المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ثابت Headshot

جريمة "مسجد الروضة": الإخوان بين المظالم والسياقات

تم النشر: تم التحديث:

تطوير الفكر وآلية التعامل مع المجتمعات البشرية أمر مختلف تماماً عن الإبقاء على جماعة أو حتى تنظيم داخل حدود المسجد، ففي الأخير يمكن لقادة الإصلاح والتنوير المُخلصين -على قلتهم- أن يبقوا بمنأى عن صخب السياسة ومحن وفتن محاولة الاستئثار بالسلطة.

وفي الحالة الأولى، يمكن للداعية الشريف المُنزه قدر الإمكان عن الخطأ والخطيئة أن يبقى في حدود المسجد يُربي مَنْ حوله ويتربى معهم، أو يُلزم نفسه بالآداب والتعاليم الخاصة بالإسلام، ومُسلَّمة أن في التيار الإصلاحي -خاصة الإخوان- مُنزهين عن الخطأ والخطايا أمر مفروغ من عدم سلامته، لا لأمر يخصهم؛ بل لأنه طبْع أودعه الله في المجتمعات البشرية بوجه عام.

فإذا تراكب الأمر وازدوج وخص شعوباً عربية، منها الشعب المصري.. وكلها عانت وتعاني الظلم المُركب مئات السنوات، صار دور المصلحين -وفيهم الإخوان- بالغ الدقة والخطورة.. ويجب أن يحتوي سياقاً واضحاً للإصلاح لا يحتمل الترهات والانسياق خلف كل صاحب صوت، قصد الإصلاح أم لم يقصد.

لعل هذه المقدمة لخصها الإمام "حسن البنا" -رحمه الله- في لقائه الأخير بالراحل الشيخ "محمد الغزالي"، وقال الشيخ عن اللقاء: "التقيته وكان لحماً على عظم.. بالغ الأرق، عانقني قائلاً: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لعكفتُ على تربية مائة من الإخوان داخل المسجد لا أخرج بهم ولا أقرب السياسة"، وهو المعنى نفسه الذي نقله أيضاً عن الإمام الراحل "فريد عبد الخالق" في شهادته على العصر على قناة الجزيرة.

أما وإن الجماعة ازدادت انغماساً في السياسة بعد رحيل "البنا"، رحمه الله، ولم تنتبه إلى كلماته قرب مغادرته الدنيا على النحو المؤسف المعروف- فإنه لأمر محير يحتاج إلى قراءة مُعمقة.. والأقرب إلى الفهم أن الجماعة تم الزج بها في حلم "ثورة يوليو/تموز 1952" والحكم الإسلامي المُنشود لمصر، في تعجل استجابت دون تهيئة حقيقية أو إعداد لكوادر أو حتى نواة لها.

واستناداً إلى رؤية الإمام الراحل السابقة، التي نقضها وهدمها حديثه في نهاية حياته، تمسكت الجماعة بالإصلاح بداية من البيت ووصولاً إلى الدولة ثم الأمة وأستاذية العالم، وهي رؤية وإن كنا لا نشك في صدق وإخلاص الراحل الذي صاغها، إلا أنه يبقى أنها أميل إلى المثالية والخيال والتعلق بالمُحال؛ ومن ثم الاستناد إلى ما يخالف الواقع من افتراضات نظرية في مقابل قسوة وتردي الواقع المصري الحقيقي المُتشعب بما يحتويه من فساد واعوجاج نفوس وإجرام، فضلاً عن أنه لم يحدث على مدار التاريخ أن استقام مجتمع كله لله حتى في عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام والتابعين، ورغم محبتنا للمشروع نفسه، فإن سياق الوصول إليه كان يحتاج إلى كثير مراجعة وتطوير وتغيير.

وبعد وفاة الإمام الراحل، تمسكت الجماعة بنهجه في الإصلاح والوصول إلى الحكم، مما سبب محنتها الأولى في 1954، ثم الثانية في 1966م، ولم يغير أمر المحنتين اللتين نشأتا عن تمسك الجماعة بوجوب حكم مصر، شيئاً من تفكير القادة؛ ومن جديد التفت الجماعة على التكوين البشري والمُسلّمات الإنسانية لتحاول الوصول بنفسها إلى الحكم في عهد المخلوع "حسني مبارك"، وبقي أن كان رأيه فيهم أنهم مثاليون يرون حكم مصر أمراً هيناً، وهذا أكبر عيوبهم.

وإثر عهد "مبارك" وما شهدته مصر من انحدار بالغ على مستوى أداء الجماعة، وتضامن الأمر وتزاوج واختلط مجدداً مع حلم حكم مصر، بالإضافة إلى ما سبقه من أمور.. مع عدم الانتباه إلى ضرورة تعديل مسار الإمام "البنا" النظري الذي تراجع بنفسه عنه في نهاية حياته، وكان أن توقع الراحل المُرشد "مصطفى مشهور" أن يحكم الإخوان مصر عام 2018، ثم لما جاءت الثورة قال الراحل "جمعة أمين": "كنا قد وصلنا لمرحلة وسطى من الإصلاح في المنظومة المتدرجة (الخاصة بالإمام البنا)، فعلّ الله (زوى) لنا المراحل (قارب بينها)".

وهكذا بقدرة قادر، صار السياق النظري للإمام "البنا" الإصلاحي غير الموائم للواقع أصلاً فيما نرى، وهو يسير بسرعة بالغة البطء لإصلاح نفوس، بعضها كتب ربها ألا صلاح لها من الأساس، وهكذا صار السياق النظري المُتعب المُعنى مضاف إليه القبول بالمسار الثوري وبعد نيف وثمانين من حياة الجماعة.

