المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ثابت Headshot

لماذا "يتخلى" الله عن مسلمي حلب؟

تم النشر: تم التحديث:

يد تضم طرفي "بطانية" على رأسها وجسدها؛ إذ خرجتْ بلباس المنزل، بعد أن نجت بأعجوبة من "القصف" الجوي للطيران الروسي، وباليد الأخرى كانت تحاول التفتيش عن صغارها تحت أنقاض البناية، تظن أن "أظافرها" المقصوصة تستطيع الوصول إليهم، وأن كل مجزوء ثانية قادماً سيحمل كلمة "أمي" على شفتي أحدهم، وأن أحضانها في انتظار "لهفة" حنان ابنتها الصغرى إليها!

أبكت العيون من حولها، وأشار إليها غير واحد من الرجال كي تتأخر لتنتظر الجميع "رحمة الله".

هنا انهارت صارخة:

ـ يا الله، نهتف ما لنا غيرك يا الله. .فلماذا "تتخلى" عنا يا رب؟.. أبنائي يا قوي.. "هادول" الروس "ناس" كفار.. كيف يموتوهم؟!

عند هذا القدر تاه الوجدان، ألماً لِما يحدث لهذه الأم ومئات الأمهات معها، إذ وثقتْ "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" وفاة 1041 سورياً الشهر الماضي فقط، وجاء من بينهم 61 طفلاً خلال أبريل/نيسان الماضي، أي بمعدل طفلين في سوريا يومياً، وفي مارس/آذار كان عدد السوريين الشهداء، أسأل الله أن يكونوا كذلك، 240 بحسب الشبكة نفسها، أما القصف الذي آلم كل إنسان حر شريف في العالم، لا المسلمين فقط، أما قصف "حلب" منذ 21 من أبريل الماضي، وفي شهر الله رجب، وهو من الأشهر الحُرم التي حرم الله القتال فيها، فقد ضاعف عدد الشهداء، ومنهم الصغار.

(1)


لِمَ "يتخلى" الله، حاشا له سبحانه، عن مسلمي حلب اليوم؟

فلماذا يترك "الروس" الكفار، برأي السيدة، يقصفونهم بالطيران الحربي منذ 30 من سبتمبر/أيلول من العام الماضي؟ كما يدكهم "بشار" منذ عام 2011م.

ولماذا يعجز المسلمون الثوار عن الرد؟ وهم مسلمون أحب خلق الله إلى رب العزة؟

ولماذا يأتي "تنظيم الدولة" أو "داعش" بمعنى أصح ليزيد الطينة بلة؟ ويشارك في هذه المذبحة التي يعجز اللسان وتفشل اليد في وصفها.

هذه الأسئلة وغيرها، على قسوتها الظاهرة "مشروعة" تماماً، ورغم "صدمة" السيدة السورية القاسية، فلعل الله يغفر لها ما قالت، أما عنا، نحن المُتابعين لما يحدث، "المتفرجين" بمعنى أصح، فلن يزيد صاحب هذه الكلمات عن أسئلة قليلة:

ـ ولماذا يفيق الضمير منا كل بضعة شهور على مأسأة ثم يغفو أو يواصل النوم؟

من مثل مجازر الصرب والكروات في البوسنة والهرسك منذ عام 1992 حتى 1995م، ومجازر روسيا في الشيشان منذ 1994م حتى 1997م، وفي الأولى استشهدت من 20 حتى 50 ألف مسلمة، وهو عدد النساء فقط، وغالباً لم تنتهِ المقابر الجماعية المجهولة حتى اليوم، وفي الثانية راح شهيداً ما يقدر بـ104 آلاف مسلم.

ولماذا مصمصنا شفاهنا عن الذين استشهدوا في فلسطين، والعراق، ومصر، وسوريا؟

كل مرة "ننفعل"، ونُدين بما نستطيع من وسائل الإدانة "الظاهرية" ونقول إننا سندعو الله، وسنقوم الليل على الظلمة..
ويوماً بعد يوم تزاد "مآسينا" ويواصل نهر الدماء المسلم "السريان" فيما "يتلاحق" طابور الشهداء الطاهر نحو السماء.

