المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ثابت Headshot

تركيا ودروس "السنن الكونية"

تم النشر: تم التحديث:

كلما أمعنا التدقيق في محاولة الانقلاب التركي الفاشلة ليلة الجمعة قبل الماضية، ازداد توهج الدروس المستفادة منها، حتى إن نسبة ليست بالقليلة منها لتتجاوز إهاب أو ليل واقع الأمة الإسلامية كلها، فضلاً عن أنها توقد أكثر من مصدر لضوء الأمل في هذا الواقع، وهو الضوء الذي يتجاوز واقع العرب وخلافاتهم، وعدم قدرة الشعوب في المجمل على مواجهة ظلم الحكام، فضلاً عن عدم قدرة النخب المثقفة، من أي نوع من آسف، أو المجموعات التي من المفترض أن تكون كذلك، سواء أكانت صادقة أم غير هذا، في قيادة الجماهير الغفيرة نحو نجاح في "معركة الوعي" يُبشر بتغيير بالواقع الحالي.

هنا دروس مستفادة من تاريخ عملي معاصر لتركيا امتد لقرابة ثلاثة عشر عاماً، استطاع خلالها حزب "العدالة والتنمية"، بحسب "الواشنطن بوست"، أخيراً تغيير التصور الإسلامي عملياً في أذهان وواقع الشعب التركي، كما نجح الرئيس "رجب طيب أردوغان" مقابل "تمتمة" النخب اليسارية والعلمانية الدائم دون قدرة تذكر على التغيير، ومحاولة للنهوض بتركيا أتت ثمارها.

شعر حتى أعداء "أردوغان" فكرياً بأنه استطاع تقديم شيء يتجاوز أربعين عاماً من الانقلابات وتدخل العسكر بالوعود المزيفة الذي لم يسفر إلا عن تردي الأمور المعيشية بالبلاد في (1960، 1971، 1980، 1997) بمعدل مرة كل عقد زمني، وقيل بمحاولة تبددت عام 2012 أيضاً.

لكن عام 2007م كان نقطة تحول نجح حزب الحرية والتنمية في البناء عليها، إذ دعت القوى السياسية اليسارية إلى مظاهرات ضد تولي الرئيس الأسبق "عبدالله غول" مع كون زوجته محجبة، وكانت النتيجة خروج المظاهرات مطالبة بعدم تولي لا العسكر ولا الإسلاميين السلطة، وأخيراً خرجت الجماهير التركية العارمة لحماية الديمقراطية في حالة وحيدة لنجاح تجربة مدنية في عالم اليوم تستمد روحها من نور الإسلام بآليات العصر.

"1"

أما أول الدروس التي تنطلق منها المحاولة الانقلابية الفاشلة هنا واجتياز حزب "العدالة والتنمية" لساعات بالغة الحرج لا تزال آثارها ممتدة فهي أن "سنن الله" الكونية تلك التي لا تحابي ولا تجامل أحداً ومنهم أو فلنقل وأولهم المسلمون، تلك السنن التي اقتضت أن من عمل وأجاد في منظومة الجد فإن الله يرفع أصحابها ويمكنهم في الدنيا، تلك السنن التي جعلت الغرب يسود اليوم فيما يتأخر المسلمون، بل يسقطون من فوق السلم العالمي منذ قربة قرون ثلاثة ويُسمع لتدحرجهم دوي رهيب برأي الراحل الشيخ "محمد الغزالي"، رحمه الله.

سنن الله الكونية بدأت تأخذ بيد تجربة إسلامية مدنية نحو خطوات أوسع حضارية، على النقيض مما يراه منقبضو الصدر أو المتشائمون من واقع الأمة الحالي، وكأن يد رب العزة، وسبحانه لا شبيه له ولا ليده وحنوها، تبارك جهد مسلمين استطاعوا العبور بتجربتهم نحو أبواب النجاح.
مصداق تمام هذا على أرض الواقع هو قول رئيس الوزراء التركي صباح السبت الماضي: "الحمد لله الذي وفقنا للتغلب على هذا الانقلاب".

"2"

الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" الذي ما قصر في الأخذ بالأسباب في حدود علمه، فدخل في شيء من علم الله تعالى لعلم رب العزة أنه بذل كل ما يملك، ومن هنا جاء بذل الوسع الحقيقي، الذي يتشدق به منتسبون إلى الإسلام في مصر وغيرها دون عمل مناسب للرجاء في الله، وحينما يبذل مسلم ما بوسعه يدخل في وسع الله تعالى، حقيقة رأيناها أخيراً في نجاة "أردوغان" من اقتحام، بل محاول قصف الفندق بـ"مرمريس" قبل قرابة أربعين دقيقة فحسب من ساعة الصفر الانقلابية، وكان اغتياله، لا قدر الله، كفيلاً بإحداث تغييرات لا يعلم إلا الله مدها في تاريخ تركيا والأتراك بل الأمة.

