المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ثابت Headshot

المصالحة المصرية.. "حديث خرافة" أم آمال؟

تم النشر: تم التحديث:

خلف انسداد الأفق البشري والجفاء والحروب الأهلية والخارجية وأنهار الدماء والمعارك الطاحنة على مدار التاريخ كمنت الحياة، فالحروب داخل وبين القوى العظمى نهاية بالحربين العالميتين.. كل هذه المآسي البشرية التي دمرت الأخضر واليابس وأهلكت النبض والزرع والجماد انتهت بجلسات المفاوضات والاتفاق السياسي، ومهما بقي في الواقع والنفوس من آثار عميقة، فإن الحياة استمرت، بل شهد التاريخ كالعادة اتفاقاً وتماهياً، بل تحالفات بين أعداء الأمس.

ومع استمرار انسداد الأفق السياسي المصري، بخاصة بين أكبر فصيل من فصائل الوطن "الإخوان المسلمين" وأكبر مؤسسة به "الجيش".. ومع تداعيات العداوة الملتهبة منذ 3 من يوليو/تموز 2013م وحتى اليوم، يراقب مخلصون الموقف بفيض من الأسى، فلكأن صباحات الكنانة وإطلالة فجرها تلبدا وتوقفا عند قمة المأساة.. يوم مجزرة "رابعة العدوية" في 14 من أغسطس/آب من العام المذكور، فجلّ اهتمام النظام الانقلابي صار التخلص من الإخوان.. إما بالقتل أو السجن أو الدفع بكوادرهم أو حتى المحبين إلى الخروج من مصر، وفي المقابل صار الصف الإخواني يعاني شظف العيش هنا وهناك، ولا يزال أغلبه يُنادي بالقصاص من الظلمة ـ وهو حق غاب وقته وإمكانيات تحقيقه ـ ويحلم بالعودة إلى سدة الحكم، وينتظر النصر الموعود الذي بشرت به آيات كريمة وأحاديث شريفة؛ حاكماً لنفسه بمكانة الفئة الصالحة العاملة المُجاهدة التي رضي الله عنها فأورثها الأرض.

ورغم تغير الواقع من حول مصر، وتطور المشهد المقاوم الثوري في تونس ومؤخراً في غزة.. وتداعيات عدم نجاح بقية الثورات العربية التي تفجرت في 2011م بعد الثورتين، أو فلنكن أكثر وضوحاً المحاولتين الثوريتين التونسية والمصرية، ورغم أن التجربة التونسية أثبتت أن المحافظة على الرمق واستمرار الحياة أهم من التعرض للحكم والاستئصال، ونصب عيني قيادات "حركة النهضة" التجربة والواقع المصري الأكثر من مؤلم، ومنذ أسابيع قليلة حركت حركة "حماس" المشهد المقاوم في غزة بقبولها التصالح مع "فتح"، وبالتالي القبول بالانضواء تحت الحكومة الفلسطينية.. وأكثر من هذا فقد تم الأمر بواسطة المخابرات المصرية، رغم تاريخ مصر مع إحكام غلق معبر غزة لمنع وصول المؤن الضرورية وأسباب الحياة إلى غزة في عهدي المخلوع "مبارك" وقائد الانقلاب "السيسي".

ولسنا هنا في مجال التعرض إلى تفاصيل الحالتين التونسية أو الغزاوية، ولكنه من المهم التأكيد على القبول للاختلاف في الآراء، وفقاً للمشهد السياسي المتغير بلا تثبيت لجانب من جوانب الرؤية الأيديولوجية واتهام الآخرين بالتخاذل؛ فيما أن المشهد الخاص بهم يخضع لدرايتهم به وتقديراتهم البشرية، والأخيرة حتى إن قبلنا بخضوعها للصواب والخطأ بقي أن الحفاظ على النفس البشرية واحد من أعز وأسمى مطالب شرعنا الحكيم، وما يهم صاحب هذه الكلمات هو أن متغيرات كبرى طرأت على سابقي مصر إلى المشهد الثوري من التوانسة، ورفقاء الدرب الإخواني من الغزاويين (حماس).. وفي الحالين كان الطرفان يبحثان عن حل يضمن لهما استمرار الحياة.. مع الإبقاء على الحس الثوري لكن بعد الحفاظ على النفس.

والمشهد برمته يطرح إشكالية على المتمسكين ببقاء المشهد في مصر على حاله، ربما لرغبتهم في الثبات على المبدأ، أو لقصور في الرؤية، أو لعدم استطاعتهم إخبار الصف المُعبأ في مجمله بانتظار النصر منذ أكثر من أربع سنوات.. بأنه لا نصر ولا حتى شبيه له يلوح في الأفق القريب أو البعيد.. أما الإشكالية الأكبر فإجابة السؤال: علام يراهن هؤلاء وماذا ينتظرون؟ أم إنهم يسيرون خلف مقولة الراحل "نجيب محفوظ": "اليأس إحدى الراحتين"، قاصداً رحمه الله أن اليأس صنو وقرين للنصر من الناحية الأخرى، لكنه لا يجعل اليأس يقر بالهزيمة على الأقل علناً!

دخل المشهد السياسي المصري ليلاً عميقاً من السبات والانغلاق على الذات بل الإلغاز مع تقبل قيادات إخوانية بالفشل في استيعاب الموقف، وبالتالي العجز عن مواجهته إلا بالاستدلال الأيديولوجي بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الصادق، لكن القيادات لا تزال تصر على إخضاعها لمواقفها النفسية بعد السياسية، وهو ما طالما حذر منه علماء دين ومفكرون من مثل الراحلين: الجزائري "مالك بن نبي"، والمصري "محمد الغزالي"، رحمهما الله، وفي المنتصف طالما حذر الراحل السوري "منير الغضبان" في كتابه "المنهاج الحركي للسيرة النبوية" من تمثل المراحل التاريخية للدعوة الإسلامية بخاصة مع الرسول، صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام، رضوان الله عليهم، وبناء الواقع الحركي الإسلامي بناء على أنه سيكون وفقاً لواقع النبوة والصحابة، مؤكداً أن التمثل يجب أن يكون للمنهج والشريعة والإيمان لا المرحلية.. وهو ما لم يتفهمه الإخوان للأسف حتى اليوم.

وفي المقابل صار النظام الانقلابي يملك أدوات سياسية على أرض الواقع تمكنه من إحكام سيطرته على مصر والاستمرار في مسلسل اضطهاد الثوار، وعلى رأسهم الإخوان، ويشفع له أن الشعب المصري تعدى أربعة وتسعين مليون نسمة، وأن الذين يتعرض لهم لا يمثلون نسبة كبرى من هذا العدد، كما أن المجتمع الدولي لم يعد يأبه بالأمر، فلا قائد الانقلاب ولا العالم يهمه الواقع المصري الآن، وأن الإخوان ووجودهم ضرورة للحفاظ على كيان المجتمع وازدهاره.. فمهما بلغت نسبته منه، فإنهم يعدون من خيرة كوادره في مختلف المجالات.

ووسط كل هذه الأجواء والأمواج المتلاطمة يبدو المشهد في مصر غير قابل للاستمرار أو التبشير بحل يلوح في الأفق؛ لتستمر المعاناة الاقتصادية بملايين المصريين، والتضحيات من مئات الآلاف، وتجميد الموقف من طرفي الأزمة اللهم إلا إذا شاء الله أمراً وهيأ له رجالاً مخلصين!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.