(2)

أما لماذا يُباد المسلمون ويُقتلون منذ قديم الزمان، وليس منذ فلسطين أو العراق وسوريا ومصر والبوسنة والشيشان، بالإضافة إلى "قيزاغستان" في عام 1917م، إن شئنا الدقة في شهداء "القرن الماضي" فقط، يجب أن تذكرها فقد استشهد فيها 150 ألف مسلم؟
ولدينا أمثلة على قدم "المجازر" ضد المسلمين لا تبعث على الوهن والضعف والاستكانة، ولكن تصب في نهر طاهر، وثمار أشجار جزره قريبة مينعة -بإذن الله- من قيام لحضارة الإسلام التي يفتقدها العالم لا المسلمون فقط، رغم قسوة الواقع، فقط نحسن الإجابة عن السؤال:
ولماذا "ترك" الله عدداً قيلاً "مليون" مسلم ليموتوا عند دخول التتار بغداد في فبراير/شباط من عام 856هـ، 1258م؟ والأرقام لموقع "قصة الإسلام".

ولماذا ترك الحملات الصليبية منذ 1096 حتى 1291م لتحصد أرواحاً، قيل إنه في يوم دخول الحملة الأولى "بيت المقدس" فقط أبادت أرواح 60 ألفاً من المسلمين وغيرهم من سكان القدس لدرجة أن الناس كانت تلقي بأنفسها من فوق البيوت خوفاً من بشاعة القتل؟
ولماذا ما حدث في محاكم التفتيش في إسبانيا وغيرها؟

هل نقول إنها قسوة ووحشية الحضارة الغربية التي لا تألو جهداً في تمزيق أجساد الذين تراهم أعداءها؟
هل نقول إن الغرب فاق في قسوته حيوانات الغابة؟

وإذا كان هذا صحيحاً فالغرب نفسه، ممثلاً في الأوروبيين والأميركان أبادوا قرابة 200 مليون من البشر، وهم لا يقارنون بعدد المسلمين في الحروب معه على مدار التاريخ، وهذا العدد هو لأهالي أميركا الأصليين المسميين ظلماً بـ"الهنود الحُمر"، منذ عام 1494 حتى عام 1905م تقريباً، وهؤلاء رحبوا بالمحتل وسُفنه، بل قدموا له الطعام والمنتجات، وكانت النتيجة أن أتى بالغرب ليشوي الطفل أمام والديه، وليقتلوا هؤلاء دون تفكير في استفادة منهم، وفي عدم تلوث جبين البشرية بل الشرف الغربي بهذه الدماء!
ولكن هل يُعفي أمر أهل الأميركتين من تكرار السؤال:
لماذا "يترك" الله المسلمين منذ قديم؟

(3)


شباب وكبار ويطرحون السؤال، أو يدور في أنفسهم دون أن يجرأوا على البوح به، ويبالغون فيه: الغرب "الكافر الفاجر" صعد القمر ونحن ما زلنا لا نحسن الدفاع عن أنفسنا..

الحقيقة أن الله تعالى لما خلق هذا الكون أوجد فيه "مقومات" العدل الإلهية الفريدة، التي لا تعرف العبث البشري، بل سمّى الله نفسه العدل، وكان من تمام عدله تعالى "السُّنن الكونية".
والأخيرة تعني أن الله العادل سوف يرزق الناس جميعاً الكافر مع المسلم، والتقي مع الفاجر، ولكنه لن يُعطي الدين والوصول إليه إلا للذين يحبهم تعالى، ولكن ليس معنى إعطاء الدين إهمال السنن الكونية.

بمعنى أن الله العادل الحق -سبحانه- ارتضى عدم التمييز بين خلقه، وأن أمر المحبة والبعد عنه ليس قرينة أو سبباً في الحرمان من الرزق، ولذلك في سورة البقرة لما طلب سيدنا إبراهيم من ربه أن يرزق أهل مكة من الثمرات "مَن آمن مِنهم" قال تعالى له على الفور: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).

أي إن الله ضمنه لنبيّه أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم إن من ذريته الكافر مع المسلم، وإن الرزق لن يتأخر عن أحدهما بسبب دينه، ومعصيته لربه، بمعنى أن الكون سيسير بمنتهى الشفافية، ومن الرزق، وعلى قمة الرزق القوة والسيادة على هذه الأرض، فإن الله لن يجامل ولن يحابي، ولن يظلم في المقابل الذين يعملون ويأخذون بالأسباب، من الغربيين "الكفار" برأي البعض، وهو الرأي الذي لا أوافق عليه، وإنما يهمني دورنا كمؤمنين بالله ثم الإنسان والبشرية وموقعنا من العمل الفعال والبناء.

