المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ثابت Headshot

45 ثانية

تم النشر: تم التحديث:

مع الأيام بدات تتسرب إلى قاموس حياتي كلمات كنتُ أتجاوز عنها، لئلا أسمعها، تصل حدود الأذنين وتنفذ ولكني لم أكن أفهم لها معنى، مع كوني الحريص على تفهم، لا مجرد فهم بل المبالغة في فهم عابر الكلمات التي تُقالُ أمامي، ومثلي الحريص على تَسمع، من دقيق السمع فيما أفهم، كل ما يصل إلى أذنيه، بدأتْ تتفلتْ منه كلمات:
ـ حضرتك..
ـ يا عمو..
ـ نريد أن نستفيد من خبراتك..
بل إن البعض كنتُ أخطط لمصادقته ومصاحبته ففوجئتُ به يقول:
ـ نريد أن نتعلم!
مع الوقت أخذت الكلمات تترسب في قاع التعاملات، وتشد وجداني، تنبهني إلى ما يُقال لي، وفي المقابل صرتُ أراقب كيساً لم يكن موجوداً من الأساس، ومع الأيام صار يتضخم قليلاً فقليلاً، حتى صار في حجم بين حجمين، فلا هو بالقليل ولا هو بالكثير، باختصار كيس من أدوية أضم إليه آخر التحاليل والوصفات الطبية، كما بدأت ألاحظ حاجتي لنظارة جديدة غير نظارة الرؤية التي اعتدتها منذ الصف الرابع الابتدائي، تلك التي أجلسني أصدقاء تلك المرحلة، أدفع عمري كله وأعود لمصاحبتهم بل مخاللتهم من جديد، أتوا بكرسي مخصص للمعلمة، وكانت المدرسة القومية الابتدائية الخاصة ببني مزار تأتيها المعلمة من المحافظة المنيا، أجلسوني وداروا حولي بنات وبنين محتفلين بـ"أبي أربع عيون"، أو العينين الجديدتين اللتين تم إضافتهما إليّ، ومع الأيام أُضيفتْ إليَّ عينيان أخريان، هما عينا نظارة القراءة، ولم أجد حولي رفقة الأصدقاء ليحتفلوا أو ربما ليأبهوا أو يهتموا بالأساس بي!

أولئك الذين يقولون لي "حضرتك، يا عمو، خبرتك، نستفيد، أخشى أن خبرتي لا تؤهلني للتعامل مع مثلك، تواضع منك أن تتعامل معنا"، أولئك الذين تكسو الجدية التامة وجوههم وهم يقولون الكلمات الماضية.. دائماً كنتُ أحب أن أقول لهم:
"تمهلوا لدي أقوال أخرى"!
ولكنهم أبداً لا يمهلون..
صديقي الذي بلغ الأربعين قبلي قال لي:
ـ الواحد منا مثل السيارة، بعد الأربعين تضاء لمبات تحذير كثيرة، ضوؤها الأحمر إشارة قوية تتلألأ أمامه، أن ينتبه لعدد من أعضاء جسده الحيوية وإلا افتقدها غفلة..
أما واحد من أقرب الأصدقاء فسألني على مقهى كـ"مربط الفرس" على حد قوله، أي في الدولة الجديدة التي توسطتْ عالم محاوليّ التحرر من ظلم البشر، فبعد أن كانت الدولة إنجلترا ولندن، صارت تركيا وإسطنبول، تفصيلة مهمة في الإلمام بأجراس الإنذار التي تضرب من حوالينا، تفاصيل بشر يخونون دون إنذار أو مبرر، آخرون يصل تحرشهم ببعضهم حد محاولات القتل المتعمد، معنوياً على الأقل، آخرون يتعمدون تقليد أفعال الطغاة الذين تركوا، هم أنفسهم، بلادهم من أجل ظلمهم، قال الصديق ببساطة:
ـ كم لديك من العمر الآن؟
ـ خمسة وأربعون.
قلتُها ببساطة الذي يدلك على لافتة أمام عينيك ولا تراها، معلومة عفوية لا تضطر البنكرياس لإصدار سائل معين يساعد على هضم خطير الكلمات مما لا يُهضمُ، أكان التخيل قد تعب في استعراض عمر لا يدري كيف تولى عني، وجاء الخريف قبل الربيع، وتمادى الشتاء في غروره، وكأنه لا صيف يعود إلى الأفق:
ـ بقيتْ لنا "خمساية" يا صديقي ونصير خارج التاريخ .. تُعكسر الحياة منا عند الخمسين فلا تبرح.. ونصبح من "الأنتيكات" عوالم الحياة الرحبة ستعدنا من "الفائت"!
"خمساية" السنوات صارت "خمساية" كالخمس جنيهات، وهي لمَنْ لا يعرفها أبسط عملة مصرية، تقل عن الدولار وتزيد عن السنت ولا يقبل بها الصغار مصروفاً!

