفواه رجال ونساء.. صغاراً وكباراً.. وكان رده دائماً:

ـ جمع الراحل لحظات الفرح والابتسام.. السرور في حياته فما وجدها في أكثر من ثمانين عاماً إلا أربعة عشر يوماً ..
سنوات العمر أراقبها منذ علمتُ بالقصة الماضية وهي تسقط ورقة بعد أخرى عن فرع شجرة صغير أعتقد أنه يخص العائلة، يوماً بعد يوم بل ساعة بعد أخرى، ومؤخراً بدأتُ أشعر أن عمري يمر برهة، ثانية.. ثانية، وكل ثانية يتم حسابها على أنها عامٌ كامل مر علي... وإلا فمن هذا الطفل الذي لم يكمل عامه الثالث، الواقع على أرضية المطبخ لما فشل في مساعدة أمه بإحضار كوب الماء من فوق "القدرة" أو الإناء الفخاري المخصص لتبريد الماء.. الأكثر صحة من ثلاجات ومبردات اليوم، إنها الذكرى الأولى على الإطلاق في تاريخ الحياة الخاصة بصاحب هذه الكلمات.. مر عليها أكثر من أربعين عاماً.. ولكأنها.. مع بساطتها كانت منذ أسبوع على الأكثر، لا عشرات الآلاف من الليالي ..

سنوات العمر كمثل حبات مياه رقراقة، بالغة الانسيابية، لكنها تتفلت من بين الأنامل في خفة ممتلئة بالقسوة، أعوام تتفلت قطرة مياه هنا، وورقة شجرة هناك، أيام كانت تعيش لنا انتخابات برلمانية في مصر، ولو "ظاهرية" كانوا يتركون لافتة قماشية قوية معلقة على عمود إضاءة عال، أو لا يمكن الوصول إليه بسهولة، ثم يأتون بعد خمس سنوات كاملة لتعليق لافتة جديدة بنفس اسم المرشح ورمزه، فتلك آفة متوارثة من التزوير في الوقائع وإلحاقها بشرعية الديمقراطية الواهية المتوهمة، أي إنهم ينسون اللافتة خمس سنوات كاملة، وبعدها تكون صالحة للاستخدام الدعائي بنفس "الكفاءة".. وهكذا تضيع في المنتصف أعمارنا..

أمس كنتُ شبلاً أسير بين قدمي أبي وخطوه الواسع الممتد، مرتدياً بنطالاً قصيراً يسمى "شورتاً" فيما قامتي لا تبلغ منتصف جسده، رحمه الله، نسير نسلم على أصدقائه، ويسير معي القمر في السماء مكتملاً جميل الاستدارة في شهر رمضان في العام السادس من عمري على الأكثر، ولكأن المشهد مساء أمس على الأكثر.. وأنا أخرج من بيت صديق أبي فتأكل الدموع "حبة القلب" لأني لا أجد القمر هناك في مكانه ينتظرني!

قرب منتصف ليل أمس.. من عمري الذي أستشعره بحنايا روحي، بمسام تكويني.. النقطة التي تحمل شعوري بالوجود والكون من حولي ..قبل قلبي، في تلك النقطة التي ترقب ورق العمر الأخضر المتساقط برغمي بفعل مرور العمر.. قرب منتصف ليل الأمس من العمر الذي ما زلت أتصوره أخضر مضيتُ في جنازة والدي، وكان عمري آنذاك يخطو نحو العام الرابع عشر فقط من الأوراق المتساقطة عني، عن فرع شجرتي الأخضر، وكنتُ أظن حينها أن الحياة قد ولت وهربت وفرت مني وأني لن أستطيعها بعده يوماً واحداً، وها أنا ذا أواصل الحياة وأجتاز العام التالي لثلاثين ورقة سقطت عن شجرتي التي أتخيلها خضراء بعد وفاة أغلى الذين عرفتهم من الأحباب..