إذن الأمر واضح وجلي لو أن لديك ابنينِ؛ أحدهما مطيّع لك لكنه "خائب" نائم لا يريد أن يستذكر دروسه، بليد لا يفيق من سكرة الاستسلام للحياة، وآخر يعصيك ثم هو متفوق في دراسته، مقبل على الفهم، لماح بالغ الذكاء.. فهل ستحب لو أنك "عادل" الابن الأول؟

(4)


لما طلب سيدنا إبراهيم الهداية والنبوة له ولذريته قيدها الله بالمؤمنين منهم، لكنه في أمر طلب الأسباب وسننه في خلقه وكونه، واراد إبراهيم تعلم الدرس فقال في الآية السابقة (من آمن منهم) فأزال الله القيد قائلاً:

(ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير).

لن أتحدث هنا عن العدل في الدار الآخرة؛ لأنه مفروغ منه، ولكني سأفيض في طلب مقومات وأسباب الدنيا من قبل المسلم، في طلب أسباب القوة والمنعة والرزق.

إننا نتخاذل في الأخذ بالأسباب، ونظن أن إيماننا بالله كافينا كبديل عنها، ورحم الله "الشيخ الغزالي" لما روى القصة التالية:

في حصن من الحصون بالجزائر كان الفرنسيون الغزاة متمترسين بالسلاح، فأرد 12 من حفاظ القرآن الكريم إخراجهم بالقوة، وقال لهم شيخهم إنكم بحفظ كلمات الله ستنصرون عليهم، فليس من الطبيعي أن يهزموا آي الذكر الحكيم في "أجوافكم"، وبالطبع استشهد حُفاظ القرآن الكريم.. فالأمر أمر قوة لا كلمات ولو كانت كلمات الله، مع الإعزاز والتقدير والتكريم لها، الأمر أمر أسباب هنا، لما تتمسك بها مع القرآن يأتي النصر المؤزر، ويعقب الشيخ الغزالي قائلاً:

ـ "كسب الأعداء الحصن وخسرنا 12 من الحفاظ كان يمكنهم إحياء الإيمان في الأجيال القادمة إلى جوار الإعداد للمعارك".
ولدينا في المقابل قصة البندقية مع بعض أتباع "قنصوة الغوري" آخر حكام المماليك في مصر، فإنه لما قيل للجنود هناك بنادق تقتل في ثانية وأروهم إياها، كذبوا أعينهم وقالوا لدينا السيوف وهي أكبر وأحدّ.. ودخلوا المعركة فأبيّدوا بها.

ومفهوم حفظ كتاب الله هو الذي سمعناه بعد "رابعة العدوية" في مصر والمجازر الرهيبة، كانوا يقولون لك:
ـ نستنفد الوسع ويأتي النصر، وما يزالون يقولون، أي نكثر من الدعاء والصلاة.

والأخيران مطلوبان لكن مع العمل الشاق لعمارة الأرض والأخذ بأسباب القوة من الأساس، ورحم الله القائل لو حفظت القرآن والسنة والفتاوى، ولم تكن تُحسنُ الدفاع عن نفسك، وكان في يد عدوك "هراوة" لغلبك!

(5)

لماذا هُزِمَ الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذن في غزوة أحد، إذا كان النصر سيأتي للنائمين لمجرد استشهاد بعض منهم؟

هُزِمَ الرسول العظيم لما قصر المسلمون في الأخذ بالأسباب، وهو الرسول العظيم، أحب خلق الله إلى الله، لكن الله لا يجامل في سننه في هندسة الكون ولا يحابي أحداً، ولو كان رسوله صلى الله عليه وسلم.

ولماذا لا يجامل الله -حاشا له- المسلمين مرة؟

لأنه خلق الكون وسوَّاه وأبدع في كل هذا وفق منظومة عمارة للأرض، كما في سورة البقرة أيضاً، والغربي اليوم هو الذي يعمر الأرض، ويخترع ويبدع ويجود فيما نحن نضيق بكل هذا بفعل المتآمرين منا كحكامنا، وتنظيم الدولة المُسمى ظلماً بالإسلامية، أو تقصير أنفسنا ولكننا لا نعمر الأرض.