خمسة وأربعون ثانية من العمر..
كيف مرت؟ لا أعرف!
أمس فقط كنتُ أسير إلى جوار أبي، رحمه الله، في رمضان الأول الذي أعيه من العمر، يدخل باب صديقه بعد التراويح، والقمر جريح مكتمل، أو ليس الاكتمال علامة الجراح لما سيتبعه من نقصان؟ أمس فقط كنتُ أترك القمر على الباب، وأعود في نهاية الزيارة، بعد أكل لذيذ الطعام فلا أجده فأبكي بالدمع الغزير، ويقولون عني "حالم"، أمس فقط كان اليوم الأول من تاريخ دراستي على الإطلاق، وبكاء ابن الجيران حتى خفت عليه الممات لمفارقته أبيه وأمه، أمس فقط نلتُ الشهادة الابتدائية، وطرتُ إلى "عم عبد الغني" جنايني حي "الطراد" لأقول له:
ـ نلتُ الشهادة الكبيرة!
إذ إنه كان كلما لقيني سألني:
ـ هل أخذت الشهادة الكبيرة؟

أما "الطراد" فلم تعد به حديقة بل صار مساكن خاصة وشعبية، وأما الجار الذي بكى فقد صار ضابطاً، وأما أصدقاء أبي فقد تفرقتْ قبورهم، وأيضاً ما زلتُ أذكر الأمس المدرسة الإعدادية، شكوى مدرس التربية الرياضية من أبناء الابتدائية القادمين من مختلف المدارس، ولا يعرفون أن الأميرية -ولم يكن ببلدتنا سوى إعدادية رئيسية والأقباط كفرعية- كانت مقراً لشرطة الإنكليز وكم أعدموا فيها من لا يقف مستقيماً، "يا سلام على الأيام"، تمثال جمال عبد الناصر في الحوش كم احترنا من هذا، الإذاعة الصباحية، والمقدمات المفعمة بالإيمان، وعم رياض إذ يضبط الطابور، ينزل لأرض "المعركة" بالخيزرانة قبل أن يقول "تفضل يا ابني"، الصداع الرهيب عند شرح مقررات الرياضة والعلوم والنحو، غياب أبي فجاءة قرب الرابعة عشرة، القبر بهاؤوه وألقه، الإفاقة على حقيقة الحياة والموت، بعدما كنتُ أعيش حلم استمرار جميع الذين حولي على قيد الحياة..

المدرسة الثانوية، وبداية الأسئلة حول الشر والخير، الحق والباطل، زملاء يعرفون الطريق إلى البارات والمقاهي والنساء، وآخرون يجتمعون في المسجد، واللوحات الورقية التي كنتُ أعدها حول القرآن والسُّنة، الفصول التي على سطح المدرسة، زلزل المرة الأولى في العمر، الجميع جرى فيما عداي أخذت حقيبتي، أستاذ صبري والضحك البريء من الأعماق:
ـ ماذا في الشنطة يا محمد يا ترى؟

الصف الثالث، عناوين الحياة، استنفار العود الأخضر لقواعد الهمة والإمكانات، الفشل الذريع لافتقاد الناصح القريب بعد الأب ومسئوليات أمي المُضاعفة، الجامعة والكلية والرفض القاطع للاستمرار في مسيرة التعليم، الحس العلماني للجيل الثاني من تلاميذ الراحل "طه حسين" التحمل غير المبرر لدي لأطروحاتهم، وبسطاء الزملاء وحب التخرج، بدايات الاعتراض على فرض الرأي، العام الأخير وبدايات التصالح وحب الانتهاء من هذه الصفحة، العمل الحكومي، الالتحاق بالإعلام..

كل هذا كان أمس، أول أبنائي وتلقي يداي له، وبكاؤوه بالليل، وتعلقه بي، سفري إلى الخليج، ثعلبة رأسه لحزنه على فراقي، ألتقاؤونا والعودة إلى الثورة، الحلم والوهم، الانتخابات، كل هذا كان أمس فقط..
واليوم يبدأ العمر من الصفر..
بلد غريب وطوفان من المخلصين ومثلهم من الخونة!
وصراع على أشده على حق وباطل داخل صراع مماثل في مصر والعالم!
ويُقال لي: مر العمر..
اللهم تقبل!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.