وأراني بعد منتصف الليل بالمدرسة الثانوية أحاول اجتياز أعتاب امتحاناتها إلى كلية كنتُ أظنها الأثيرة لدي.. وفوجئتُ بالمقادير تقودني لأخرى، وفي ساعة متقدمة من نفس الليلة عانيتُ في رحلة التعليم من قيظ.. ومعاناة، وكان قيظ الظهيرة في الليل، ولكنها أوراق سقطت عني ومرت مسرعة، الوظيفة الحكومية.. ست أوراق مجتمعة تسقط دفعة واحدة.. واختيار التوجه إلى وظيفة أكثر مناسبة لميولي، ودخولي مجال الإعلام من باب رحب برغم كل القواعد غير القانونية التي تمنع أمثالي من الدخول، وخمس عشرة ورقة من العمر تمر مرور الكرام.. جهات يُقال سيادية تتدخل لإقصاء مثلي عن عمله بعد عمله لا لشيء إلا لأنه لا ينتمي لمنظومة العمل المتبعة في هذا المكان .. وهي منظومة لا تمتاز بالصلاح على كل الأحوال..

قرب فجر الأمس فقط كنتُ في بلد خليجي أغالب صعوبات الحياة وحيداً بلا أهل، تلك خمس وريقات أخرى ذهبت من العمر إلى غير رجعة.. كم من وريقات خريف سقطت عن شجرتي؟

سقط الكثير بآمال وأحلام ذهبت مع سنين من العمر وقرارات موفقة بعون الله، وأخرى لم تكن كذلك.. والخلاصة باختصار أن ما مر من عمري هيهات أن يعود.. ولا حتى أن يجيء مثله مرة أخرى، مع إنهم يتأدبون ويقولون أنني بلغت منتصف العمر.. والحقيقة إنه لفظ مثل العالم الثالث سواء بسواء.. فالدول الحقيقة في العالمين الأول والثاني وما عدا ذلك لا رقم لهم فجاؤوا إلى أبواب اسم العالم الثالث، لا لأنهم كذلك بالفعل، بل لأنه لا رقم بعد الثالث هنا.. ولدي هنا منتصف العمر لأنه لا لفظ بعد الصبا والشباب، والكهولة والخريف.. ونهاية بما يُسمى تجاوزاً منتصف العمر تعبيراً عن قرب هبوب الشيخوخة ورياحها الخماسينية التي لا تبقي ولا تذر..

على أني وقد بلغتُ من العمر ما بلغتُ ما زلتُ أشعر بكوني صبياً يرتع على حافة الرصيف في الشوارع لا يزال، يحاول السير في حيز بسيط لا يساوي أكثر من طول مسطرته المدرسية، أي ثلاثين سينتمتراً على الأكثر.. ما زلتُ ذلك الذي لا يحب السير إلى جوار الرصيف بل فوقه لما يتعب.. وفي عرض الطريق ما وجد إلى هذا سبيلاً، ما زلتُ ذلك الرجل الذي يشارك الشاعر الأُموي جرير القول بأن أصحابه، أو بعضهم على الأقل، أروغ من ثعلب، على أنه لن يكتم الله واضحة برغم فعالهم المُرة.. ولن يكتمهم كلمة حق مهما عز وغلا ثمنها، ما زلتُ رغم تقدم العمر بي.. ذلك الفتى الغر الذي يحاول أن ينطق بكلمة الصدق، محبة في خالقه ثم البشرية والحياة، نعم أصبحتُ أتحين حينها.. لكن متى ضاق بها صدري نطقتُها..

إنني ما زلتُ صاحب العود الأخضر الذي لا يتوانى يحترم جليل خلق الله فيه.. فيحاول التوكل عليه.. والتحلي بالبساطة التي فطره عليها.. وإن تمادت أوراق العمر في السقوط عنه.. فسيظل عوده أخضر ما ظل صاحبه محافظاً على محبته لخالقه ثم الخلق.. وما حرص على محاولة طاعة ربه ثم الإخلاص لعبيده.. تلك أبرز دروس العمر.. رزقنا الله وإياكم طوله في الخير..