المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ثابت Headshot

شهداء مصر المُصفون جسدياً.. الطبقية وذكرى "سيارة الترحيلات"

تم النشر: تم التحديث:

لا يكاد يمر أسبوع واحد على مصر إلا ويستشهد عدد من خيرة أبنائها وزهرة شبابها وأفضل رجالاتها، فيما يُتعارف على تسميته بـ"التصفية الجسدية"، والأمر متكرر رغم ازدياد آلام أسر مصرية بريئة خوفاً على ذويهم المختفين قسرياً أو المسجونين سياسياً.

ورغم أن هناك وحدة في وزارة الداخلية مختصة بالتخلص الفوري من خيرة شباب مصر الثوري؛ ورغم أن وحدة التصفية تتبع مباشرة قائد الانقلاب "عبد الفتاح السيسي" وتدار بأوامره عبر مستشاره الأمني اللواء "أحمد جمال الدين"، إلا أنه لا توثيق دقيق من جانب القوى الثورية أو جماعة الإخوان، لعدد وملابسات استشهاد المُصفين جسدياً منذ الانقلاب.

ومن المُتعارف عليه أن ولاية وزير الداخلية المصري "مجدي عبد الغفار" هي إحدى الولايات الأكثر دموية في تاريخ داخلية مصر، ووفق تقرير لمركز "النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب"؛ فإنه خلال أكثر من سنتين مريرتين من تولي "عبد الغفار" الداخلية تم رصد وتوثيق 474 حالة استشهاد على يد الأجهزة الأمنية أغلبها تصفية جسدية خارج أماكن الاحتجاز الرسمية.

ومع ازدياد الأعداد وتعدد حالات القتل المتعمد من "مسافة صفر"، والادعاء بأن الشهداء، نسأل الله أن يتقبلهم، هاجموا الداخلية، دون إعلان عن إصابة عنصر من عناصر الأخيرة، ولو بخدش في أصغر أصبع من قدمه، بخاصة أنه في أسبوع واحد (من 8 إلى 15 من يوليو/تموز الماضي) تمت تصفية 30 مصرياً في عدة محافظات، وفق الأرقام الحكومية الرسمية، أما من جانب تقارير الطب الشرعي فإن مراقبين للأحداث المصرية البالغة المرارة منذ الانقلاب يقولون إن تقارير المعمل الجنائي تغض الطرف عن الرصاص في أجساد الضحايا، وكونها من "سلاح ميري" أو تتم فبركة وتزوير التقارير الخاصة بالأمر.

عقب إحدى معارك الفتوحات الخاصة بالإمبراطورية الفارسية، جاء أحد الصحابة ليبلغ أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب" بتفاصيل المعركة وأبرزها الشهداء وكانوا كثر، فلما انتهى الصحابي من ذكر الذين يعرفهم.. قال في تأثر:

ـ واستشهد من المسلمين كثير يا أمير المؤمنين مِمَّنْ لا نعرف!
فبكى "عمر بن الخطاب" بشدة وقال من خلال دموعه:

ـ وما ضرهم أن يعرفهم "عمر" إن كان الله يعرفهم؟!

والمقولة الأخيرة مُلخصة لواقع حياة وممات هؤلاء الأبطال المصريين المظلومين اليوم، فهم قبل استشهادهم يتم انتقاؤهم والتأكد من عدم وجود علاقة لأحدهم بعلية القوم من الداخلية أو القضاء أو غيرهم من ذوي السلطة؛ ويعزز ذلك أن وقائع التصفية خارجة عن إطار القانون والشرع والإنسانية، لكنها وقائع قتل انتقائية تتزايد لمجرد استمرار إرهاب الشعب المصري.

ولعله من ثابت الأمور أنه نهاية بالتصفية الجسدية وبداية من عقوبات السجن أو الإصابة؛ الأمور كلها تجري بقسوة بحسب الطبقية الاجتماعية؛ فضلاً عن الخلاف السياسي، ولا علاقة لا بالقانون أو حتى الإنسانية بما يحدث في مصر منذ الانقلاب العسكري؛ فنجل اللواء.. الضابط الصغير السن والرتبة الذي تسبب في استشهاد 37 معارضاً للانقلاب في سيارة الترحيلات في ساحة سجن "أبو زعبل"، منذ 4 سنوات، بالتحديد في 18 من أغسطس/آب 2013، بتعمده إغلاق الباب عليهم وإلقاء قنابل للغاز في حيز السيارة الذي لا يتجاوز أمتار بالغة الضيق،

مع تركهم لأكثر من 6 ساعات في حرارة شمس الظهيرة التي تجاوزت يومها الأربعين، في المقابل اتصل بعد حين "عباس كامل" مدير مكتب "عبد السيسي"؛ أيام كان الأخير وزيراً للدفاع موصياً مستشار "السيسي" آنذاك اللواء "ممدوح شاهين" بتسوية القضية؛ وتبرئة الضابط المسؤول عن وفاة 37 من خيرة رجال مصر، وإعفائه حتى من تهمة "القتل الخطأ".. بحسب تسريب قناة "الشرق" في نسختها الأولى في 29 من ديسمبر/كانون الأول 2014، وقد كان، والحادثة واحدة من مئات إن لم يكن أكثر، ولكنها الأبرز دلالة على الطبقية المصرية واستفحالها في عهد الانقلاب، فقد كان الضابط القاتل نجل لواء في الجيش.

في عهد المخلوع "حسني مبارك" كان ضباط الأقسام يسمحون لأي متهم في قضية، أياً كان وكانت، باتصال هاتفي من هاتف القسم، وقبل ظهور وانتشار المحمول وبعده، وذلك في آلية واضحة بتعليمات من الداخلية؛ لكي لا يتم إيذاء وتنكيل بمحتجز له واسطة؛ وكان يُعاقب بقسوة الضابط الذي لا يسمح لمتهم بإجراء المكالمة بخاصة إن ثبت أن الأول له علاقات نافذة بمسؤولين في الدولة.

وبعد 11 من فبراير/شباط 2012م والآمال المزدهرة بنجاح الثورة المصرية، كانت القوى الشبابية تدعو لمليونيات للضغط على المجلس العسكري الذي يحكم البلاد للاستماع إليها وتنفيذ أوامرها، وفي إحدى هذه المرات استدعى اللواء "محمد العصار"، وزير الإنتاج الحربي الحالي، وأحد أعضاء المجلس العسكري آنذاك، الشباب الثوري الداعي للمليونية وقال لهم:

ـ كفى مليونيات.. لن ننفذ مطالبكم.
فقال له أحد شباب الإخوان؛ وهو صديق لصديق:

ـ إنك تُملي علينا بهذه الطريقة ولا تفاوضنا.
فصاح اللواء العسكري:

ـ المقابلة انتهت.. اسمعوا، جميعاً، إليّ جيداً.. هذه البلد (مصر) قامت منذ الفراعنة على منظومة الأسياد والعبيد؛ ونحن هنا الأسياد وسنظل.. رتبوا للمليونية وسنرتب لما نريد.. مع السلامة!
حمى الله مصر والأمة من طوفان المستبدين وسيئ أفعالهم وأقدر أبناءها على العمل للخروج من خضم هذه المفاهيم الملتوية والأحداث المريرة المريعة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.