المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ثابت Headshot

قلبي يحدثني!

تم النشر: تم التحديث:

قلبي يحدثني بأنّا عما قريب جداً سنلتقي، وإن الموعد صار بالغ القرب برغم أحد عشر ألف موعد، على الأقل، ما بيننا، ولم نصادف موعداً واحداً تشاء الأقدار لنا بالتفاتة وجه، أو لقاء عين بأخرى، كم كنتُ أهوى ألا يمر يوم أو تنقضي ليلة إلا ببسمة محياك فوق وجهي، إلا وندى الإشراق ينير ثغرك لما أفتح للشمس باب الدخول عبر نافذتي، إلا ويأتي المساء فنتعانق في ألق يلغي كل متاعب الحياة ويحببني ويحببك فيها.

يعلم الله أنني ما سرتُ في طريق إلا وكان خطوك سابقاً خطوي، وإن ما هممتُ بأمر سوء أو حدثتني به نفسي، ولو حديثاً عابراً، عفو الخاطر، بالسير لخطوة في طريق لا ترضى عنه، ونصحتني بالبعد تماماً عن ناصيته، إلا وتمثلت لي تنهاني، وتعبس في وجهي قائلاً: ما على هذا تعاهدنا، وما كانت تلك وعودك لي صغيراً، أفمتُ بداخلك.. أم طال عليك أمد عهدي فأحببتَ الإخلال به؟!

كنتُ ومازلت ساعتها أود الصراخ إليك، صراخاً لا تضيع صداه البوادي ولا تفر منه العهود، ولا ترفضه المواني أو تطلب له تأشيرة انصراف أو دخول، كنتُ أود بأقل درجة صمت الهمس بعيداً عن أذنيك تماماً: إنني ما نسيتُك وما كان لي، وكيف يمكنني أن أنسى مَنْ يسبح في تكويني؟!

يصحو من المنام، فيّ، قبل صحوي، ينزع عني غطاءات الكسل وسوء التعامل مع مفردات الحياة، يفتح باب دورة المياه فيعبقها أريج دخوله إليه، وكم يترك البشر في مثل هذا المكان من لفتات لا ترضي؟ يقرأ آي الذكر الحكيم بانتظام إذ تقصر دوني الحياة ودون أن أفعل، يصلي الفجر مع ميلاد أول أشعته، وعقب الصلاة تأخذه النسمة حتى بعيد، يجلس هناك في وهدة شجية قرب أنفاسه المتسللة، يبتسم إذ يولي الليل ساحباً أطرافه، ينتشي إذ يرى إلهام الصباح يعطر الآفاق.

حيرني فيك دائماً أنك كنتَ ومازلتَ وستظل على الدوام قطرة من حرير آزرتك حنايا الداخل، وغذاك مني الوجدان، وأقرّ العقول وجودك، بل استسلمت لك الحياة، كل مفردات الحياة في داخلي، أيا حبيب، ومع أنك تسير معي، تبتسم في أضلع التكوين والكون بداخلي، تسافر في المدن ويبدأ سفرك كل مرة من تدفق دمي، ترعى الثورات وأحلام البلاد، وتدرك بحيز فكر الذي عرف النهاية قيمة الأحلام وقسوة ما تأتي به الأيام، تكون في دنياي كل الدنيا ثم تتركني لتعبر طريقها وتفارق.

أؤثرك على نفسي، وأرى في ابتسامك خلاصة سعادة الثواني من أيامي، إن ضحكتْ تلألأت كل الشطآن التي أدمنتْ البحث عن اللون الأخضر والنشوة، كل أغصان الشجر تقف مزدهية ببعدها عن الأرض كل الثمار التي لم تنضج تجد في نفسها قوة الدفع الأكثر من لازمة لتغادر الأشجار، كل البلاد تسمع النداء تنفتح أبواب سجونها ومعتقلاتها على الامتلاء، تدخل نسمات الامتلاء لتحتل فراغ الزنازين وآلات التعذيب، وقساة البشر.

كل مفردات الحياة تسير من عنوان البردة النبوية الشريفة، اللون الأخضر ينتشي وهون يعانق أقصى مدى من كبد الأرض، تقبل السحابة على عصفور حزين فقد والديّه في إحدى موجات التدافع بين البشر فتقبل بين عينيه وتعده الأمان في حياته، كل الملتاعين المظلومين يتعلمون أن الحياة تقبل الإنصاف، وأن هناك حلاً غير الممات يعطي الصابرين حقوقهم المدفونة في عمق القلوب، معتقلون رغم القيد المُغلظ، كواكب درية من آفاق علوية في الاعتقال الانفرادي تتمادى في التحلل من الأسر، لو أن الأموات يقومون بعد الوفاة لقاموا فرحاً بك.. لو أن شهداء النضال يعودون، لن تزيدهم الحياة الدنيا شيئاً.. ولكن الأحياء، فقط، سيفرحون بهم! لو أنهم يعودون.. لو أنهم..!
أبي:
كلمة السر في حدائق من ياسمين تفوح رائحتها على مدار سنيّ العمر مقبلة حتى الذاهبة تقبل، وكأس من لذيذ المشاعر يُشربُ على شديد الظمأ، ووهدة من نوم عفي بين مبارزة سيوف حرب، وكلمة سحرية تكسر قيد كل مظلوم، وتفك الكرب عن دنيا ما تقبل إلا لتعرض في غباء، قالوا إني إذ ترحل وتتركني في الثالثة عشرة من العمر "تمتعتْ" بك أكثر، وإن هناك مَنْ رحل آباؤوهم في سن أصغر، ومعك لم أكن لأتمنى الحرمان هرباً من مهاجمة الذكرى بقسوة للقلب، أحببتُ المضي في ظلك، ولكم فرحتُ بفرحتك، وكنتُ أتبع هناءاتك دون أن أشعرك، فقط كم تمنى العصفور بعد أن يُهدمَ عشه أن لو كان باستطاعته ألا يعرف فرع الشجرة الذي أقام به من الأساس!

تمر مياه الحياة عفيّة من أسفل جسر يأسى ليوم كانت تلك المياه تعانق القلب والشرايين منه، عقلاء البشر يقولون له ينبغي أن تظل المياه تعبر بأسفلك فيما تكون "عُلويّاً"، قد يكون لأنه كان من فتنة نكهة المياه من قبل لا يتحمل أن يبتعد، قد يكون لأنه بلا سبب لم يعش أوقات طفولة معانقة المياه جيداً.. ولذلك يحب مفارقتها دائماً وأبداً.. قد يكون لأنه لما أحب مرأى القرب أحب الائتناس به مدى العمر فَحُرم مبكراً منه.. كل ما يدريه أنه ما سار في وادٍ مهما كان ضيقاً إلا ورآك تسير إلى جواره، وما ابتسم إلا ووجد ابتسامته في عينيك مردودة نسمة تحمل جسره بورقة شجرة "محمرة" من أثر الخريف، بعد الاصفرار عاجلها الموت بحمرته.. نسمات الخريف الملبدة بالثلوج حملت ورقته حتى النهر ظانة أنها تهبها الحياة من جديد.

يتمادى حيناً بعد حين، ويوماً بعد يوم ظني فيك.. بأنك يا أبي لو زرتْ هذه البقاع المذيلة باسمي الممهورة بتوقيع دماء الوجدان.. فلسوف أعود بك ولك.. صغيراً بين يديك يعالج الحياة بقوة ومهارة.

يال الأماني والأحلام.. لمّا نفتقد يا أبي!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.