ونتيجة لما سبق ولحلم الوصول، بأي نهج وطريقة، إلى حكم مصر، استبدت مجموعة من الإخوان بالجماعة كلها في مصر، وأصرت على الوصول إلى كرسي الحكم، وكما عدلت الأسس النظرية بإضافة الثورة للمسار الإصلاحي تلاعبت -للأسف- بمجلس شورى الجماعة ليعقد اجتماعه ثلاث مرات، أو لتقسم الجلسة لـ3 اجتماعات.. المهم أنه تم التصويت مرتين برفض الترشح للرئاسة، وكل مرة يقنع المهندس "خيرت الشاطر" المُمانعين بضرورة تغيير أفكارهم حتى كان له ما أراد.. وكان ما كان من استبعاده هو نفسه من انتخابات الرئاسة..!

وفي خضم هذه المحنة التي كانت مكشرة عن أنيابها، خان الإخوان المُعتادون التربية الدعوية في المساجد، وهي أشرف مهمة لو علموا واكتفوا، خان الإخوان في المشهد كله السياق، فهم يفهمون ما يريدون، وهم يريدون الوصول إلى حكم مصر في النهاية، ويرونه حقاً لهم، وهم لا يستطيعون أن يفهموا أن الأصوات التي تدعمهم مرة بعد مرة في صناديق الانتخابات أصوات غفل -مع احترامنا لأصحابها- أو خالية من النخبتين القويتين من حملة السلاح والفكر المؤثرين في المشهد العام الرسمي بالدولة، والأخيرون أشد خطورة بمكان، وإمكانات بيعهم أنفسهم في مقابل العودة إلى السلطة أكبر من إمكانات الإخوان أنفسهم وإخلاصهم في سبيل الاستمرار بالحكم، مع عدم وجود الكوادر المؤهَّلة ولا الفكرة المساعدة لدى الإخوان أو مجرد التخلي عن أخطاء نظام "مبارك" والعسكريين من قبله؛ بل مع قبول الجماعة البناء بأعلى مؤسسات المخلوع.

كانت الفكرة واضحة لدى النخبتين أو لدى فَسَدَتهما بوجه خاص، فالتعميم لا مجال له هنا، استدراج الإخوان إلى سياق حكم مصر، ثم القضاء عليهم مجدداً، لكن عبر محنة أكثر قسوة وضراوة، وهو ما قال به المشير "محمد حسين طنطاوي": "تركنا الإخوان للمصريين، ولم نترك المصريين للإخوان".

كانت حرب السياقات -وما زالت- المأمن الذي يؤتى الإخوان منه؛ إذ يعمدون إلى فكرة الخروج إلى الحياة العامة والسياسية، محاولين التكيف مع أنظمة الحكم المختلفة بداية من الملك "فاروق"، دون تحسس لخصوصية أو حتى سلامة الموقف، والنتيجة أنه من مأمنه يؤتى الحذر، فيتم العصف بأمن الإخوان بدلاً من أن يصل الإخوان إلى الحكم مرة بعد مرة والإخوان لا يستوعبون ولا يريدون فهم أن عدوهم متحالف داخلياً وخارجياً ضدهم، وأن فكرة نصر الله لهم فكرة واهمة، فلا ينصر الله المُتمنين أو الحالمين ما لم يسلكوا طريق الأسباب.

كان السياق المعاصر لعملية خداع الإخوان أن يتوهموا أن نجاحهم في انتخابات 2012 يساوي حكمهم لمصر، فضربت النخبتان السياسية والثقافية (في أغلبهما) بالسياق عرض الحائط، ثم كان السياق بعد ذلك عودة الإخوان للحكم، فمدت النخبتان في حبال الحلم للإخوان وهما يعلمان أن هذا يفرحهم ويسرّهم حتى ذاب الحبل والإخوان ما زالوا يتمنون، ثم صار السياق أن يعود الإخوان للوجود.. مجرد الوجود.. في مصر بأمن وأمان، وهو ما أصر الإخوان منذ عزل الجيش الدكتور "مرسي" على أن العسكر يتمنون ويحبون الأمر.. وسواء أكان صدقاً ما قالوا أم لم يكن كذلك، فإنهم مؤخراً يعلنون أن النظام لا يريد وجودهم من الأساس.

ومؤخراً، صار السياق أن تبقى مصر لعل الإخوان يعودون يوماً ما إليها -كما عادوا في عهد السادات بعد وفاة عبد الناصر- وهو ما تضربه النخبة العسكرية بقسوة عبر أحداث، آخرها وأخطرها جريمة مسجد الروضة، سواء بالمشاركة أو الرضا أو التخاذل عن الحماية، وغالباً بالاحتمالات الثلاثة لكن بدرجات.. تضرب النخبة العسكرية استقرار مصر بقوة وتعاونها الثقافي الإعلامي.

ولا يبقى السؤال حول إفاقة "السيسي" ونخبه الداخلية والخارجية -إن كان الإخوان يعولون ولا يزالون يعتمدون على بعضهم- فإنه لا معول على هذا النظام أو من داخله إلا إذا أفاق الإخوان وأدركوا خطورة "حرب السياقات" التي يُساقون إليها وهم مستسلمون غير مدركين أصلاً.. كي يحفظوا ما تبقى لهم من أنفسهم ومن مصر!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.