ولكن الغربي يُفسد فيها بقتلنا؟

ذلك لأنها منظومة حضارية هو يرى بقاءه في إنفاذها بقتلنا، فيما لا نفهم، كحس جمعي حضاري، أن بقاءنا في حسن الدفاع عن أنفسنا بأخذ أسباب الدفاع من قوة وغلبة ومنعة، ولو فعلنا وبذل كل منا من وقته فيما يجيد من أجل رفعة الأمة لتحول حالها وتعدل، ولكننا في الأغلب الأعم نأتي الحياة زائدين عليها، لا نقدم لها شيئاً، نعيش على منتجات الغرب، ونهاجمه بكلماتنا دون أن نُعد شيئاً لرفعة أمتنا أو شرفاء العالم، دون أن نحترم الإنسانية فينا، مثلنا مثل "الهنود الحمر" آسف أهل الأميركيتين الحقيقيين، عاشوا قروناً بها معزولين عن الحضارة فلما أتت الحضارة، أو محاولات الحضارة أبادتهم.

ثم إنه تعالى لا يريد لعاصيه أو غير المؤمن أو المسلم أن يقول له يوم القيامة:
ـ هذا المسلم نصرته عليّ في الدنيا وجعلته متفوقاً عني، رغم تكاسله، ثم ها أنت تدخله الجنة وتحرمني منها..
حاشا لله العادل أن يسمح بمثل هذا القول؛ لذلك جعل الدنيا لمن يستطيع السعي فيها، ولكنه أبقى مؤشراً ليفيق به المسلم والمؤمن من الغيبوبة بخاصة إذا طالت!

(6)

لمّا يمرض ابنك الصغير أحب الخلق من الأحياء إليك، وهو بعد صغير، يرى الطبيب أن يحقن بعدد من الحقن، وكل مرة أنت الذي تمسك به جيداً، رغم صراخه ونظرات اللوم القاسية إليك، ومحاولاته الاعتراض.

الفارق بيننا وبين الهنود الحمر أنهم لم تكن لهم عقيدة تحميهم، ولدينا عقيدة صُلبة -والحمد لله- تمنع هذه الأمة من الفناء، ولكن يجب التمسك بها، ولأننا قصرنا في هذا فإن رب العزة يعيدنا إليه لكن بما نحن أهل به، أو كما جاء في الحديث القدسي: "فإنني طبيبهم"، رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء، ومن الطب ما يقسو على المريض، لكي يفيق، وننتبه إلى الأخذ بالأسباب، وننهض بالبناء وحسن التصرف، والإعداد، وأوله التخلص من الظلمة.

لكن ونحن لا نسير في هذا الطريق من آسف، لا ينبغي أن نستعظم التضحيات مهما كانت، ومهما كان دور أحدنا فيها جسيماً، فإنما الابتلاء في هذه الحالة لعلو همة المُبتلى، على النقيض تماماً، مما يرى الناس في الدنيا، ورفعة للدرجات في الآخرة، وللحقيقة فإن المسلمين لا يضربون منذ الحملات الصليبية، أو حتى حينما قال جورج دبليو الأحمق بعد ما يسمى أحداث 11 من سبتمبر:

ـ إننا نبدأ حملات صليبية جديدة.. وستأخذ منا وقتاً كثيراً للوقوف ضد الارهاب الإسلامي!

وعلم الله من هو الأكثر إرهاباً حينها؟

بل إن المسلمين لكي لا يكونوا مثل "الهنود الحمر" فإن الله يبتليهم بما يسمونه "المجازر" تصيب بعضهم ليُفيق المجمل منهم، ويعملوا ويحسنوا التخطيط ليسودوا العالم من جديد كما كانوا من قبل، ولتكون هذه المجازر نقطة انطلاق نحو الحضارة واستعادة سيادة العالم، وما كانت مجزرة القدس من الصليبيين إلا مقدمة لمجىء "صلاح الدين" و"حطين"، وما كانت مجازر التتار إلا مقدمة لـ"قطز" و"عين جالوت".

ويوم يقدم كل منا ما يرضي ربه ثم ضميره، تكون مأساتنا اليوم سبباً لرفعة وعلو هذه الأمة من جديد، بإذن الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.