"3"

وفي توازن رب العزة.. كما يربو الله في جهود الغربيين ويؤتهم ثمر العمل، ويخفضهم أحياناً نتيجة الأخطاء، فإنه ليحنو عز وجل على السائرين إليه، ويعيد الاتزان إلى "كونه" بإلهام بعض عبيده السير في الطريق الصحيح المؤدي إليه، وإلى مقومات السيادة المتدرجة بالدنيا، وعنصر الإعجاز هنا أن يتأتى هذا من مسلمين غير عرب، مصداقاً لقول الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن أبي هريرة، رضي الله عنه: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء" رواه مسلم.

"4"

يوم معركة بدر وقف الرسول العظيم يدعو الله، عن ابن عباس، حتى ليبدو بياض أبطيّه وهو يردد:

- "اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض بعد اليوم"، رواه البيهقي.

ومع الفارق الكبير، فإن الله لم يكن ليترك نور هديه، والتجارب السائرة إليه لتخبو في الأرض كلها، ومع أن البشر يصيبون ويخطئون إلا أن غلبة الإخلاص ومحاولة التجرد لله، أشعرت المخلصين في مشارق الأرض ومغاربها أن الله لن يخذل التجربة التركية في الدقائق والساعات المريرة التي صعدت آلاف الدعوات إلى رب العزة فيها بحفظ العدالة والتنمية والرئيس "أردوغان"، ورغم أنهما غير مبرئين من الخطأ فإن القلوب التي رأتهم يأخذون بجانب الأسباب، ويستقبلون المهجرين المظلومين ذابت شفقة إلى الله من ضرر يصيب بلد تؤوي الضعفاء وتحاول احتواءهم فضلاً عن محاولتها إعلاء راية ليس غيرها تقريباً خفاقاً في الأرض اليوم.

"5"

ومع ازدهار منظومة الوعي في النفوس المرتبطة بربها بوجه خاص، ولدى الشعوب بوجه عام يكون الوقوع في نفس الخطأ مرات كثيرة صعباً بمكان، فإن شعباً رأى في تدخل الجيش عام 1960 حفاظاً على علمانية الجيش ومبادئ "مصطفى كمال أتاتورك"، وعام 1971 حلاً لأزمة اقتصادية طاحنة، وعام 1980 راحة من صراع بين اليمنيين واليساريين راح ضحيته عدد غير قليل، وعام 1997 استجابة للنخب النسائية والعلمانية.. لم يكن ليذوق كأس الهوان والمرار بتدخل الجيش مرة خامسة.

هنا تنضج ثمرة الوعي، ورغم الأخطار نؤمل في سنة الحفاظ البشري على المنجزات، وإيذان رب العزة بهذا، فإن مصر التي دخلت دوامة الانقلاب منذ عام 1952م فشحت منها العقول والأرض والبلاد لم تستفِد من مرارة التجربة.. إلا أن يأذن الله أمراً.

"6"

ليست القوة هي الحاكمة بحال من الأحوال في ملك الله، مع اتخاذ الحيطة والحذر ثم التوكل عليه تعالى، فلما اجتهدت العقول التركية، وأحسنت التدبير استطاعت الوقوف أمام سيناريو نجح أربع مرات في نفس البلد؛ لأن اتخاذ الأسباب لم يكن على نفس المستوى، لكن لما أيقن الآلاف بضرورة العمل للحفاظ على مكتسباتهم، ونضج التناغم بين الشعب والفئة المعدة لمثل هذا الموقف "الأمن الداخلي" جاءت المعية والحفظ والتوفيق الإلهي الذي نتمناه لكل المنتسبين لرب العزة.

وهكذا فإن نضجاً مشتركاً متناغماً بين ممسكين بالسلاح وأقران لهم تم إعدادهم بعناية ساوى التدخل الإلهي الذي طالما أتعب آخرين غيابه في دول عدة بعالمنا العربي على الأقل.

"7"

الحفاظ على النفس من أسمى أغراض الشريعة الغراء، وكل ما سبق يصب في هذا المنجز الحضاري، فإن دون 300 نفس تركية، نسأل الله تقبلهم في الشهداء استطاعوا الحفاظ على أرواح 79 مليون تركي.. في ليلة حفظ الله فيها تركيا.. نتيجة منظومة الأخذ بالأسباب.. بل علمت العالم أن تجربة إسلامية يمكنها الاستمرار إذا ما أجادت الأخذ بمتطلبات الحضارة، ومن قبل تقديم دينها على نحو مشرق، وهي التجربة التي نسأل الله واثقين من الإجابة أنه لن يخذلها.. ونتمنى على وطنا العربي الإسلامي الاستفادة من دروسها المختلفة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.