المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ثابت Headshot

اللجنة!

تم النشر: تم التحديث:

عرفتُ لجنة الامتحان في الصف الأول الابتدائي، لم أكن أحب المدرسة ككل أبناء جيلي، ولعله الأمر شبه الوحيد المُتفقُ عليه بين الأجيال حتى الجيل الحالي، ورغم أن "القومية الابتدائية الخاصة المشتركة" كانت أول مدرسة خاصة في "زمام" بلدتي ومسقط رأسي، وأول حب حقيقي في حياتي من الأشياء، والبشر لكن بعد أبي وأمي وإخوتي، إلا أن مالكها لم يكن تربوياً، وكثيراً ما ضُربتُ بالخيزرانة لأسباب لم تكن واضحة لا من الأساس ولا أصل لها لديّ، من مثل وضعي ليديّ في جيوب البنطال، ولم أكن أعذرُ بالجهل، بل كان مدير المدرسة وصاحبها يناديني بالاسم المعروف به مثلي لديه:
ـ تعال يا ابن فلان.. عامل لي فيها مهم.. إيدك.

ولنفس السبب الذي نالتني به أول ضربة من "خيزرانة" في حياتي، وأحسب أن اسم العصاة القادرة على التلوي قادم من اسم امرأة ليّنة، لم أعرف من ليونتها سوى الأذى حتى أسلمني التعليم إلى المرحلة الجامعية، إذ إنني من جيل تم ضربه حتى نهاية المرحلة الثانوية، وكلما كانت العصاة أكثر ليونة وطولاً كلما ازداد سعرها وبرع المدرس والناظر وهلم جراً في ضربنا بها، المهم أنه لسبب ضربي بها بلا سبب لم أكفَّ حتى اليوم عن وضع يديّ في جيبي في أقسى درجات حرارة الصيف فضلاً عن زمهرير الشتاء..

ولي في المدرسة القومية ذكريات لن أنساها من ملمس الظلم المواكب لبدايات تحول المجتمع المصري كله إلى الانفتاح في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات كان قد بدأ منذ الصف الثالث الابتدائي، وكم سبب ذلك لمثلي من مشكلات بداية من الرجل الذي افتتح "كشكاً" لبيع السجائر الأجنبية الحمراء متخذًا من جدار المدرسة حائطاً رابعاً وسؤالي للمدير عن السجائر هل هي جائزة؟ ولماذا يقبل بوجود هذا المحل على سور المدرسة؟ والنتيجة علقة ساخنة وحوار بالغ القسوة بين المدير وأبي، ثم قول الأول لي إننا أسرة في المدرسة غير أسرة البيت، لم أفهم ولكن خوف المرأة التي في يده تلهب يدي "الخيزرانة" اصمتني..

آخر العام كانت لجنة الامتحان:

ـ لماذا؟!
قالت أمي، رحمها الله:
ـ لنتأكد من أنك فهمت المنهج.
ـ "أمل وعمر"؟!
.. إن لم أفهمه فلماذا واصلت الحضور منذ السابعة صباحاً لثمانية أشهر إلى المدرسة في البرد الشديد، فقط يوم المطر لم أذهب..
ـ هناك من يذهبون ولا يفهمون؟

ـ ولكني لستُ كذلك؟
ـ ورق الإجابة هو الذي يؤكد ذلك لا كلامك!
ـ وإذا لم يؤكد الورق؟
ـ تعيد العام كله؟!
ـ وهل هذا سيحدث؟
ـ مبدئياً الآن لا.. حتى الصف السادس الابتدائي
ـ ولماذا الامتحان إذن؟!
قالت رحمها الله لتنهي الحوار:
ـ لا تعامل الذين من حولك بعقلك قد لا يفهمون، فقط هناك أمور في الحياة يجب أن تتم.. هذا كل ما في الأمر..
يوم الامتحان الأول أوصتني أمي، أصدق معلمة وأول معلمة في حياتي، بأن أكون آخر إنسان يخرج من اللجنة، وظللتُ أغلب لجان حياتي كذلك، ولكن ابنة المدير خرجت بعد نصف الوقت مثلما تقتضي اللوائح، لماذا؟ قالت:

ـ هي حرة.. اعتقدت أنها لن تتم تعليماً عالياً.. وحبيبي سيفعل؟

وبالفعل لم تتم تعليمها، ولكني حتى مرحلة التعليم العالي فوجئت بـ"محمود" أكثر أفراد الدفعة كلها ذوقاً والأول عليها، وابن أحد بسطاء العاملين بالجامعة، لا يستغرق الامتحان منه سوى نصف الوقت.. وتقديره "جيد جدًا"ً كل عام، وإذا خرج بعد نصف الوقت بعشرة دقائق عرفنا أن الامتحان كان صعباً، عرفتُ باختصار أن الأمر به "فلتات" ليس إلا..

أتذكر المواقف وتاريخها لما أفتقد آناساً مضوا من حياتي إلى العالم الآخر مبكرين جداً، أبي وأبو الأحباب من أحياء البشر في حياتي كلها كان على قمة الراحلين وما يزال لدي، رحل في مثل عمري الآن تقريباً، ومن بعده خالتي فاطمة التي لم تكمل عامها الخامس والعشرين، وكانت أحب أصحاب الحنان إلى النفس، جدتي زينب التي إن عمرت دروباً في الحياة فقد أقفر دربي بتركها لي ولمّا أعرفها جيداً وأخبر مقدار صبرها، وهلم جراً حتى زميليّ الجامعة: أحمد كمال، وكان أحد أفراد الدفعة من مدينة "سمالوط" المقاربة للمنيا، مسقط الرأس، لكن من الشمال، وكان دائماً ما يفتح الزر الثالث من القميص صيف شتاء علامة الصحة الموفورة وكم قلتُ له:

ـ يا عم "العفي" في الدفعة زميلات سوف تفتنهن.
فضحك وقال:
ـ أنا ابن فلاح.. أين مثلي من أبناء البندر من أمثالك.. ينظرن إليك وإن أغلقت الزر الأول..
مرة لاقيتُه ذاهباً إلى السينما، رحمه الله..

أما الثاني فمات بعد التخرج:محمد زكريا، وكان من المدينة المقاربة للمنيا لكن من الجنوب، ومات إثر التخرج إذ فضل العمل في "البحر الأحمر" وصدمته سيارة هناك، رحمه الله، فقد كان كثيراً ما يردد مع سيدنا زكريا:
{رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ}‏ الآية 89 آل عمران.

وكان ينتهز فرصة أن اسمه بيننا "أبو زكريا"!
احتار عقلي كثيراً لماذا تُوفي هؤلاء مبكراً وتركونا للحياة، تذكرتُ الحديث الشريف:
ـ خير الناس من طال عمره وحسن عمله. رواه الترمذي.

ولكن منا الذي يطول عمره ولا يحسن عمله..

مؤخراً هداني تفكيري وتدقيقي في مشاهدات في عالم الآخرين وأحياناً كتاباتهم:
من الناس من يستطيع الإجابة الوافية عن امتحانه مبكراً.. ولئلا يُفتن، والله أدرى بالجميع، يتم سحب ورقة إجابته مبكراً رحمة إلهية به!
فيما يبقى مثلنا في "اللجنة"!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.