المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ثابت Headshot

فصل الإخوان للدعوي عن السياسي في مصر بين الفهم والإفلاس!

تم النشر: تم التحديث:

من دلائل وعلامات تيّه الخطو، وبُعد الطريق أن ترى السائرين ينحازون عند كل "منعطف" إلى حارة فرعية تدفعهم لمزيد من الحيرة والبلبة بدلاً من محاولة "رصد الطريق الحقيقي" والاستمرار في الخطو نحوه وإليه.

ومن دلائل وعلامات استمراء التيّه والارتكان إليه أن ترى أصحاب الحق، الأَولى باتخاذ منهج واضح للسير، والحرص أن يكون طريق الحق شعارهم ودافعهم إلى استمرار الحياة، أولئك الذين لا تعد أنفاسهم إلا بمقدار حرصهم على السير نحو الله، والتقرب إليه بتعبيد خطو التائهين والحيارى نحوه تعالى، من دلائل "زيغ الخُطا" أن تراهم متخبطين نحو كل "سراب" يسيرون إليه، ظانين به "هدى"، وهنا نأخذ من الانقلاب أكثر مما نقاومه فإن سياسته الإعلامية الهلامية تشير إلى شغل الناس كل آن بما يبعدهم عن واقعهم، ويقربهم من التفاهات وسفاسف الأمور.

ورب دعوة إلى جزئية أو علامة هدىً في الطريق لكن بعد فوات الأوات، أو مع عدم إحسان اختيار موعدها تساوي إغراقاً في الغرق ليس إلا!
تذكرت الأمر وأحد قيادات الإخوان المحسوبة، على الناحية الأخرى الآن في تركيا، أو "المُنشقة" بحسب تعبير القيادة التي ترى نفسها رئيسية، ورحمنا الله فإننا نرجوه عصمتنا ممن يقومون مبكراً فيفتحون باباً قبل غيرهم فيظنوه صار لهم، المهم أن الرجل، عضو البرلمان السابق، والقيادي المعروف المشهور بنقاء السريرة تلقف دعوة الشيخ "راشد الغنوشي"، زعيم حركة النهضة في تونس، بفصل السياسي عن الدعوي معلناً تنفيذها فيما يخص دعوة الإخوان في مصر "قريبًا"، على اعتبار أن حركة النهضة "كانت" فرعها في تونس.

وإذ استجلي دعوة صرت كـ "المُوضة" خلال الأيام الماضية لا أحتاج إلى التأكيد أن الصامت عن رأي فيه إفادة اليوم شريك للمخطىء في حق نفسه والأمة، بل إن الصامت ظاناً منه أنه ينصر الجماعة بتأييده المطلق لكل خطوة، وصمته عن خطئها مشارك لبعض المندسين وحقيريّ النوايا الذين صار بعضهم حريصاً على مصلحته، مع أرتكاب "خطايا" ما يزال العقل لا يصدقها.

إن القول بوجوب صمت الناصحين وتكرار مثل هذا القول لقرابة ثلاث سنوات ما هو إلا مؤشر على استمرار الجماعة في "التيّه" ذلك الذي شاء الله أن نقرأ في بعض سطوره اليوم، وله تعالى الأمر من قبل ومن بعد!

"1"

فصل الدعوي التربوي عن السياسي:

هذه تجربة من حق "الغنوشي" أن يتحدث عنها وينفذها في تونس، وأياً ما كان موقف إخوان مصر منه، ففيهم الذي يرى إنه امتداد تجربته امتداداً لحزب النور في مصر ليس إلا، وهو حديث ينبغي الجهر به وتوضيحه وكشفه لا أن يكتفي البعض بذكره في المجالس الخاصة، فما عصف بهذا الصفوف وقارب إرداءها اليوم إلا المجالس الخاصة، ويقين البعض بإنهم مُلهمون يسيرون وفق خطوات علويّة فيما هم بشر تمادوا في الطريق غير الصواب، ولو من وجه الاجتهاد حتى قاربوا إفناء مقدراتهم.

يحق لـ"إخوان تونس" اتخاذ هذا القرار فقد ساروا في طريق وقاربوا السلامة فيه وإن لم ينجحوا، أما أن نتحدث في مثل هذا الأمر عن مصر اليوم فما يعد الأمر أن يكون إلا إعلاناً للفشل في المشروع الإخواني من الأصل، بشقيّه الدعوي والسياسي معاً، الأمر ليس أمر نقل حرفي لو ندري ونعلم، وإنما هو رؤية وأفق يُمكنان صاحبها من الاختيار الصواب في مكانه وموعده.

"2"

والقائلون بإنه ليس في الإسلام فصل للسياسي عن الدعوي والديني، من ناحية أخرى يزيدون الطيّنة بلّة إذ يتحدثون عن أمر صائب وقاعدة بالغة الصحة لكن في غير موضعها الأساسي هي الأخرى.

اختار الرسول، صلى الله عليه وسلم، تربية أصحابه بعناية، وتعهدهم بالليل والنهار، وعلى مدار 13 سنة مريرة في مكة كانوا ممنوعين حتى من مجرد رد الأذى عن أنفسهم، أي لا دخل لهم بالسياسة من الأساس على الأقل في شقها العملي، وبعد هجرتهم إلى المدينة تم فرض الجهاد بعد أكثر من 14 سنة من تربيتهم وسهر الرسول، صلى الله عليه وسلم، عليهم، ومع النصر في غزوة "بدر"، تلتها هزيمة "أُحد" درساً سياسياً بالغ القسوة لأصحابه مع كونه حربياً في إحسان الإعداد والمثابرة عليه حتى تحقيق النصر من جميع جوانبه، وجاءت غزوة الخندق تماماً لتمام التربية والإعداد النبوي للصحابة الكرام، وجاء فتح مكة تتويجاً للأمر السياسي في حياة المصطفى، صلى الله عليه وسلم وأصحابه، من جميع جوانبه وأبعاد.

والخلاصة أن الديني اختلط بالسياسي لما كان الفرد المسلم المؤمن موجوداً وليس حينما نفتقد "الإنسان" من الأساس في واقع بالغ المرارة اليوم نرى فيه اختلاطاً للقيم والمثل قبل الدين على نحو بالغ الغرابة ثم نبحث عن مجرد فصل الدين بالسياسة بعد مزجناهما معاً بمنتهى التسليم أننا وصلنا لمرحلة تربوية ناجحة مع الشعب المصري، اجتزنا فيها إعداد البيت المسلم إلى الشارع ..فيما الحقيقة أن السادة من الإخوان لم يصلوا إلى شىء من الأساس!

"3"

هل نتذكر كيف كان يتم اختيار الفرد السياسي في جماعة الإخوان إلى مجلس الشعب والشورى؟ وكيف كان الأمر يُقاس على مقدار الطاعة لله ثم التنظيم ومراعاة الأصول الاجتماعية؟ لم يكن الأمر أمر إحسان تفكير وإجادة تدبر في أمور تقتضي دارسين وواعين وملمين بها؟ وفي النهاية أوصل إخوان مصر هذا إلى ذياك، فكيف يتم إصلاح الفرع والأصل بالغ الميل؟
إن أمور السياسة أمور عالمين ملمين بها، وإن "خالد بن الوليد" بعد أيام من إسلامه كان يسير في ركب الغزو معه كبار الصحابة..ذلك لإن الأمر أمر إحسان وإجادة لا قرب ومكانة وحظوة.

وقد منع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا هريرة، رضي الله عنه الإمارة رغم تقواه وورعه فهذا شأن وذاك آخر تماماً.
وفكر في هذا "الفصل" الإمام حسن البنا لكنه كان واضحاً قبل فصل السياسي عن الدعوي تمنى بحسب قول أحد مؤسسي الجماعة، الأستاذ محمد فريد عبد الخالق ألو استطاع العكوف على تربية مائة من الإخوان في المسجد متحدياً العالم بهم، وذلك قبل وفاته بأيام، رحمه الله!

إنه وعي وإدراك بأوجاع الجماعة قرب وفاته، وبعلل وأمراض الشعب المصري لا استمرار في الخلط بالأوراق والإذعان للإعلان عن فشل المسير والمشروع معاً.

ويوم ينشغل الإخوان اليوم بالطريق الصحيح الرئيسي لحل مشكلتهم في مصر، يوم يرحمون المصابين والمعتقلين وأهالي الشهداء، وقبلها يُنقون أنفسهم من الذين لا يستحقون من الأصل، يومها تكون الجماعة فاهمة مُناقشة للقضايا الرئيسية الضرورية لا مُفلسة نناقش "سفاسف الأمور" من آسف ولو جاءت في صورة قضايا ضرورية في غير وقتها ومكانها..أو بعد خلط الحابل بالنابل تريدون اليوم فصل الدين عن السياسة، ولله الامر من قبل ومن بعد!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.